|
|
|
|
 | |
كنت في اشنطن في العاشر من يونيو حين سري في قاعة فندق ماريوت كرستال جيت, نبأ وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد. وكنت بين مجموعة من كبار الشخصيات الدبلوماسية والاكاديمية, التي جاءت من كل انحاء الولايات المتحدة في كثرة غير معهودة للمشاركة في المؤتمر السنوي للجنة العربية لمناهضة التمييز, والتي تحفل بكثافة عضويتها من اخوتنا أبناء الشام, الذين اسسوا لأنفسهم جذورا في التربة الأمريكية. وتفرع الحديث مذاهب شتي لا تلتقي عند فكرة محددة, أو معلومة مركزية موثقة كعادة العرب حين يلتقون, ويتابعون خواطرهم, ويستعرضون نظرياتهم, أكثر مما يستمعون إلي الآخرين. ودار النقاش كما هو متوقع حول احتمالات الوضع في سوريا ولبنان ومنطقة الشرق الأوسط بعد رحيل زعيم ظل يلعب دورا محوريا في مجريات الأمور علي مدي ثلاثين عاما في فترة إن لم نقل حالكة فهي علي الأقل مصيرية حاسمة. بعض اليائسين الحانقين علي الأوضاع لا يرون أن يؤدي هذا الرحيل ــ الذي كان متوقعا إلي حد ما ــ إلي تغيير, أكان انفراجا داخليا أم موقفا خارجيا ظل طوال عهد الرئيس الراحل متشبثا بالثوابت الوطنية. وظل الجميع علي تباين افكارهم يسبحون في بحر من الغموض الذي يحجب الرؤية عن جماهير ظلت عهودا طويلة تجلس علي مقاعد المتفرجين. ولهذا فقد سارعت في صبيحة اليوم التالي لمتابعة صحف الأحد الأمريكية لعلها تكشف بعض الضوء, أو تزيح الستار عن بعض الأسرار. فالأمريكيون لا يحشرون أنوفهم فقط في شئوننا الغائبة عنا, بل ويسلطون علينا اجهزتهم الالكترونية الجبارة بحيث لا تفوتهم كلمة أو همسة تصدر من زعيم أو خفير بين ظهرانينا إلا وهي مسجلة في أضابيرهم وآلا تهم ينكبون عليها تفكيكا وتحليلا. وجاءت صحف الآحد ــ كما توقعت ــ حافلة بكل صغيرة وكبيرة تتصل بالوفاة وما يترتب عليها من احصاءات معدة سلفا عن كل شخص له شأن تعدل بصفة دورية حتي ياتيه قدر الله, وخلفيات تاريخية وتوقعات مستقبلية, وتحليلات سياسة. وصحف الأحد الأمريكية لمن تأبطها ذات يوم ــ أجاركم الله ــ أثقال من الورق تنوء بجملها الجبال وبقدر ما ذهلت للسرعة المعجزة التي تمت بها هذه التغطية الإعلامية, أصابني شيء من الوجوم ــ لست أدري كيف غاب عني توقعه ــ أن سوريا ذات التاريخ المجيد, درة العصر الأموي, سوريا معاوية وعبدالملك بن مروان وعمر بن عبدالعزيز والمتنبي والمعري, قاهرة الغزاة, وشريكة مصرفي ريادة النهضة العربية المعاصرة وفي قيادة الامة العربية لاسترداد حقوقها وتمكين سيادتها. سوريا هذه بكل ثقلها السياسي والفكري والاستراتيجي لامكان لها في الخريطة الامريكية, التي لا تري في المساحة الممتدة في ضفاف الابيض المتوسط وحتي حدود الصين غير اسرائيل وحدود اسرائيل. وأن هموم عشرين مليونا من السوريين ومنهم من يشارك اليوم في تعمير الولايات المتحدة, ومن ورائهم مائتان وخمسون مليونا من العرب الاشاوس لا وجود لها من المخيلة الأمريكية, وأن حياة أو موت زعيم عربي له شأن, لا مغزي له ولا معني إلا بمقدار ما يؤثر علي العزيزة اسرائيل, وأنه لا تصنيف لزعيم عربي إلا كونه صديقا أو عدوا لاسرائيل. خرجت الصحف الأمريكية كلها تقوم الحدث من منطلق اسرائيلي بحت وتحصر اهتمامها في مدي تأثيره علي مفاوضات السلام بين سوريا واسرائيل. وقيل الكثير عن الدكتاتورية والقهر وحقوق الانسان وتمويل الارهاب, وذهبت صحيفة الواشنطن بوست في افتتاحيتها إلي حد القول إن الإنسان ليجد صعوبة بالغة في ايجاد حسنة واحدة يمكن آن تحسب للرئيس الراحل. لم تهدها ذاكرتها حتي لمساندته عاصفة الصحراء. لكن أن الخطايا كلها انه رفض العرض الاسرائيلي بالتنازل عن شبر واحد من ارض سورية منذ ان خلق الله سوريا. ذلك في نظر الاعلام الامريكي يجعله عقبة في طريق السلام وعدوا متطرفا لاسرائيل وناكرا لجميل عرضها. وطالب أ. م روزنثال المحرر السابق لصحيفة النيويورك تايمز في مقال ينضح بالحقد في صحيفة الواشنطن تايمز بحرمان الرئيس السوري الجديد من تأييد اوعون من امريكا والدول الغربية إلا بعد الانسحاب من لبنان وقبول العرض الاسرائيلي. رفعت رأسي عن هذه الصحف وانا أحس بحالة من الغثيان سرعان ما تحولت عندي الي شعور بالرثاء, بأن هذا الموقف الذي يخرج عن كل منطق ويتجاهل كل قيمة اخلاقية, يتعدي مجرد التحيز السياسي او الفكري أو العنصري الي حالة من الوجد الهستيري الذي يشل كل قدرة علي الحكم الموضوعي السليم, والذي هو غاية ما يطمح اليه الصديق من صديقه والحليف من حليفه لكي يري صورته الحقيقية في مرأة أخيه, ويتبصر طريقه حتي لا يندفع نحو الهاوية. ومثل هذه المساندة العمياء تحول الحليف الأمريكي الي صديق جاهل خير منه عدو عاقل.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|