قضايا و اراء

41958‏السنة 126-العدد2001اكتوبر22‏5 من شعبان 1422 هــالأثنين

الكاتب ومدي حريته
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

ربما يجدر بنا أن نسأل أولا‏..‏ هل لها مدي‏..‏ وإن كان لها مدي جاز لنا حينئذ أن نورد هذا السؤال الذي يفرض نفسه عنوانا‏.‏
هل الكاتب ذو حرية مطلقة يستطيع أن يقول ما يشاء أو يقول‏.‏

ويستطيع أن ينطلق معربدا في ميادين الحياة جميعا محطما كل ما استقر المجتمع علي أنه قيم ثابتة لايجوز أن تتغير ولايتاح لأحد أن يقترب من قدسيتها هل للكاتب مثلا أن يدعو إلي الفوضي الخلقية والاجتماعية بلا رقيب عليه أو حسيب‏.‏
والتساؤل هنا جدلي بطبيعته‏,‏ وبطبيعة الأمر الواقع‏,‏ فلكل مجتمع قوانينه التي يخضع لها الكاتب كما يخضع لها كل أفراد المجتمع ولكننا إذا فرضنا أن الكاتب تحرر من هذه القوانين ينطلق له العنان ويصبح بغير قيد يغل يده أو يمسك بقلمه‏.‏

العجيب أن إجابتي علي هذا السؤال هي نعم‏..‏ نعم‏..‏ نعم‏..‏ الكاتب حر من هذه القوانين‏,‏ ومن هذه الأقداس‏.‏
وقد تصدر العجب هذه الجملة لأنني رجل أمسكت القلم نيفا وخمسين عاما‏,‏ وأصبحت الدائرة التي أتنفس فيها ويحيا بهوائها قلمي هي القيم العليا للانسان في كل زمان ومكان حتي لقد رميت بالرجعية فقبلت ومضيت في طريقي وكتب عني بعضهم في البلاد العربية أنني سلفي فضحكن فالسلفية تعبير شرعي يلحق بفقهاء الدين ولايوصف به كاتب روائي أو قصصي أو سياسي أو اجتماعي‏.‏

ولكنني مع ذلك مصر علي أن الكاتب لاينبغي أن يخضع لأي قيد من القيود الثابتة التي يفرضها المجتمع والتي توارثتها الأجيال‏.‏
فليصنع بهذه القيم ما شاء‏.‏ وليحطمها وليبدد إذا أراد كل ما استقر الناس عليه من خلق وسمو ورفعة‏.‏

فالكاتب إنما يبدع للمجتمع ما يري هو أنه المثل الأعلي للمجتمع ولا يفرض المجتمع عليه مثله هو العليا‏.‏
الكاتب يحطم القيمة البالية القديمة إذا كانت لاتعجبه وينشيء هو للمجتمع القيمة الجديرة به الخليقة بتقديم هذا المجتمع‏.‏

ولكن هل هذه الحرية التي أؤمن بها للكاتب طليقة بغير أي قيد‏.‏
من أجل هذا السؤال‏..‏ أو سمه تساؤلا إذا شئت‏..‏ حاولت أن أكتب هذا المقال‏.‏

إنما يقع علي الكاتب قيد هو من أشد القيود التي عرفتها البشرية‏.‏ فالكاتب أولا وقبل كل شيء إنسان‏..‏ بل هو أو ينبغي أن يكون مثلا أعلي للإنسانية‏.‏ ومادام إنسانا فهو فرد في المجتمع وما دام كذلك فحتم أن يخضع لقانون البشرية مادام قد أعفي هو نفسه أو أراد أن يعفي نفسه من القوانين الوضيعة ومادام يريد أن ينال هذه الحقوق الضخمة التي لاتتاح لغيره فقد وقع عليه بحكم القانون الطبيعي البشري واجب لايطيق أن يحمله إلا هو‏..‏ ذلك الانسان ذو الحق الفريد لابد أن يكون واجبه فريدا أيضا‏.‏
فالطبيعة لاتقبل أن تعطي حقا لا يقابله واجب وبقدر عظم الحق وضخامته يكون عظم الواجب وضخامته‏.‏ وليس لأحد في العالم كأننا ما كان شأنه أن ينال حقا بلا واجب وإلا أصبح خلية سرطانية من البشر يجتثها المجتمع دون ريث من تفكير‏.‏

يكمن هذا الواجب في أن يكون الكاتب صادقا مع نفسه حتي يحس المجتمع إنه صادق معه‏.‏ فإذا لم يكن‏..‏ أحس القاريء أن كاتبه يزيف عليه الحق ويموه عليه الحجة فيقتله‏.‏ والمجتمع حين يقتل كاتبا يقتله بطريقة تبدو وكأنها هينة ميسورة بينما هي في الواقع أشد فتكا من قذيفة المدفع ومن تدمير الصاروخ‏.‏ إنه يهمله ويسقطه من المكانة التي يضع فيها كتابه‏.‏ فيموت ويظل حيا وويل للانسان يموت ويظل حيا‏.‏
فإذا رأي كاتب ـ مثلا ـ أن الفوضي شيء عظيم فمعني هذا إنه يختار الفوضوية نظاما لمجتمعه إذا جاز للفوضي والنظام أن يجتمعا في تعبير واحد‏.‏

ويستطيع المجتمع أن يصمت ويستمع إلي رأي الكاتب فان أحس أن حجته نابعة من اقتناعه حقا فكر المجتمع في الأمر وقبل الكاتب عضوا فيه وليس من الحتم أن يقبل رأيه نظاما أو فوضي له إذا جاز التعبير‏.‏
ومعني أن يكون الكاتب مقتنعا حقا بهذه الدعوة الشاذة أن يكون رأيه ساطعا من ضمير حر لا صادرا عن رغبة حقيرة في إلقاء المفرقعات حوله ليجتلب بها الشهرة من أي مصدر واتته هذه الشهرة ومعني أن يكون مقتنعا ألا ينبع في رأيه عن حالة من التناقض يعانيها وتشتعل بنفسه حريقا حتي إذا ضاق بهذا الحريق اشتعل به المجتمع كله ليضحك كثيرون بوحشية أبشع من نيرون ويطمئن نفسه آخر الأمر أن المجتمع كله أو الكتاب كلهم واقعون في هذا التناقض وانهم جميعا جديرون بهذا الحريق الذي يدمر نفسه تدميرا‏.‏

وعلي سبيل المثال رأينا بعض الكتاب كتبوا آراءهم غير مقتنعين بها‏,‏ وإنما كتبوها ليرضوا حاكما أو لينالوا مالا يستطيعون أن يستغنوا عنه‏.‏ وهم حين فعلوا كانوا واثقين بأنهم يقولون مالا يؤمنون به ويدافعون عن قضية هم بحكم مبادئهم يقفون في الجانب الآخر منها‏,‏ وقد أرادوا وهم يكتبون أن يميتوا ضمائرهم ليصلوا إلي مكانة معينة أو لينالوا مالا وبريق المكانة سرعان ما ينطفيء والمال سرعان ما ينفد والعجيب أن الضمير يظل متربصا بهم حتي يدرك أن البريق زال وأن المال قد ابتعلته نزوات الكاتب ـ فأغلب هؤلاء الكتاب أصحاب نزوات ـ حينئذ ينتفض ضميرهم كتنين‏,‏ ويندلع في نفوسهم مهيبا فيصبحون هم ونفوسهم في حرب طاحنة ضروس‏.‏ وويل لمن يدخل في حرب مع نفسه‏..‏ فهو دائما الخاسر ويحس الكاتب حين يواجهه تنين ضميره وحين تندلع به نيران الحق انه لم يفقد نفسه فقط وإنما فقد عرضه وظل بعد أن فقده حيا‏..‏ حياة الموت عندها رحمة ولطف ونجاة‏,‏ ولكن التنين والنار لايريدان له رحمة أو لطفا أو نجاة‏.‏
ويروح الكاتب يبحث لنفسه في صراعه المروع الآخذ المرير المدمر عن باب يدلف منه إلي بعض طمأنينة فيتخبط وقد مسه الجنون وأحاطت به الأهوال بين أبواب يحاول أن يفتحها وقد يخيل إليه إنه لو قال كل الكتاب كذلك يجد المأوي فيصيح مع أن أحدا لايطلب منه أن يصيح إلا نفسه ـ كل الكتاب كذلك ولكن هل يعصمه الصياح وهل ينام التنين وهل تنطفيء النيران‏..‏ هيهات‏..‏ إنما مثله كمثل ابن نوح‏..‏ حين أوي إلي جبل يعصمه وقال ربك لاعاصم‏..‏ وبكلمة إله السماوات والأرض يصبح ابن نوح وهو ليس ابن نوح وإنما يصبح كما قال ربك عملا غير صالح‏.‏

أرأيت الآن أن الكاتب حر ولكن حريته في نفس الوقت أعظم ثقلا وأشد هولا من كل قيد‏.‏
فالكاتب لايستطيع ان يكون حرا إلا إذا كان قلمه صادقا مع نفسه لأنه حينئذ فقط سيراه الناس صادقا معهم‏.‏ فهو من نفسه في وفاق وحينئذ يصبح مع قارئه في وفاق وحينئذ ينال حريته التي أتاحها له القلم الذي يحمله‏.‏

فالقلم ليس حبرا وإنما أمانة والكاتب ليس مجرد فرد وإنما هو ضمير عصر كامل لا لحظة عابرة‏,‏ وهو لسان جيل بأكمله‏..‏ ويلي كم ارتجف من ضخامة الأمانة علي كتفي الكاتب وأحمد الله وكم أحمده‏..‏ إنني لم أخش يوما هذه الأمانة ولهذا فأنا لم أر التنين في نفسي ولاشهدت النار تقترب من كياني وأحمد الله وكم أحمده إنني أستطيع أن أظل ممسكا بهذا القلم وأسأل من قال نون‏.‏ والقلم ومايسطرون سبحانه أن أظل كفئا لما اختارني أن أكون؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية