قضايا و اراء

42007‏السنة 126-العدد2001ديسمبر10‏25 من رمضـان 1422 هــالأثنين

هل أصبح الشرف غريبا؟‏!‏
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

نشأنا في جيل كان شأنه عجبا‏.‏ كان يقول إن الانسان لابد ان يكون شريفا حتي لا يحتقره الناس‏.‏ وإن الإنسان ينبغي أن يحافظ علي كرامته وأن يكون صادقا مع نفسه ومع الآخرين حتي يقبله المجتمع والناس‏,‏ وكان يقول إن الانسان إن خادع الآخرين فترة ما‏,‏ فما أسرع ما يكتشف الناس أمره ويصبح بينهم مهينا محاطا بكل ألوان الاحتقار والازدراء وينصرفون عنه‏.‏
وكان في جيلنا الكاتب يكتب ويترك للناس أن تحكم علي ما يكتب في غير تمويه ولا دعاية كاذبة جوفاء‏,‏ ودون أن يصرف همه إلي الانحناء هنا وهناك علي مكاتب الصحفيين لينشروا عنه كاذب الأنباء ومختلق الأقاويل‏.‏ ونشأنا نري أنه ليس هناك شرف يعدل شرف الكاتب‏.‏ وكان الكاتب يعرف قيمة الامانة التي يحملها بقلمه‏.‏ وهكذا كان الناس يحلون الكاتب أرفع مكان من قلوبهم ومن ضمائرهم ومن مجتمعهم‏.‏

كان جيلا عجبا‏,‏ الشرف فيه هو الأصل‏.‏ والخيانة استثناء‏.‏ والأمانة مفروضة فيمن يتولون الوظائف العامة‏.‏ وخيانتها نادرة‏.‏ فما أن تقع حتي يرتفع لوقوعها ضجيج ضخم‏.‏ والذين أشيع عنهم أنهم قبلوا الرشوة كانوا قلة يعرفهم المجتمع ويتجنبهم الناس فلا يدعون أحدا منهم الي بيوتهم ولا يوسعون لهم في مجالسهم‏.‏
تقدمت سيدة أشيع عنها ما لا يرضاه الخلق الرفيع الي محمد باشا محمود وذكر اسمها له ومدت اليه يدها ليصافحها فإذا به وهو الرجل الذي تلقي علومه في لندن التي تقدس التقاليد وتحترم السيدات غاية الاحترام‏.‏ إذا بهذا الرجل يضع يمينه خلف ظهره ويحرك سبابة يده اليسري يمينا ويسارا‏.‏ بما يجعلها تفهم أنه يأبي أن يصافحها وهي من أعرق عائلات مصر‏.‏ ثم يستدير لها ويتركها ذاهلة‏.‏

كان جيلا عجيبا‏.‏ ثقافته كتاب‏,‏ وحديثه حول كتاب‏,‏ ومنتداه أدب رفيع وشعر سامق حلو الرنين عذب اللفظ كريم العطاء‏.‏ إذا أراد أن يسمع فأم كلثوم وعبدالوهاب في القمة ومعهما أسماء لامعة متألقة تشق أصواتها ظلام الحياة بالنور والأمل والسعادة والهناء‏.‏ يختارون شعر أغانيهم من أعظم شعراء العربية إن أرادوا شعرا‏,‏ ومن أعظم كتاب الكلمة المصرية إن مالوا إلي الأغنية المصرية‏.‏
وبأصوات هؤلاء أصبحت اللغة المصرية عالمية بين الناطقين بالعربية جميعا تؤازرها المسرحية المصرية والفيلم المصري‏.‏ فإن أراد العرب ثقافة فكتاب مصر وشعراؤها‏.‏ وإن أرادوا طربا وغناء فعلي القمة دائما أم كلثوم وعبدالوهاب وكل من نشأ حولهم‏.‏ ومن أراد أن يشتهر أمره من المغنين العرب فمصر مسرح شهرته ومصدر إذاعته‏,‏ يعلمون جميعا أن الصوت الذي لا يسبقه‏(‏ هنا القاهرة‏)‏ قليل سامعوه‏.‏

وغني الشعب أشعار شوقي وحافظ وعزيز أباظة وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه وأحمد فتحي وأحمد رامي وأبي فراس الحمداني وعبدالفتاح مصطفي وصالح جودت ومصطفي عبدالرحمن‏.‏
وغني لإمام الزجل المصري بيرم التونسي وكتب شوقي الكلمة العامية وغناها له الشعب وكتب رامي وجودت الاغنية التي سمت كلماتها الي أرفع ألوان الشعر وجاء من بعدهم الجيل المتألق من حسين السيد ومرسي جميل عزيز وعبدالوهاب محمد ومأمون الشناوي وأحمد شفيق كامل وغيرهم‏.‏

كان جيلا عجبا‏.‏ بدأ فيه رعيل العمالقة ألوانا من الأدب لم يسبقهم فيه سابق‏.‏ جيل طه حسين وهيكل والعقاد والمازني والزيات وأحمد أمين وتوفيق الحكيم وتيمور‏.‏ كان جيلا كتب المقالة والقصة والرواية والمسرحية والتاريخ والنقد‏.‏ فلم يكن عجبا من بعد أن يأتي جيل التخصص نجيب محفوظ ومحمد عبدالحليم عبدالله ويوسف السباعي وعبدالحميد جودة السحار وعبدالرحمن الشرقاوي وإحسان عبدالقدوس وأمين يوسف غراب ويوسف جوهر وباكثير ومحمود البدوي‏.‏ ولم يكن عجبا أن يلحق بجيلهم الجيل الثاني‏.‏
كان جيلا عجبا‏.‏ إذا أراد أن يضحك شاهد الريحاني وان تواضع فالكسار‏.‏ وفي التمثيل جاء جيل المهندس ومدبولي وعبدالمنعم ابراهيم وزملائهم يقدمون علي المسرح الفن الرفيع بلا إسفاف ولا استخفاف بعقلية الجمهور ولا بكرامته‏.‏ ما الذي حدث؟ وما هذا الذي فشا في أعراق الحياة وفي انحائها‏.‏ ما الذي حدث؟

كيف صارت السرقة والرشوة في الأصل‏.‏ وكيف أصبح المجتمع يقبل المجرمين ويضعهم في الصدارة من أبهائه‏.‏ كل من سرق أموال مصر أصبح عظيما‏,‏ وكل من مص دماء الشعب أصبح عند الناس علما‏.‏ أمسي المجتمع لا يعاقب أحدا بل غدا المال وحده هو السيد‏.‏
لم يصبح الشرف في ذاته قيمة‏.‏ فإذا لم يصحبه المال فهو عند ناس اليوم خيبة وجهل بالمسالك وغباء للطريق وانحراف عن معرفة الحياة‏.‏

أصبح خريج السجون خيرا من خريجي الجامعة‏.‏ وأري بين الناس من يتباهي بأنه منافق‏,‏ وبأنه جبان‏,‏ وبأنه صانع كل عهد‏,‏ ويمسح كل حذاء‏,‏ ويقبل كل يد‏,‏ ويجلس علي كل مائدة فإن لم يجد حولها كرسيا التقم الفتات‏,‏ كما يفعل الكلب الذي لا صاحب له‏.‏ ذليل قيده من داخله‏.‏ ضئيل‏.‏ فرض هو صغاره علي نفسه ولم يفرضه عليه أحد‏.‏
كنا جيلا يبدأ الاحترام فيه من احترام الانسان لإنسانية نفسه هو‏,‏ ويفرض بهذا احترامه علي الآخرين‏.‏ وأصبحنا اليوم نري السفلة المنافقين يسدون من الحياة آفاقها‏.‏ ويصفق لهم المجتمع ويهلل لهم‏.‏

أصبح الشرف غريبا في حياتنا يتخفي عن العيون حذر السخرية وخوفا من التندر به‏.‏ علا صوت اللصوص وطغي سلطانهم حتي أصبح لهم كتاب يمجدونهم ويتغنون بدناءاتهم لا يعنيهم أن يحقرهم النبلاء‏.‏
إذا أراد الناس أدبا فما لا يفهم من الأدب وممن لا ثقافة له‏.‏ وفيم يجهدون أنفسهم وما هي إلا انحناءة هنا ومعها رشوة ومذلة هناك ومعها دعوة حتي يصبح أمرهم شهيرا جهيرا‏,‏ وإن كانت شهرتهم من فراغ وإسفاف وغموض وتفكك وانحلال للشكل والمضمون معا‏.‏

وإذا أراد الناس أن يسمعوا فتلك الأغاني التي يرفض القلم أن يذكر من كلماتها كلمة‏.‏
وإذا أراد الناس أن يضحكوا فهذه الروايات التي يؤلفها الممثلون بالتعاون مع الجمهور علي خشبة المسرح‏.‏ وصفعة وراقصة بهلوانية وسخف وهذاء وتنابذ بالشتائم ومباريات في الانحطاط أيهما أشد أفولا وأعظم تدهورا‏.‏

غريب هو الشرف في دنيا الناس اليوم وغريب هو السموق في عالم الفن اليوم‏,‏ تري ماذا يقول الأمس إذا أطل علينا من غيابات الماضي‏.‏
لأحسب أن سيحمد الله أنه أصبح أمسا‏,‏ وأنه لن يعود الي الحياة أبدا‏.‏ وحسبي الله ونعم الوكيل‏....‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية