تقارير المراسلين

41476‏السنة 124-العدد2000يونيو27‏24 من ربيع الأول 1421 هـالثلاثاء

قراءة في تقرير اللجنة القومية الأمريكية لمواجهة الإرهاب‏(1)‏
إرهــاب التســعينيات يســـتهدف الأمريكييــــن علي أرضـــــهم
ويسـعي لقتـل أكبر عدد من النـاس

رسالة واشنطن : د. عمرو عبدالسميع
حادث تفجير المركز التجارى الدولى بنيويورك عام 1993
الإرهاب متعدد الجنسيات‏..‏ هو ذلك الإرهاب الجديد الذي ينتمي أفراد تنظيماته الي جنسيات مختلفة‏,‏ تجمع بينها أفكار دينية أو رؤي عامة وغير محددة‏.‏ وهو ذلك الذي يفتقد الارتباط أو البرنامج السياسي الإيديولوجي أو الفكري المحدد بين عناصر تنظيماته‏.‏ وهو ذلك الذي لايركن الي البقاء في مناطق وملاذات ثابتة‏,‏ وإنما اخترع ما يمكن تسميته‏:(‏الارهاب النقال‏),‏ أو الجماعات الارهابية المتحركة الجوالة‏,‏ من مكان الي مكان‏,‏ وهي لذلك صعبة الرصد والتتبع ومن ثم الاستهداف‏.‏ وهو ـ أيضا ـ ذلك الذي أصبح يريد تحقيق‏(‏أكبر كمية من القتل‏)‏ وليس لفت النظر الي مطالبه السياسية أو العقائدية‏,‏ كما كان يحدث في إرهاب السبعينيات والثمانينيات‏.‏ ثم إنه ذلك الذي تجاوز‏(‏التعامل‏)‏ و‏(‏الاشتباك‏)‏ بالأسلحة والمفجرات التقليدية الي محاولة الحصول علي قدرات دمار شامل ـ كيماوية ـ بيولوجية ـ إشعاعية ـ نووية‏),‏ وهي تلك التي يرمز لها بالحروف
‏(C.B.R.N)
وأخيرا فإنه ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هو ذلك الذي لايكتفي برصد‏,‏ والهجوم علي الأهداف الأمريكية في الخارج‏,‏ وكذلك علي المواطنين الأمريكيين‏,‏ ولكنه تجاوز ذلك الي محاولة نقل مسرح العمليات الي الداخل الأمريكي وعلي الأرض الأمريكية‏.‏
وبعيدا عن الحساسيات المتشنجة‏,‏ التي تنظر بها طبقة من المتعلمين تعليما بسيطا في مصر والعالم العربي‏,‏ لكل ما هو أمريكي‏,‏ وتراه إما جزءا من مؤامرة كونية‏,‏ أو انعكاسا لرغبة عارمة شريرة عند هذه الدولة إزاء العالم العربي‏..‏ بعيدا عن هذه الحساسيات فإن النظر لموضوع الارهاب ضروري من الوجهة‏(‏الفنية‏)‏ وبالذات كيفية تعامل الولايات المتحدة الأمريكية معه‏,‏ وكذلك النظر اليه من الوجهة‏(الوطنية‏)‏ ـ إذا أنتم ـ باعتبار أن الارهاب استهدف ويستهدف مصر‏,‏ ودولا أخري في العالم العربي‏,‏ ثم اذا نظرنا اليه من الوجهة‏(‏السياسية‏)‏ التي تدرس موقع هذه القضية في سلم الأولويات الأمريكي‏,‏ وأخيرا اذا نظرنا اليه من الوجهة‏(المفهومية ـ التعريضية‏)‏ التي تحدد ما طرأ علي الارهاب من تغيرات في المستهدف‏,‏ والأساليب المستخدمة‏,‏ والمدي العملياتي‏,‏ وبالتالي ما طرأ علي أسلوب الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ بحكم مسئولياتها الدولية الواسعة‏(‏ وهي مسئوليات واقعية‏,‏ لا يزيلها التشنج أو يقلصها الغضب‏),‏ في مواجهة الارهاب الدولي‏,‏ ثم بالإضافة الي مسئولية الولايات المتحدة‏,‏ هناك كذلك مسئولية الدول المشتبكة مع الارهاب ـ بالفعل ـ لتصوغ معا وتبني نماذج جديدة للتوقعات‏,‏ وأساليب للتعامل مع الارهاب‏,‏ تبعا لهذا التغير الكيفي الشامل‏..‏ كل هذا يجعل من دراسة الموضوع في الإطار الأمريكي واجبا حتميا‏.‏
وصدور تقرير اللجنة القومية‏(‏فوق الحزبية‏)‏ المكونة من عشرة أفراد‏,‏ لمواجهة الارهاب‏,‏ والتي يرأسها بول بريمر السفير المسئول عن مناهضة الارهاب في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان‏,‏ يوم‏5‏ يونيو الجاري‏,‏ وكذلك صدور المراجعة التي تجريها وزارة الخارجية الأمريكية عن الحالة الارهابية في العالم‏,‏ والتي اختصت فيها دول الشرق الأوسط يوم‏1‏ مايو الماضي‏,‏ صدور التقريرين يعد مناسبة جيدة‏,‏ للتقليب في أوراق ملف الارهاب‏(‏ من وجهةو النظر الأمريكية‏),‏ ومن ثم النظر الي حزمة كبيرة من الأحداث الجارية حول العالم‏,‏ في ضوء ذلك التقليب وتحليلها والتنبؤ بمواقف الأطراف إزاها‏.‏

أولويات‏!‏
وقبل أن نبدأ في النظر الي تقرير اللجنة القومية لمواجهة الارهاب لابد أن نذكر أن هناك عددا من العناصر الحاكمة دفعت الولايات المتحدة الأمريكية الي تصعيد موضوع الارهاب الدولي ليحتل مكانة عالية في سلم أولويات واشنطن‏,‏ وضمن هذه العناصر‏:(‏ تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام‏1993‏ ـ وتفجير أوكلاهوماسيتي ـ وتفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام‏1998‏ ـ القبض علي عدد من الأشخاص في الأردن وعلي الحدود الأمريكية ـ الكندية في ديسمبر الفائت كانوا قد عقدوا العزم علي قيادة هجمات ارهابية دموية في احتفالات أمريكا بالألفية الجديدة ـ قيام الحكومة الفلبينية بالقبض علي تنظيم كان ينوي اسقاط‏11‏ طائرة أمريكية في عام‏1995‏ ـ تفجير الأبراج السكنية في مدينة الخبر السعودية عام‏1996‏ ـ إعلان أسامة بن لادن قائد تنظيم القاعدة عزمه علي امتلاك قدرات أسلحة دمار شامل‏).‏
وهذه ـ بالطبع ـ قائمة من الأحداث‏,‏ كانت كفيلة ـ بالفعل ـ لتصعيد هذا الموضوع علي نحو ما حصل‏,‏ في الفكر السياسي الأمريكي‏.‏ وكانت اللجنة القومية‏(‏ فوق الحزبية‏)‏ الأمريكية لدراسة هذا الموضوع‏,‏ نتيجة مباشرة لهذا الاهتمام‏,‏ وهذه الأولوية‏.‏ وقد أشار تقرير هذه اللجنة بالاسم الي سبع دول حملتها الولايات المتحدة مسئولية رعاية الارهاب في العالم‏(‏سواء كان ارهابا ذا طابع سياسي يستهدف تحقيق أهداف سياسية معينة‏,‏ أو كان ارهابا عقائديا أو دينيا أو إيديولوجيا يستهدف مجرد إثارة الكراهية‏,‏ وتحقيق أكبر كمية ممكنة من القتل لتدمير قدرات ما حدده لنفسه بوصفه العدو‏.‏ وكانت هذه الدول هي‏:‏ إيران ـ أفغانستان ـ سوريا ـ والسودان ـ وكوريا الشمالية ـ واليونان ـ وكوبا‏.‏
ويقول التقرير‏:‏ إن إيران هي الحالة الأوضح في رعاية الارهاب‏,‏ فقد خطط الحرس الثوري الإيراني ووزارة المخابرات والأمن عددا من النشاطات الارهابية ونفذوها‏,‏ وأعطوا توجيهات لتنظيمات حليفة‏,‏ وساندوا عددا من العمليات لهذه التنظيمات‏.‏ وقد مولت أنظمة سوريا والسودان وأفغانستان الارهابية ومنحت ملاجيء وقواعد للتدريب وأسلحة الارهابيين‏.‏
‏(‏وبالطبع الاشارة الي سوريا ـ هنا ـ متعلقة بمساندتها لحزب الله ونظرة الأمريكيين الي هذه الجماعة بوصفها ارهابية من وجهة نظرهم‏).‏ ويواصل التقرير مؤكدا استمرار ليبيا في إعداد بعض الجماعات الفلسطينية‏..‏ التي اسماها التقرير ارهابية ـ بالمساندة‏,‏ فضلا عن تعقبها بعض معارضيها المنفيين والتحرش بهم‏.‏
ويؤكد‏:‏ وقامت كوريا الشمالية ـ كذلك ـ بإمداد الارهابيين بالسلاح‏.‏ واستمرت كوبا في منح ملاذات آمنة لعدد من الارهابيين‏..‏ وقد تراوح دعم بعض الدول للارهاب بين السماح للجماعات الارهابية بأن تعمل من علي أراضيها‏,‏ أو عند تقلص الدعم المباشر من جانب الدولة للارهابيين‏,‏ فإنها تعطيهم بعض المساعدات الضرورية بطريق غير مباشر‏.‏

فروق محددة
وفي معرض التقرفة بين‏(‏ الارهاب التقليدي‏),‏ الذي عرفه العالم في السبعينيات والثمانينيات‏,‏ وبين‏(‏ الارهاب الجديد‏),‏ الذي أفصح عن نفسه في التسعينيات ذكر تقرير مواجهة الارهاب الأمريكي النقاط التالية‏:‏

‏(1)‏ إن طبيعة التهديد الارهابي تغيرت بطريقة جعلته أكثر خطورة‏,‏ ومن الصعب مواجهته‏.‏ فقد كان الارهاب الدولي سابقا‏,‏ يهدد الأمريكيين عندما يكونون خارج البلاد‏,‏ ولكن الهجمات الارهابية ـ اليوم ـ تستهدفهم علي أراضيهم‏.‏

‏(2)‏ المنظمات الارهابية الفاعلة في السبعينيات والثمانينيات كانت لديها أهداف سياسية واضحة‏,‏ ونفذوا هجماتهم محاولين اسالة قدر كاف من الدماء لجذب الانتباه الي أهدافهم ومبرراتهم وخلق نوع من المساندة الشعبية العامة لهم‏.‏ فقد كانت جماعات مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي‏,‏ ومنظمة التحرير الفلسطينية ـ باستمرار ـ أهدافا أو حوافز مثل هذه‏.‏
أما الآن فإن نسبة متزايدة من الهجمات الارهابية خططت لقتل أكبر عدد ممكن من الناس‏(‏ تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك قتل ستة وجرح ألف‏)‏ ولكن هدف الارهابيين كان تدمير المبني كله وقتل عشرات الآلاف من الناس وكذلك كانت الهجمات علي المرافق الحيوية في نيويورك عام‏1993,‏ وقد تضمنت خططا لتدمير أنفاق لينكولن وهولاند وكان مقصودا بها تسبيب خسائر فادحة في الأرواح ـ أما في تفجير السفارتين عام‏1998,‏ فقد قتل وأصيب‏6059‏ شخصا ـ وفي تفجير الأبراج السكنية في الخبر عام‏1996‏ قتل‏17‏ أمريكيا‏)..‏ إذن فقتل أكبر عدد ممكن من الناس هو هدف الارهاب الجديد‏.‏

‏(3)‏ وهذا الاتجاه لقتل أكبر عدد ممكن من الناس‏,‏ يعكس ـ في جزء منه ـ التغير في دوافع الارهاب اليوم‏,‏ والمثل الكبير علي ذلك هو الجماعات الارهابية ذات الدوافع الدينية‏,‏ مثل تنظيم‏(‏ القاعدة‏)‏ الذي يتزعمه أسامة بن لادن‏,‏ والذي يعتقد أنه فجر سفارات الولايات المتحدة في إفريقيا‏,‏ إذ إنه أصبح رمزا لاتجاه متنام يحرص علي كراهية الولايات المتحدة الأمريكية‏..‏ ويضم بعض الجماعات الارهابية ذات الرؤية الخاصة‏,‏ أو جماعات الكراهية ذات الطابع العرقي‏,‏ ومثل هذه الجماعات تفتقد الهدف السياسي المحدد‏,‏ وبالتالي فإن هدفها هو أن تعاقب أعداءها بالقتل لأكبر عدد منهم‏,‏ كما أنها تبدو غير مهتمة بمسألة الحصول علي تعاطف أو تأييد الشارع‏,‏ ومن هنا فقد أصبحت هذه المنظمات لا تميل الي أن تتبع عملياتها ببيانات‏(‏ اعتراف بالمسئولية‏)‏ أو‏(‏ قائمة بالأهداف السياسية‏).‏

‏(4)‏ إنه علي الرغم من أن تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن‏,‏ هو مثال للتنظيم الارهابي‏(‏ النقال‏)‏ الذي يحرض العديد من المنظمات المتطرفة الأخري ذات الارتباط العقائدي والايديولوجي نفسه‏,‏ لأن مشاركة حملتها العنيفة ضد الولايات المتحدة‏,‏ فإنه ـ في النهاية ـ ليس التنظيم الوحيد بهذه الطبيعة‏.‏
فلو اختفي تنظيم‏(‏ القاعدة‏),‏ أو قائده أسامة بن لادن غدا‏,‏ فإن أولويات الولايات المتحدة سوف تظل مواجهة بتهديدات ارهابية جوهرية من عدد متزايد من الجماعات التي تعارض مفهوم الهيمنة الأمريكية والتي يمكن أن يتخذ أحدها نفس الشكل أو الأسلوب‏.‏
وصعوبة التعامل مع هذه الجماعات التي يلهمها تنظيم بن لادن تجيء من أنها مصدر المؤامرات‏(‏ لوحدها‏),‏ أي متناثرة ـ معزولة‏,‏ أو ان بعضها هو مجموعات غامضة ليس لها تاريخ سابق في العنف‏!!‏
وهذه المجموعات‏(‏ غير المترابطة‏)‏ و‏(‏المتنقلة‏),‏ والشبكات العملياتية الارهابية المتصلة بها‏,‏ صعبة الرصد‏,‏ أو الاختراق‏,‏ ومن ثم يستحيل ـ تقريبا ـ التنبؤ بحركتها وبردود أفعالها‏!!‏ فهم يعتمدون علي مصادر متنوعة للتمويل‏,‏ والمساندة اللوجسيتية‏(‏ متضمنة نشاطات التمويل الذاتي التي تقوم بها الجماعات الارهابية مثل الخطف وتجارة المخدرات والجرائم الأخري‏),‏ أو تمول شبكاتهم عبر‏(‏مؤسسات واجهة‏)‏ تستخدم كسواتر لعملهم‏,‏ وهياكل بيزنس شرعية‏(‏ تقوم هي الأخري بالتمويل‏,‏ بالاضافة الي وسائل التمويل غير الشرعية التي ذكرها‏)‏ وكذلك بعض المنظمات غير الحكومية‏,‏ وبينما أصبحت وسيلة الاتصالات الأكثر شيوعا في تنظيمات الارهاب الجديد هي الانترنت‏.‏

‏(5)‏ إن البنادق والمفجرات التقليدية كانت الأسلحة الأكثر استخداما لدي جماعات الارهاب التقليدية‏,‏ ولكنها لم تعد وحدها ـ الآن ـ علي الرغم من أنها الأرخص والأسهل في الحصول عليها واستعمالها‏..‏ وعلي الرغم كذلك من أنها تحدث قدرا لابأس به من القتل‏,‏ وإراقة الدماء‏!!‏ إذ إن اعتناق عقيدة قتل أكبر عدد ممكن من الناس‏,‏ لدي تنظيمات الارهاب الجديد يدفعها الي البحث عن أسلحة أشد فتكا‏,‏ ومن هنا كان الاهتمام الذي تبديه هذه الجماعات الآن للحصول علي قدرات كيماوية أو بيولوجية أو مشعة أو نووية‏..‏ وإن كان من الصعب‏(‏ فنيا‏)‏ وعمليا تصور سيناريوهات أو احتمالات لهجمات ارهابية غير تقليدية‏,‏ فإن معظم الخبراء يوافقون علي أن ارهابيي اليوم يبحثون عن وسيلة الاستعمال مثل هذه الوسائط لتحقيق أضخم قدر من الخسائر‏,‏ ومن ثم تطبيق عقيدة‏(‏ قتل أكبر عدد ممكن من الناس‏)!‏
هذا الفكر الذي عرضنا لبعض ملامحه‏,‏ والذي ظهر في تقرير اللجنة القومية لمواجهة الارهاب‏,‏ لم يمر دون مصاعب‏,‏ فقد رأي البعض أن فيه مغالاة شديدة في الخوف‏,‏ وتصعيد حالة الوعي بقضية الارهاب ومواجهته‏,‏ لدرجة تتعارض مع القيم الديمقراطية التقليدية للولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ كما رأي البعض نوعا من ألوان المعايير المزدوجة في التعامل مع حالات‏(‏ رعاية‏)‏ الارهاب‏,‏ وهو ما استخلصناه
في النقاط التالية‏:‏

‏(1)‏ علي حين أثار التقرير ـ مثلا ـ موضوع رعاية اليونان الإرهاب‏,‏ أو ما أسميه الارهاب آلاجريك الاتساعية مبررات خافية سنذكرها حالا‏,‏ ونادت إدارة كلينتون بفرض الحصار عليها لإخفاقها الكامل في التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في محاربة الارهاب‏,‏ فإن وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت رفضت هذا النداء بفرض الحصار‏,‏ بينما ساد التوتر أوساطا رسمية أمريكية كثيرة في واشنطن مع استمرار فشل أثينا في مواجهة الارهاب وخصوصا الموجه ضد غربيين وأمريكيين‏.‏ وزاد الطين بلة‏,‏ أن دبلوماسيا بريطانيا تعرض للاغتيال في أثينا يوم‏8‏ يونيو‏(‏ أي بعد صدور تقرير اللجنة الأمريكية القومية لمواجهة الارهاب بأيام ثلاثة‏),‏ فأحيا الوعي بقضية الأمن والارهاب في اليونان من جديد‏.‏

‏(2)‏ ولكن علي حين اتسم التقرير بالتشدد الكبير ازاء اليونان‏,‏ فإنه ـ مع الاقرار بأن إيران هي المثال الأكثر وضوحا للدول الراعية للارهاب ـ لم يوص بإجراء معين ضدها‏,‏ كما أوصي بإجراء ضد اليونان‏..‏ وتسبب ذلك في جدل واسع في وسائل الاعلام الأمريكية وفي ندوات مراكز البحوث حول هذا الموضوع‏,‏ ووجه فيه الاتهام للولايات المتحدة بالليونة مع طهران‏,‏ وعدم مطالبتها جديا بالافصاح عن بعض المعلومات والنتائج الخاصة بتحقيقات انفجار الخبر الشهير بجوار الظهران عام‏1996,‏ والذي تسبب في مقتل‏17‏ أمريكيا‏.‏

‏(3)‏ مسألة التعارض وعدم التوازن بين تبني الولايات المتحدة سياسات فعالة ضد الارهاب‏,‏ وبين التقاليد الأمريكية الديمقراطية‏,‏ أثارتها بعض توصيات تقرير اللجنة القومية بمراقبة الطلاب الأجانب‏,(‏ وبالذات المقررات الدراسية التي يدرسونها‏)‏ مخافة أن يتخصصوا في تخصصات تخدم حصول الارهاب علي أسلحة تمكنه من التدمير واسع النطاق‏,‏ وقتل أكبر عدد من الناس‏.‏
وأيضا ـ فيما يخص اختراق التقاليد الديمقراطية الأمريكية باسم مواجهة الارهاب‏,‏ أظن أن الضجة المثارة حاليا وسط الجاليات العربية وتجمعات الأمريكيين من أصل عربي والتجمعات المؤسسية الإسلامية حول ما يسمي‏(‏ الشهادة السرية‏)‏ يدخل في هذا الاطار‏.‏
فقد أثار قلق المحاكم الأمريكية أخيرا‏,‏ كما أثار انزعاج الكونجرس التوسع في استخدام الأدلة السرية‏(‏ التي علي أساسها يعد شخص لاجيء الي أمريكا تهديدا للأمن القومي‏)‏ وهي تلك الأدلة التي تم توسيع القانون المنظم لها بعد انفجار أوكلاهوما عام‏1996..‏ أي ان اللاجيء يقبض عليه‏,‏ وقد يعتقل‏,‏ لأية مدة‏,‏ ويتم ترحيله‏,‏ دون أن يري ذلك التقرير السري الذي اعتقل علي أساسه‏,‏ أو يدري بما فيه‏!!‏ وقد تم تطبيق هذا القانون في الفترة من‏1992‏ ـ‏1998‏ علي نحو‏50‏ حالة أغلبها يخص لاجئين عربا ومتطرفين‏.‏

‏(4)‏ أضف الي ذلك كله‏,‏ فإن مسألة‏(‏ المعايير المزدوجة‏)‏ و‏(‏التناقض مع التقاليد الديمقراطية للولايات المتحدة الأمريكية‏)‏ تبرز من جديد في الموضوع الليبي‏,‏ وذلك بمناسبة ما كشفه بهبهاني أحد ضباط المخابرات الإيرانية السابقين‏,‏ من براءة ليبيا في حادث لوكيربي‏,‏ مؤكدا أنه كان من تدبير المخابرات الإيرانية‏,‏ وهو مايطرح قضية مصداقية المعلومات التي بناء عليها تتخذ الإجراءات العقابية للارهاب‏,‏ بحيث تفرض علي دولة معينة‏,‏ قد تكون بريئة من هذا الحدث الارهابي براءة الذئب من دم ابن يعقوب‏!!‏

‏(5)‏ إنه ـ من الناحية المنطقية ـ فإن التعاون الدولي ضد الارهاب ربما يكون أكثر فعالية في سد ثغرات المواجهة أكثر من التشدد الذي يظهر في بعض توجهات أمريكية فرضها احتلال هذه القضية أولوية متقدمة جدا علي سلم أولويات واشنطن‏.‏ وصدور‏12‏ وثيقة عن الأمم المتحدة تدين الارهاب‏,‏ وتنامي التعاون الدولي العملي لمواجهة الارهاب‏(‏ والذي ربما كان أحد مظاهره الجلية مؤتمر شرم الشيخ عام‏1997).‏ فضلا عن تغير سلوك بعض البلاد التي كانت تدافع عن الارهاب وأصبحت ـ اليوم ـ تدينه‏,‏ ربما يكون أفضل كثيرا في مواجهة الارهاب من قانون الأدلة السرية‏,‏ أو مراقبة مناهج الطلاب الأجانب الدراسية داخل الولايات المتحدة‏,‏ وهي التي تبدو ـ جميعا ـ إجراءات شديدة المكارثية تفتقد التحلي بروح الديمقراطية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب