قضايا و اراء

41453‏السنة 124-العدد2000يونيو4‏غرة ربيع الأول 1421 هــالأحد

د‏. ‏رشدي سعيد‏...‏ والأمل المتجدد
بقلم : أحمد شوقي عز الدين

في حديث مع الإذاعة البريطانية قبل عدة أعوام سئل الدكتور رشدي سعيد إذا كانت مقالته النقدية في الصحافة المصرية يمكن أن تؤدي إلي نتيجة‏,‏ فكانت إجابته إنه لو لم يكن لديه أمل في التغيير لما كتب‏.‏
وكلمة الأمل هي واحدة من المداخل العديدة لفهم شخصية هذا العالم والمفكر الفذ‏,‏ هي سر تلك الحيوية المتدفقة التي تمنحه شبابا لا يطوله الزمن‏,‏ وهو الذي يكمل في هذا الشهر ربيعه الثمانين‏.‏
عندما بلغ السبعين من عمره كان هنا في برلين ضيفا علي أكاديمية العلوم لمدة عام أكمل خلاله كتابه‏(‏ نهر النيل‏)‏ الذي صدر بعد ذلك بقليل باللغتين العربية والانجليزية‏.‏ وحتي عام‏1995‏ حرص علي إمضاء جزء من صيف كل عام في برلين ضيفا ضمن الأكاديمية وعلي الجامعة التقنية التي منحته الدكتوراه الفخرية عام‏1986‏ والتي تضم مكتبة قسم الجيولوجيا لديها قسما خاصا يحمل اسمه‏,‏ كما تضم أيضا قسما لأبحاث نهر النيل كان قد تأسس تحت إشرافه‏,‏ لهذا لم أفاجأ عندما سألت أحد مسئولي أكاديمية العلوم عام‏1996‏ عما إذا كانت الدعوة قد وجهت أيضا هذا العام للدكتور رشدي سعيد فكانت إجابته إن هذا قراره هو‏,‏ أما من ناحيتنا فإن لديه دعوة مفتوحة‏,‏ فهو ضيف عزيز علينا في أي وقت يشاء‏.‏

تكريم نادر لشخصية نادرة‏..‏
وندرة هذه الشخصية تكمن في أنها بوتقة تنصهر فيها أصالة الانتماء المصري وعالمية الفكر الموسوعي‏,‏ ولهذا لم تتسرب إليها عقدة الدونية في تناولها مع الغرب‏.‏ إن رشدي سعيد هو رمز امتداد لأجيال من المفكرين كان الفكر لديهم تراثا إنسانيا عاما‏,‏ لم يكن في عصر الفارابي وابن سينا وابن رشد من اتهم هؤلاء بأنهم مطايا لغزو ثقافي أجنبي وأن نقلهم وتطويرهم للعلوم الإغريقية والهندية هو‏(‏ تغريب‏)‏ للهوية العربية‏,‏ لم يكفرهم أحد لأنهم تبنوا نظريات الكفرة من أمثال أفلاطون و سقراط وأرسطو‏,‏ ولم يكن بين رواد التنوير المصريين من الطهطاوي حتي الكواكبي وطه حسين من كان ينظر إلي الانتماء القومي علي أنه قيد يفرض علي المفكر ما هو مباح وما هو محرم‏.‏
قد يكون انتماء رشدي سعيد لتلك الأجيال التي تنقرض في عالم اليوم هو سر ذلك الأمل المتجدد الذي يشع من عطاءه الغزير علي امتداد أكثر من نصف قرن في خدمة مصر والعلم معا‏,‏ لولا هذا الأمل في زمن تخيم عليه ظلال اليأس لما كان كل هذا العطاء‏.‏
إن كلمات رشدي سعيد المعبرة‏(‏ لو لم يكن لدي أمل في التغيير لما كتبت‏)‏ لم تكن مجرد رد علي سؤال‏,‏ وإنما هي رسالة موجهة من جيل الرواد إلي أجيال في أمس الحاجة إلي هذا الأمل‏..‏ وإلي فكر هؤلاء الرواد‏.‏
من برلين التي خلدت اسم رشدي سعيد‏..‏ تهنئة من القلب له بعيد ميلاده الثمانين‏..‏ أطال الله في عمره لكي يستمر العطاء ويتجدد الأمل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب