قضايا و اراء

41559‏السنة 124-العدد2000سبتمبر18‏20 من جمادى الأخرة 1421 هـالأثنين

المطران كابوتشي‏..‏ وعروبة القدس
بقلم‏:‏ جمال سلامة علي
باحث في شئون الشرق الأوسط

لا أدري كيف يتسني لي أن أقبل جبين هذا الحبر المناضل المطران هيلاريون كبوجي مطران القدس الأسبق‏,‏ صاحب التاريخ المشرف من النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي والذي اعتادت وسائل الإعلام تسميته بالمطران كابوتشي‏.‏
فبالأمس ومن خلال إحدي المخطات التليفزيونية العربية أطل علينا هذا الرجل بوجه عربي أصيل لم يغير الزمان قسماته ولم يتقلب بتقلب الأحوال برغم ظروف النفي والإبعاد والتي لم تزده إلا صلابة ومهابة‏,‏ فقد جاء حديثه ليؤكد أصالة انتمائه العربي ومدي تعلقه بأرض فلسطين‏,‏ والرجل بالرغم من أنه كان يتبوأ أعلي درجة دينية مسيحية وهي رئاسته مطرانية القدس ـ إلا أنه رفض رفضا تاما وصف أنه يعبر عن رأي مسيحيي فلسطين‏,‏ وأكد أنه جزء من النسيج الفلسطيني العربي بمسلميه ومسيحييه والذي يؤكد وحدة الموقف العربي بشأن القدس المتمثل في رفض التفريط في جزء من القدس لليهود واكثر من ذلك برفض كبوجي رفضا تاما قيام دولة فلسطينية لا تتخذ القدس عاصمة لها‏.‏
ونحن من جانبنا نتفق تماما مع هذه الرؤية‏,‏ فالقدس هي درة أرض فلسطين ـ بل هي درة أرض العروبة والإسلام‏,‏ وفي القدس شرف وكرامة كل عربي ومسلم‏,‏ فلا يستطيع المرء منا أن يتخلي عن شرفه أو جزء منه لأن الشرف لا يتجزأ‏.‏
وليس من حق عرفات وحده أن يتخذ قرارا بشأن القدس‏,‏ فالقدس ليست قضية فلسطينية ولا يملك هو أو غيره التوقيع علي التنازل عن جزء منها ـ وإنما هي قضية إسلامية عربية تمس كل مسلم وعربي‏,‏ ولا يجوز لمن لا يملك أن يتنازل إلي من لا يستحق‏.‏
ويكشف المطران كبوجي عن حقيقة مخطط يهودي تشترك فيه بعض الحكومات الغربية وذلك بتسهيل سفر وهجرة المسيحيين القاطنين بالقدس بعد تضييق سبل العيش عليهم لكي يستقروا في تلك الدول وهو المخطط الذي أدي إلي هجرة معظم أبناء القدس من المسيحيين‏,‏ أما الباقي من مسلمي القدس فتري إسرائيل أن الطرد والإبعاد والملاحقات المستمرة كفيل برحيلهم عن هذه المدينة‏,‏ خاصة في ظل استجلاب عتاة المتطرفين اليهود وزرع مستوطناتهم داخل القدس‏.‏
ولا أدري كيف أعبر عن تلك المشاعر التي انتابتني وأنا أري هذا الحبر الشيخ وهو يستصرخ قائلا بأن قلبه ينفطر حينما يقارن بين الوضع الذي بات عليه القدس والوضع الذي كان عليه قبل عام‏67,‏ حيث التغيير الديموغرافي والجغرافي الذي تقوم به سلطات الاحتلال من أجل إفراغ المدينة المقدسة من سكانها الأصليين واستبدالهم بالمستجلبين اليهود وينتقد كبوجي بشدة موقف الغرب الصامت تجاه اللاءات الإسرائيلية التي تعلنها وهي‏:‏ لا لعودة اللاجئين والمبعدين‏,‏ لا لعودة القدس إلي السيادة العربية‏,‏ لا للعودة إلي حدود ما قبل‏67,‏ ويقارن ذلك بموقف الغرب الذي احتج علي اللاءات الثلاث المشهورة المتخذة في مؤتمر القمة العربي بالخرطوم عام‏67.‏

وفي قول واضح يؤكد المطران كبوجي أنه يؤيد فكرة الاحتكام لما يسمي بالشرعية الدولية‏,‏ ولكن المشكلة ما هي أسس هذه الشرعية؟ ويستطرد مجيبا أن هذه الأسس هي تلك التي قبل بها العرب والفلسطينيون الذهاب إلي مؤتمر مدريد وهي تلك التي أكدت عليها الأمم المتحدة والولايات المتحدة نفسها وهي‏:‏
ـ عدم شرعية الاحتلال واغتصاب أراضي الغير بالقوة‏.‏
ـ عدم شرعية تغيير الواقع الجغرافي والسكاني للأراضي المحتلة‏.‏
ـ حق العودة للمبعدين مع حقهم في التعويض عن سنوات الطرد ومصادرة أملاكهم‏.‏
ـ الامتثال للقرارات التي تعبر عن إرادة المجتمع الدولي‏.‏
إن من الواجب علينا تكريم هذا الرجل ـ فهو حكيم من حكماء العرب‏,‏ وهو ثائر من الثوار‏,‏ وهو مناضل لم يلق سلاحه بعد‏,‏ وهو شيخ يستنهض همم الشباب ويحاول أن يستولد الحق من بين أضلع المستحيل‏.‏
إن رجل مثل هذا حري به أن يكرم تكريما يليق بنضاله ومكانته‏,‏ لذا فإني من علي صفحات الأهرام أناشد بتكريم هذا الحبر المناضل الشريف‏,‏ فمصر قلب العروبة وحصن الإسلام وقلعة المدافعين عن حقوقهم المشروعة أولي من أي بلد آخر لتكريم مثل هذا الصنف من الرجال‏.‏
تحية إلي المطران كبوجي‏..‏ فقد حرك في نفوسنا مشاعر زكية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب