الكتاب

41495‏السنة 124-العدد2000يوليو16‏14 من ربيع الأخر 1421 هـالأحد

لوكان خالي الهلالي‏..!‏
بقلم : رجاء النقاش

كنت أود أن أواصل اليوم حديثي عن مذكرات الدكتور رشدي سعيد التي كتبها تحت عنوان رحلة العمر‏,‏ وهي مذكرات فيها جمال وعذوبة وبساطة وصدق‏,‏ وسطورها مليئة بروح المحبة والوطنية والحنان واللطف‏,‏ ولكنها مع ذلك كله مليئة بالهموم ومثيرة للمواجع‏.‏ وقد وجدت نفسي مع غيري من المواطنين نعاني في هذه الأيام هم رئيسيا واحدا‏,‏ هو هذا الحر الذي هجم علينا بصورة قاسية جدا لا عهد لنا بها من قبل‏,‏ بحيث رأيت من اللائق بي‏,‏ احتراما للعرق السائل من جباهنا في الوقت الراهن‏,‏ أن أؤجل حديثي عن المواجع والهموم الأخري التي يثيرها كتاب الدكتور رشدي سعيد إلي وقت قريب آخر‏.‏
وقد أشرت في مقالي السابق الي أنني لا أعرف الدكتور رشدي سعيد معرفة شخصية‏,‏ فمعرفتي به مستمدة من كتاباته‏,‏ وعلي رأسها هذا الكتاب الجديد عن قصة حياته‏,‏ وفي هذا الكتاب المهم الجميل يتحدث الدكتور رشدي سعيد عن المواجع والآلام بأسلوب واضح ولكنه بالغ الهدوء والتهذيب‏,‏ وهو يكتب عن هذه المواجع والآلام وكأنه يغني أغنية لأم كلثوم‏,‏ فيها الشعور بالعذاب‏,‏ ولكن فيها شيئا آخر هو متعة التغلب علي العذاب والدعوة الجميلة الي احتماله‏,‏ لأن من يحتمل العذاب هو وحده الذي يستطيع أن ينتصر عليه‏.‏ ويكفي ان أشير الي سطور جاءت في مقدمة كتاب رشدي سعيد تكشف لنا كيف يفكر هذا الرجل النبيل‏,‏ وفي هذه السطور يقول رشدي سعيد‏:‏
إني أكتب رحلة حياتي هذه بمناسبة بلوغي سن الثمانين‏,‏ وهي سن تسمح لي بأن أكتبها دون مواربة‏,‏ فلم تعد لي في هذه الدنيا مصالح أخشي عليها‏,‏ كما أنه ـ وفيما عدا الستر والصحة اللذين ليس في قدرة البشر أن يمنحوهما ـ ليست لي مطالب عند أحد أو مطامع أريد أن أحققها‏,‏ وسيجد القارئ أني كتبت هذه المذكرات دون أن تكون لدي أية حساسية‏,‏ فليس فيها موضوع سكت عنه أو خبأته ليكون بعيدا عن الأنظار‏,‏ كما جرت العادة في مصر‏,‏ حيث يتم الإهمال بل وتحريم الكلام عن أي موضوع يمكن ان يشين أو أن يذكرنا بواقعنا‏,‏ وقصدت من كسر هذه العادة واقتحام بعض الموضوعات المسكوت عنها‏,‏ التي تؤثر علي حياتنا ولا نتكلم عنها حتي تفاجئنا بتداعياتها الخطيرة‏,‏ أن أضعها أمام المهتمين بمستقبل مصر ليبدأوا البحث وإيجاد الحلول لها‏.‏
هذه بعض سطور من مقدمة كتاب الدكتور رشدي سعيد‏,‏ وهي سطور صادقة‏,‏ فقد تحدث الدكتور رشدي في كتابه بصراحة تامة عن أفكاره وتجاربه‏,‏ ومن الممكن الاتفاق معه أو الاختلاف‏,‏ ولكننا في جميع الأحوال سوف نجد أنفسنا أمام كاتب شعاره الصدق والأمانة‏,‏ وسوف نجد علي صفحات الكتاب كثيرا من الهموم الحقيقية والمواجع التي لاشك فيها‏,‏ ولكن شخصية الدكتور رشدي سعيد الطيبة الجميلة جعلت من كل همومه ومواجعه معروضة علينا ـ برغم وضوحها ودقتها ـ في منتهي الحنان والرقة والابتعاد التام عن أي إحساس بالمرارة‏.‏
ومع ذلك كله فقد آثرت أن أؤجل بقية حديثي عن هذا الكتاب لبعض الوقت حتي يتوقف هذا الحر الآتي إلينا من جهنم‏,‏ وحتي تنخفض درجة الحرارة ولو درجتين أو ثلاث درجات عن درجة‏40,‏ وهي الدرجة التي تعترف بها هيئة الأرصاد‏,‏ وأظن أن الأرصاد تجاملنا مجاملة شديدة‏,‏ لأن الحرارة التي تصهر أجسامنا هذه الأيام لا شك أنها قد تجاوزت الأربعين بدرجات كثيرة أخري‏,‏ وعلي أي حال فإن مجاملة الأرصاد لنا هي مجاملة مقبولة‏,‏ وفيها تخفيف علينا حتي لا نصاب بالإغماء عندما نعرف درجات الحرارة الحقيقية في هذا الصيف القاسي غير المعهود‏.‏
علي أنني مع ذلك لن أبتعد كثيرا عن أجواء كتاب الدكتور رشدي سعيد‏,‏ فقد حدثنا هذا الكتاب الجميل المهم عن بعض آلام الفلاحين المصريين من أجدادنا في ظل عهود الطغيان والاستبداد‏,‏ وهو ما أشرت اليه في الأسبوع الماضي‏.‏ أما اليوم فسوف أتحدث عن جانب آخر من جوانب الحياة في القرية المصرية المظلومة المسحوقة في الأجيال السابقة‏,‏ فقد امتلأت قرانا المصرية في تلك الأيام بكثير من المجتهدين والأدباء والشعراء والظرفاء‏,‏ وقد حاولوا جميعا أن يخففوا ظلام الريف المصري في عهود الطغيان التي مرت عليه‏,‏ وقد نشأت في قرية منية سمنود في محافظة المنصورة‏,‏ أو محافظة الدقهلية وهو اسمها الأصلي نسبة الي بلدة دقهلة التي كانت عاصمة لهذه المحافظة قبل أن تصبح المنصورة عاصمة لها ابتداء من سنة‏1826‏ ـ في عهد محمد علي ـ وأذكر أن قريتي منية سمنود كانت في صباي ـ في الاربعينات ـ مليئة بالمجتهدين في العلم والأدب والوطنية‏,‏ وكان والدي رحمه الله يصحبني معه أحيانا إلي بيت رجل فاضل وعالم جليل وواحد من أذكي الذين عرفتهم في حياتي وهو الأستاذ إبراهيم أبو زهرة‏,‏ وكان هذا الرجل الكريم يعقد في حديقة بيته بعد عصر كل يوم مجلسا يضم أصدقاءه‏,‏ وكان الجميع يسمون هذا المجلس باسم الدرس‏,‏ وكانوا يقرأون فيه تفاسير القرآن الكريم ودواوين الشعراء‏,‏ ولأول مرة في حياتي أسمع في هذا الدرس أسماء الطبري‏,‏ والألوسي‏,‏ وابن خلدون والمتنبي وابن الرومي والاصفهاني‏,‏ بالإضافة الي أسماء طه حسين والعقاد والمازني والزيات وزكي مبارك وسلامة موسي‏,‏ وفي ليلة الحفلة الشهرية لأم كلثوم كان الجميع يسهرون في نفس البيت نفسه ليتابعوا الحفلة من أولها إلي آخرها‏,‏ وكنت أسمع في هذه المجالس أحيانا حديثا عن شيخ جليل اسمه الأستاذ علي الجنايني وكان الجميع يعتبرونه أستاذا لهم‏,‏ وأنا لم أعرف هذا الشيخ‏,‏ لأنه مات وأنا طفل صغير‏,‏ لكن حديث هذه المجموعة التي كانت تحضر الدرس في بيت إبراهيم أبو زهرة كانت تنظر إلي الشيخ الجنايني كما ينظر العرب والمسلمون إلي جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والمراغي وشلتوت وغيرهم من أئمة الدين‏.‏ والغريب أن الشيخ الجنايني هذا لم يتعلم في مدرسة أو معهد‏,‏ لكنه تعلم القراءة والكتابة فقط في كتاب القرية‏,‏ ثم اعتمد علي نفسه واجتهد اجتهادا واسعا في المطالعة والبحث حتي أصبح بالنسبة للقرية مرجعا دينيا مستنيرا‏,‏ وأصبح أيضا رجلا يلجأ إليه الناس في حل مشكلات دنياهم‏,‏ بل أصبح المثل الأعلي للقرية كلها في سلوكه وأخلاقه وعلمه ورجولته وأمانته‏.‏
وقد وجدت في أوراق والدي ـ وكان شاعرا ـ أكثر من قصيدة واحدة في رثاء هذا الشيخ الجليل الأستاذ علي الجنايني رحمة الله عليه‏.‏
هؤلاء رجال في الريف المصري لم يؤرخ لهم أحد‏,‏ ولم يكتب عنهم أحد‏,‏ لأنهم كانوا بعيدين عن أضواء العاصمة والمدن الكبري‏.‏ كما أن الناس في قرانا كانوافي أغلبهم أميين‏,‏ أما الذين نالوا قسطا من التعليم ـ مثل أبي ـ فكانوا مدرسين أو موظفين في وظائف حكومية أخري‏,‏ وكانت الحياة اليومية بالنسبة لهم طاحنة قاسية‏,‏ فلم يكن لديهم وقت لتسجيل أحوالهم والكتابة عنها‏,‏ لكن هذا الجيل من المجتهدين والعلماء والشعراء في القرية المصرية هو صاحب الفضل الأول في تنوير الأجيال التالية وتعليمهم والدفع بهم إلي التقدم في ميادين الحياة المختلفة‏.‏
كانت معظم القري المصرية علي هذه الصورة‏,‏ أي أنها بقدر ما كان فيها من ظلم وبؤس‏,‏ كانت فيها تحت الرماد شرارة من الاجتهاد والمحاولة الجبارة للخروج من دائرة الجهل والاستبداد‏,‏ وكان في هذه الشرارة علم وأدب وفن‏,‏ وكان فيها أيضا جانب كبير من خفة ظل المصريين وقدرتهم علي السخرية والضحك‏,‏ خاصة عندما تضيق بهم الحياة‏,‏ فقد كانت القري المصرية مليئة بالظرفاء الموهوبين‏.‏ ولو كانت هناك فرصة لتسجيل هذه الجوانب من حياة المصريين في سخريتهم وموهبة الضحك من الدنيا والظروف عندهم لأصبح عندنا مجلدات من أعجب وأجمل آداب العالم‏,‏ لكن هذه الثرثرة البشرية الريفية المصرية ضاع معظمها‏,‏ ولم يكن أصحابها حريصين علي تسجيلها‏,‏ أو علي الأصح فإنهم لم يكونوا قادرين علي ذلك‏,‏ لأن همهم الأول كان هو معالجة شئون حياتهم الصعبة‏,‏ ولم يكن في إمكانهم أن يفكروا في التاريخ أو في مكانهم من المستقبل وهم مشغولون تماما بلقمة العيش‏.‏
وهذه شخصية من علماء الريف وظرفائه النابغين‏,‏ كان من حسن حظه أنه وجد من يسجل بعض صفحات من حياته وشخصيته الظريفة اللطيفة الذكية‏,‏ هذه الشخصية هي شخصية الشيخ محمود العليمي‏,‏ وقد كتب عنه أحد أبناء قريته وهو الأستاذ الفاضل كامل السيد شاهين أحد علماء الأزهر في الجيل الماضي‏,‏ دراسة قصيرة بالغة الطرافة والجمال‏,‏ والشيخ العليمي من قرية كفر عليم ومنها استمد لقبه وهو العليمي‏,‏ ولا أعرف أين تقع هذه القرية‏,‏ لكنها علي أي حال لا تعدو أن تكون قرية من القري المصرية الكثيرة التي كانت ـ علي بؤسها وظروفها السيئة ـ تنجب أمثال هؤلاء النابغين الظرفاء‏.‏
يقول صاحب البحث‏:‏ كان الشيخ محمود العليمي أعمي أو شبه أعمي‏,‏ وكان لا يتوقف عن الحديث بصوت عال مع نفسه‏,‏ وكثيرا ما تظهر انفعالاته في رفع يديه إلي صدره‏,‏ ويفرك إحداهما بالأخري‏,‏ زهوا وإعجابا‏,‏ أو غيظا وشدة غضب‏.‏
ويقدم لنا الباحث نماذج من أشعار الشيخ العليمي الساخرة ومنها قوله‏:‏
لو كان خالي الهلالي
أو طاهة بن حسين
ما شخلعتني الليالي
وشفت ظهر المجن‏!‏
وقد كان الشيخ العليمي يعيش في النصف الأول من القرن العشرين وقد توفي سنة‏1950,‏ وفي البيتين السابقين يشير إلي الهلالي ويقصد به نجيب الهلالي باشا وزير المعارف ورئيس وزراء مصر الأسبق‏,‏ وهو والد المحامي الوطني اللامع الأستاذ نبيل الهلالي‏.‏ وفي البيتين الظريفين السابقين اللذين كتبهما الشيخ العليمي يشكو الشيخ من سوء حاله‏,‏ لأنه لا ظهر له يسانده من كبار رجال عصره مثل الهلالي باشا وطه حسين باشا‏.‏
وعبارة ظهر المجن عبارة معروفة المعني‏,‏ إذ أنها تشير إلي قسوة الظروف علي الإنسان‏,‏ وكلمة المجن معناها ترس من التروس التي كانت تستخدم في الحروب القديمة‏,‏ مثل الرمح وغيره‏,‏ ويقول القاموس‏:‏ قلب فلان مجنه‏,‏ أي‏:‏ أسقط الحياء وفعل ما يشاء‏.‏ وقلب له ظهر المجن‏:‏ أي عاداه بعد مودة‏.‏
وهذا ما يعنيه الشيخ العليمي بقوله‏:...‏ وشفت ظهر المجن‏,‏ أي أن الدنيا قد أخذت في معاداته بعد المودة‏.‏ وبالمناسبة‏,‏ فإن كلمة شفت هي كلمة عربية فصيحة‏,‏ وشاف ويشوف معناهما في الفصحي هو المعني نفسه في العامية‏,‏ أي نظر وينظر‏.‏
ومن أشعار الشيخ محمود العليمي الظريفة أيضا ما يرويه عنه صاحب البحث الأستاذ كامل شاهين حيث يقول‏:‏ كنت أصغي معه مرة إلي الراديو فسمعنا عبدالوهاب يغني‏:‏
أما رأيته حبيبي
في حسنه كالغزال
يطوف بالحب قلبي
فراشة لا تبالي
فطرب الشيخ العليمي ـ وكان طروبا ـ وأخذ يغني علي طريقة عبدالوهاب‏,‏ ويتأوه‏,‏ ويرقص‏,‏ وارتجل بيتين يقول فيهما وهو يغنيهما بنفس لحن عبدالوهاب‏:‏
بلي رأيت حبيبي
في تخنه كالشوال
إن قلت ولعت قلبي
يقول لي‏:‏ ونا مالي‏!‏
وما أظرف هذين البيتين وما فيهما من سخرية وخفة ظل‏,‏ وإذا تخيلينا الشيخ وهو يغنيهما بلحن عبدالوهاب‏,‏ فسوف نضحك كثيرا‏.‏
وكان الشيخ العليمي ـ كما يقول كاتب الدراسة ـ مفتونا بسعد زغلول‏,‏ ولذلك رأي أن الشعر والنثر العادي لايصلحان لمدحه‏,‏ ورأي ان يكتب في مدحه قطعة أدبية مليئة بالسجع‏,‏ يستوحي فيها أسلوب القرآن الكريم‏,‏ فكتب يخاطب سعدا ويقول‏:‏ انك لمن المنصورين‏,‏ إنا شددنا عزمك المتين‏,‏ وازرناك بمكرم المبين‏,‏ واصطفينا لك النحاس الأمين‏,‏ وباركنا عليك في الآخرين‏,‏ سلام علي سعد في العالمين‏,‏ إنه من عباد الله المجاهدين‏,‏ وفي السطور التي كتبها الشيخ العليمي اشارة إلي الزعيمين مكرم عبيد ومصطفي النحاس‏..‏ ومن الغريب أن بعض أهل القرية قد غضبوا من الشيخ بسبب هذه القطعة الأدبية في مدح سعد‏,‏ وظنوا فيها حساسا بالدين‏,‏ فتعرض الشيخ للضرب بالأحذية والبصق علي وجهه من الذين ظنوا انه أساء إلي الدين‏,‏ بتقليده للأسلوب القرآني‏,‏ وهو ظن لامبرر له فتقليد الأسلوب القرآني من جانب رجل مثل الشيخ العليمي‏,‏ يحفظ القرآن حفظا كاملا ودقيقا ويتأثر به ليس فيه مايسيء إلي الدين‏,‏ ولكنه سوء الظن‏,‏ وبعض الظن اثم‏,‏ وقد كان ما أصاب الشيخ العليمي هو جانبا من قلة حظه في الحياة وبين الناس‏.‏
ومن طرائف هذا الشيخ الظريف‏,‏ كما يقول عنه صاحب الدراسة‏:‏ انه مال يوما إلي دراسة الانجليزية‏,‏ وقال في ذلك‏:‏ وجدت صغارنا يتعبون في حفظ الانجليزية فرأيت أن أضع في أشعاري ألفاظا انجليزية حتي تسهل وتهون علي الطلاب‏,‏ ثم يروي صاحب الدراسة أنه ذهب يوما مع الشيخ إلي دكان بائع بقلاوة وكان ابن البائع يمسك كتابا يذاكر فيه دروسه‏,‏ وإلي جوار دكان البقلاوة كان هناك بائع جزر علي حمار‏,‏ فالتفت الشيخ علي الفور وارتجل هذين البيتين‏:‏
فما الامتحان ببقلاوة
كمثل التي عند يور فزر
ومايستوي النابغ العبقري
ومن كان ـ يا ابني ـ يبيع الجزر
وفي هذين البيتين الضاحكين استخدم الشيخ عبارة يور فزر ومعناها في الانجليزية ـ كما هو معروف ـ‏:‏ أبوك‏,‏ وبنفس الطريقة الساخرة كتب الشيخ هذا البيت الضاحك الظريف في وصف امرأة يهجوها‏:‏
لها بودي برغوث ولجز بعوضه
وفيس كوجه المنكي بل هو أنكر
وفي هذا البيت استخدم الشيخ أربع كلمات انجليزية هي‏:‏
بودي‏:‏ جسم‏,‏ ولجز‏:‏ أرجل وفيس‏:‏ وجه ومنكي‏:‏ قرد‏.‏
علي أن هذا الشيخ الذي كان من نوابغ الريف وظرفائهم‏,‏ لم يكن كله هزلا وفكاهة وسخرية‏,‏ بل كان عالما من كبار العلماء المجتهدين الذين علموا انفسهم بأنفسهم حيث يقول عنه الباحث كان الشيخ العليمي من فقهاء قريتنا‏,‏ يحفظ القرآن الكريم‏,‏ لاتشتبه عليه آية‏,‏ ولايؤخذ عليه خطأ أو لحن‏,‏ وكان يروي فقه أبي حنيفة‏,‏ لايغيب عنه حكم‏,‏ ولاتلتوي عليه فتوي‏,‏ لم يدخل بعد الكتاب أي معهد من معاهد العلم‏,‏ فكان استاذ نفسه في الأدب والتفسير والحديث وغيرها من علوم الدين واللغة‏,‏ ولكن الاستاذ الباحث ينهي حديثه عن هذا النابغة الظريف بأنه علي علمه ونبوغه وخفة ظله كان يعاني الاحتقار والأهمال والهوان بين الناس‏,‏ وذلك بسبب فقره ورهافة احساسه وحدة طبع ومرارة سخريته في بعض الأحيان‏,‏ ولذلك عاش الرجل طول حياته بائساسييء الحالي‏,‏ ومات فطواه النسيان والإهمال‏,‏ ولم يذكره بالخير سوي ابن قريته العالم الفاضل كامل شاهين الذي كتب عنه الدراسة القصيرة التي اعتمدنا عليها في هذا المقال‏,‏ ولعل هذا كله يدفعنا مرة أخري إلي ترديد بيتيه الظريفين اللذين قالهما في الشكوي من سوء حاله‏:‏
لو كان خالي الهلالي
أو طاهة بن حسين
ماشخلعتني الليالي
وشفت ظهر المجن
نعم ياشيخ عليمي فإن من ليس له ظهر في هذه الدنيا لابد أن تشخلعه الليالي والأيام‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب