قضايا و اراء

41671‏السنة 125-العدد2001يناير8‏13 شوال 1421 هـالأثنين

سفاحون وأمناء
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

حينما ظهرت روايتي قصر علي النيل في عام‏1958‏ فوجئت بناقد مصري يهاجمني في مجلة أدبية عربية‏,‏ وكان نقده غريبا‏,‏ فقد أخذ علي الرواية أنها قدمت بيوت الباشاوات بصورة لاتتفق مع الحقيقة‏,‏ وعجبت لهذا فأنا ربيت في بيوت الباشاوات‏,‏ الأمر الذي لم يتهيأ للناقد باليقين وقلت في نفسي كان الأولي به أن يعرف مني كيف تكون الحياة في هذه البيوت‏.‏ وثارت نفسي علي هجوم الناقد فقد كان بعيدا كل البعد عن الأمانة وكنت في هذه الأيام أكلم أستاذي نجيب محفوظ يوميا في التليفون وفي ذلك اليوم كلمته كشأننا وكنت وأنا أكلمه واقعا تحت تأثير غضبي علي الناقد الظالم وإذا بأستاذنا نجيب يقول لي في هدوء ووقار‏:‏
ـ هل ستثور كل هذه الثورة من كل نقد يهاجم عملا لك؟
ـ إنه نقد يدل دلالة واضحة علي بعد الناقد عن الحق‏.‏
ـ إننا إن أرضينا نصف قرائنا نكون قد بلغنا منتهي النجاح‏.‏

ووجدت ثورتي تبوخ وتهدأ لهذه الكلمات ومنذ ذلك اليوم وأنا لا أفكر في مناقشة أي نقد لعمل لي هجوما كان أو إطراء ومازال هذا ديدني حتي اليوم‏.‏ فالكاتب يكتب لكل القراء والروايات توحي بمختلف المشاعر المتباينة عند كل قارئ‏.‏ والناقد واحد من هؤلاء القراء فإذا تناول العمل الأدبي بما ارتأه فلا يملك الكاتب أن يغير رأي القارئ أو الناقد فكاتب الرواية يبث فيها مختلف الرؤي وقد يستطيع القاريء او الناقد أن يصل إلي المستسر من خوافي الرواية وقد لايصل ولايمكن للروائي أن يكشف كل ما بثه في سطور روايته لأنه بهذا يحدد نظرة القارئ التي تتسع وتستشف من العمل الروائي ماقد يكون غير مقصود من الكاتب وقد حدث لي هذا الأمر كثيرا وكنت لا أعلق علي ماوصل إليه القارئ من خوافي روايتي‏.‏
فأنا لا أملك أن أصحح للقارئ ما أوحت به الرواية إليه‏.‏ لهذا لا أعلق علي ما يكتبه النقاد أو القراء مرتئيا أنه مادام المعني الذي تصوره القارئ يجوز أن توحي به روايتي فعلي أن أصمت تماما علي مافهمه القارئ والناقد‏.‏ ولكني أصدم في كثير من الأحيان بنقاد بعيدين كل البعد عما ينبغي أن يكون عليه النقاد من صدق وأمانة‏.‏ وإليك واقعتين كنت طرفا في إحداهما وشاهدا في الآخري‏.‏
كنا جالسين في الحرافيش وكان المرحوم الدكتور لويس عوض يلم بنا من حين إلي حين‏.‏ وفي إحدي هذه الإلمامات فوجئت به يقول لي في صراحة تدعو إلي الدهشة والعجب والأسي في وقت معا‏,‏ قال لي‏:‏
ـ أتعرف لماذا لانكتب عنك؟
ـ والله لا أدري‏.‏
ـ لأن طه حسين كتب عن أول رواية لك فهل تراك ولدت عملاقا كالتليفزيون‏.‏
ـ ووجدت نفسي أقول في تلقائية‏:‏
ـ يكفيني كل الكفاية أن يكتب عني معالي الدكتور أستاذك والعالم الفرد عميد الأدب العربي‏.‏

وانتقل بنا الحديث إلي غير هذا وحين انتهت الجلسة رحت أفكر‏..‏ إذن فهم لايكتبون عني لأن عميد الأدب العربي كتب عني د‏.‏ طه حسين باشا وانه حين يكتب عني اصبح في غني كل الغني ان يكتب عني‏.‏ إذن فهم يجدون كتبي تستحق أن يكتبوا عنها ولايمنعهم عن هذا إلا أن الدكتور طه حسين كتب عن روايتي الأولي وحسبي شرفا أن يكتب عني د‏.‏لويس عوض ومن لف لفه‏.‏
تلك هي الواقعة الأولي التي جعلتني أشفق علي ماقصده د‏.‏لويس عوض حين تحدث إلي متخذا الجمع صيغة لخطابه‏.‏

أما الواقعة الثانية فأنا فيها شاهد ولكني تألمت لها كأن صاحبها أصابني أنا شخصيا بما قال‏:‏
كانت هناك حادثة أدبية وقع فيها ناقد كبير في أحبولة نصبها له أحد الصحفيين وراح الصحفي يسأل بعض الكتاب عن رأيهم فيما قال الناقد الكبير وكان الروائي الكبير محمد عبدالحليم عبدالله من بين من ذهب إليهم هذا الصحفي‏.‏

وانتقد الأستاذ محمد عبدالحليم الناقد نقدا موضوعيا نزيها صادقا‏.‏ ولكن الناقد لم يرض عن هذا الرأي‏.‏
كنت جالسا معه حين راح يعلق علي نقد عبدالحليم‏.‏ وفوجئت بتعليقه بعيدا كل البعد عن الموضوع في ذاته فهو يقول‏:‏
ـ الأيام بيننا يامحمد عبدالحليم‏.‏ فإنه لابد لك أن تكتب راوية وإني لك بالمرصاد وسوف أمزقك إربا إربا‏.‏ وفجعت في الناقد الكبير الذي كنت أكن له التقدير والاحترام فهو إذن لاينقد عن نظرة أمينة أو رأي صادق إنه يمزق من الكتاب من لايترضاه ويتملقه ويبدي له من الذلة والخضوع ما لايتفق وكرامة الكاتب‏.‏

ليس هذان الناقدان وحدهما هما اللذان يبعدان البعد القصي عن الأمانة التي ينبغي أن يتحلي بها الناقد‏.‏ هناك كثير من النقاد يهاجمون الكتاب لأنهم لايختلفون معهم في المذهب الذي يعتنقونه‏.‏
وإني ليسعدني هنا أن أشهد أن هناك أيضا نقادا كثيرين غاية في الشرف والأمانة وصدق الكلمة وأذكر منهم المرحوم د‏.‏محمد شكري عياد ود‏.‏عبدالحميد إبراهيم أطال الله عمره والأستاذ مأمون غريب ود‏.‏عبدالعزيز شرف والأستاذ محمد قطب وليغفر لي العظماء من أمثالهم الذي يتحلون بما في هؤلاء من صدق وأمانة فالذاكرة لاتسعف‏,‏ وحسبي أن أقدم لهم خالص احترامي وأدعو الله ـ وهم يعرفون أنفسهم ـ أن يبارك الله صدقهم وشرف كلمتهم‏.‏ إنه سبحانه سميع مجيب‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب