قضايا و اراء

41664‏السنة 125-العدد2001يناير1‏6 شوال 1421 هـالأثنين

ذكــــــــــــــريات
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

ابن عمار القصة التاريخية التي كتبتها ونشرت عن دار المعارف
عام‏1954‏ لها عندي ذكريات‏.‏ فقد ظهرت الرواية ولم يلتفت أحد اليها أو يعلق عليها سواء بالتقريظ أو الهجوم وكنت أهديتها الي أستاذنا الكبير توفيق الحكيم الذي قال لي إنني حين بلغت الصفحة الأخيرة ظللت أفرك الصفحة بأصبعي بأمل أن أجد صفحة أخري وقال هذه هي الروايات التي تصلح للسينما والاذاعة‏.‏ ولم يكن التليفزيون قد وجد بعد‏.‏
وانتهزت فرصة هذه الكلمات التي أثارت زهوي وفرحي الغامر وقلت لتوفيق بك‏:‏
‏-‏ أليس عجيبا ألا يكتب أحد عن هذه الرواية حرفا ولو أنني بدلا من كتابتها ذهبت الي مضمار سباق الخيل لظهرت المجلات في اليوم التالي تحمل صورتي وتذكر أن نجما جديدا ظهر في ميدان السباق‏.‏

فضحك توفيق بك وقال‏:‏
‏-‏ الشهرة لا يمكن أن تأتي إليك من كتابة كتاب واذا أردت الشهرة فاذهب الي ملهي ليلي وعاقر الخمر واتفق مع راقصة أن تضربك قلما أو تضربها قلما وحينئذ سأتي اليك الشهرة تسعي الي اسمك سعيا حثيثا‏.‏
وضحكت ومرت السنون واعفاني الله سبحانه من أن أذهب الي ذلك الملهي الليلي وأعاقر الخمر كما وقاني سبحانه وتعالي من أن أسعي الي راقصة لتضربني أو أضربها‏.‏
أثارت هذه الذكريات في نفسي الكلمة الرائعة التي أرسلها الي الناقد العميق الواسع الثقافة الأستاذ ماهر شفيق فريد الذي عرفته في الأربعينات من القرن الماضي في ندوة أستاذنا نجيب محفوظ بمقهي الأوبرا وكان الأستاذ ماهر يجذب النظر إليه برقته البالغة وحيائه الشديد وثقافته الواسعة‏.‏

فحين انقضت هذه الندوة كنت أتابع الناقد الشاب الذي أصبح اليوم في الكهولة‏,‏ وكنت أعجب بما يكتب غاية الإعجاب‏.‏
ومنذ أيام قليلة طلبني في التليفون وقال لي أنه كتب كلمة عن ابن عمار بمناسبة التفكير في ترجمتها الي اللغة البرتغالية وإنه يرجو أن أنشرها في المكان المخصص لي بالاهرام‏.‏
ورحبت بما طلبه مني وجاءت الكلمة التي أقدمها إليك والتي أنشرها علي استحياء لما فيها من مديح لي أرجو أن أكون جديرا به وإليك كلمة الناقد المثقف الأمين ماهر شفيق فريد مع شكري له واعتذاري إليك‏.‏

الأستاذ ثروت أباظة
حملت إلينا وكالات الأنباء أن الدوائر الثقافية البرتغالية قد وقع اختيارها علي روايتك ابن عمار للترجمة الي اللغة البرتغالية وهي لغة أهملنا التواصل معها طويلا رغم أن البرتغال حديقة جنوب أوروبا وروضتها الغناء‏-‏ هي الشق المكمل لإسبانيا في شبه الجزيرة الأيبرية‏,‏ وهي تتصل بالثقافة العربية‏-‏ من خلال الحضارة العربية الزاهرة التي دامت في الأندلس قرونا‏-‏ بأكثر من سبب‏.‏
أذكر أني قرأت روايتك ابن عمار حين صدرت لأول مرة في كتيب رشيق المحمل‏,‏ صغير القطع‏,‏ في سلسلة إقرأ‏(‏ دار المعارف‏)‏ فخلفت في وكنت شابا وقتها‏-‏ أثرا لا يمحي‏,‏ إنك تصور ببراعة الفنان القدير‏-‏ رحلة هذا الشاعر منذ دخل بلدة شلب علي متن حمار هزيل‏,‏ وعلي ظهره خرج قديم قذر‏,‏ الي أن دخل في نهاية الطناف الي قرطبة‏,‏ علي حمار يماثل الأول هزالا وحقارة‏.‏ وفيما بين الرحلتين تقلبت به الأقدار‏,‏ واذاقته مذا العز والسلطان منذ القي علي مسامع المعتضد‏-‏ من ملوك الطوائف في إشبيلية‏-‏ قصيدته التي مطلعها‏:‏
أدر الزجاجة فالنسيم قد إنبري
والنجم قد صرف العنان عن السري

فأفلح في يأن يستميل الأسماع‏,‏ وأن يميل إليه القلوب‏,‏ وأن يحظي بتقدير المعتضد وابنه المعتمد‏.‏ ثم اذا هو يصبح‏-‏ بفضل الأخير‏-‏ من شعراء القصر‏,‏ فوزيرا للمعتمد بإمارة شلب فوزير دولة بني عباد أجمع‏,‏ فواليا علي شلب فكبيرا لوزراء الأندلس‏.‏
ويفلح‏-‏ بدهائه‏-‏ في صد الهجوم الأذفونش بجيشه الجرار علي المملكة فينقذها من قبضة الإسبان‏,‏ ويضرب مسكوكات ذهبية زائفة يفتدي بها ابن المعتمد من أسره لدي الفرنجة ويتسنم من المجد ذروة ليس وراءها إلا الهاوية‏.‏ لكنه يتنكر لصاحب الفضل عليه ويخط قصيدة في هجائه فتتقطع السبل بين الصديقين ويمضي الي مملكة سرقطة خاطبا ود ملكها المقتدر ولكنه يقع في الأسر ويجد نفسه في سجون المعتمد فينظم في التضرع اليه حائيته الخالدة‏:‏
سجاياك إن عافيت أندي وأسمح
وعذرك أن عاقبت أجلي وأوضح

ويوشك المعتمد أن يصفح عنه‏,‏ رعاية لقديم عهودهما‏,‏ ولكنه لا يكتم للملك سرا فيبلغ الغيظ بهذا الأخير أقصاه ويقتله بيده‏.‏ وتنطوي بذلك صفحة حياة فريدة سمت الي أعلي آفاق المجد كما انحدرت الي أعمق مهاوي الشقاء‏.‏
ولست أشك في أن البرتغاليين حين قرروا نقل هذه الرواية الي لغتهم‏(‏ لا يكاد يوجد بين مثقفينا من يعرف البرتغالية غير الناقد الراحل الدكتور شكري عياد‏,‏ علمها حين كان ملحقا ثقافية لسفارتنا في البرازيل في الستينات‏)‏ قد راعهم فيها من حيوية التصوير لصراع العرب والفرنجة علي أرض الأندلس‏,‏ وقوة الاقناع التي رسم بها الكاتب شخصية ابن عمار بكل نواحي قوتها وضعفها‏,‏ والإلمام التام بظروف العصر وأنماط معيشته وسماته الحضارية‏,‏ ومن ثم تظل هذه الرواية القصيرة‏-‏ أقل من مائة وثلاثين صفحة من القطع الصغير‏-‏ قادرة علي أن تعمل عملها في الوعي المعاصر‏,‏ وتبعث الماضي حيا ناطقا نكاد نلمسه بأيدينا ونراه بأعيننا ونشم روايحه ونسمع أصواته ونذوق نكهته‏.‏
إن رواية ابن عمار تقف جنبا الي جنب مع رواية هاتف من الأندلس‏(‏ عن ابن زيدون‏)‏ لشاعر رشيد الأكبر علي الجارم‏,‏ ومع رواية محمد فريد أبو حديد الملك الضليل‏)‏ عن إمرئ القيس‏)‏ ومع رواية محمد جبريل من مذكرات أبي الطيب المتنبي‏)‏ باعتبارها سيرة روحية لشاعر صادق الموهبة‏,‏ مرهف الوجدان‏,‏ لكنه أسلم نفسه لنوازع اللذة ومضايق الطموح المسرف ومغريات القوة والجاه والسلطان‏,‏ فكانت النتيجة وبالا عليه وعلي من حوله‏.‏ ولا يخامرني شك في أن ما حفلت به روايتك من خبرات انسانية عامة تجد لها صدي في كل صدر‏,‏ ومسمعا في كل أذن‏,‏ ومن هموم الفكر ومشاغل الوجدان وأزمات الضمير تجعلها خليقة أن تجاوز حواجز اللغات والأزمنة والأمكنة‏,‏ وتغدو جزءا من خبرة القاريء الأجنبي‏.‏ وقد سبق أن ترجمت روايتك شيء من الخوف وأقصوصتك السباحة في الرمال الي الانجليزية فبقي منهما‏-‏ بعد القدر المحتوم ضياعه في كل ترجمة‏-‏ الكثير‏,‏ وما ذلك إلا لأنهما كانا يشتملان أصلا علي الكثير‏,‏ فكرا وفنا‏,‏ ومعني ومبني‏.‏
تهنئة إليك والي أدبنا العربي الذي قطع‏-‏ معك وبك‏-‏ خطوة جديدة نحو كسر آفاق المحلية‏,‏ ورسم أفق جديد‏,‏ رحيب وبهي‏.‏
ماهر شفيق فريد
أستاذ مساعد الأدب الإنجليزي
بآداب القاهرة

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب