|
|
|
رسالة باريس : د. أحمد يوسف
|
 | | شارل نابليون |
أثار قرار الأمير شارل نابليون(49 سنة) بخوض الانتخابات المحلية في مدينة أجاكسيو عاصمة كورسيكا جدلا سياسيا في فرنسا. فلأول مرة منذ سقوط الأمبراطور نابليون الثالث في عام1870 أمام الجيوش البروسية الجرارة يتقدم أحد أفراد عائلة نابليون بونابرت للترشيح لمنصب سياسي رسمي رفيع وهو منصب عمدة مدينة أجاكسيو عاصمة كورسيكا التي تعتبر إحدي أكبر اقاليم فرنسا, ولكن أكثرها إزعاجا للحكومة المركزية في باريس بسبب العمليات الإرهابية التي يقوم بها الانفصاليون من مقاتلي جبهة التحرير الوطني الكورسيكية وبسبب الوجود الكثيف لعصابات المافيا بالإضافة إلي الاختلاف الشديد بين الفصائل الكورسيكية بشأن التعامل مع الحكومة الفرنسية فمنهم من يطالب بالانفصال التام عن فرنسا, ومنهم من يطالب بحكم ذاتي مع البقاء في الحظيرة الفرنسية ومنهم من يطالب فقط بامتيازات ثقافية واجتماعية. ولكن مشكلة ترشيح الأمير شارل نابليون لاتكمن فقط في أنها جاءت علي خلفية هذا الصداع الكورسيكي المزمن وإنما لأنها ستقلب أوراق اللعبة السياسية ليس في كورسيكا وإنما أيضا في باريس, ذلك أن أحزاب اليمين الفرنسي كلها فيما عدا اليمين المتطرف تضم في داخلها اجنحة وتيارات يطلق عليها التيار البونابرتي وهو تيار وإن كان يمينيا فهو ليس ليبراليا أي أنه ينادي بامساك الدولة بزمام الأمور وبمركزية سياسية وادارية علي الطريقة التي حكم بها نابليون فرنسا منذ عودته من مصر عام1800 وحتي سقوطه في واترلو عام1815. إلا أن أقوي جناح بونابرتي في فرنسا هو الجناح الموجود داخل حزب التجمع من أجل الجمهورية الليبرالي الديجولي وهو جناح يتزعمه فيليب سيجان أحد أبرز شخصيات اليمين الفرنسي والمرشح المقبل لمنصب عمدية باريس. وإذا كان سيجان مشهورا بعشقه لأمبراطور نابليون الثالث( عم الأول وصديق الخديوي إسماعيل) وله مؤلف مشهور في هذا فهو إذا أصبح عمدة لمدينة باريس وهو في الغالب ماسوف تئول إليه الانتخابات المقبلة فستكون مدينة باريس لأول مرة تحت حكم الجناح البونابرتي داخل حزب التجمع وهو جناح يمقت ليبرالية اعضاء الحزب وعلي رأسهم مؤسسه جاك شيراك نفسه. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الاحراج الذي سببه قرار الأمير شارل نابليون بترشيح نفسه لعمدية مدينة أجاكسيو لليمين الفرنسي بشكل عام وللجناح البونابرتي منه الذي نجح مرشحوه علي مدي مائة عام في احتلال مقعد عمدة اجاكسيو باسم الشرعية التاريخية لبونابرت نفسه مولود بالمدينة فإذا ماجاء حفيد بونابرت يطالب بمقعد العمدة فإن البونابرتيين سيتحتم عليهم إما البحث عن مورد رزق سياسي آخر, وإما الانضواء تحت لواء الأمير وهو الشئ الذي سيكون من العسير عليهم القبول به علي حزب التجمع الديجولي كله القبول به وذلك للأسباب التالية:
|
 | | نابليون |
أولا: الخصومة التاريخية بين أسرة بونابرت واليمين الفرنسي بشكل عام وهو اليمين الذي فضل دائما ـ كلما احتاج الأمر إلي مرجعية تاريخية ـ أسرة اليوربون من احفاد لويس الرابع عشر وليس أدل علي هذا من العلاقة الحميمة التي ربطت بين الزعيم الراحل شارك ديجول والكونت دي باريس إلي الحد الذي جعل هذا الأخير يفكر في أن يطلب من ديجول إعادة الملكية إلي فرنسا حسب ماورد في مذكراته.
ثانيا: علي العكس من ذلك كانت علاقة أسرة بونابرت أفضل مع اليسار الفرنسي لأنهم يرون في نابليون وأسرته نتاجا طبيعيا للثورة الفرنسية وهي الثورة التي قامت ضد حكم أسرة اليوربون.
ثالثا: أنه إذا كنا سلمنا بالتقارب الروحي بين أسرة بونابرت واليسار, فإن هذه الأسرة تعتبر نفسها بحكم التاريخ من اليمين, وبالتالي فإنه محكوم عليها أن تكون يمينية السياسة ولكن بونابرتية النزعة وهو ما قربها كثيرا من التيارات البونابرتية داخل اليمين الفرنسي وعلي رأسها ـ كما ذكرنا سلفا ـ الاتجاه الذي يتزعمه فيليب سيجان.
رابعا: بناء علي ثالثا أن فيليب سيجان ماهو في نهاية الأمر سوي خصم عنيد لجاك شيراك فسيجان كما قلنا بونابرتي النزعة والعقيدة بينما شيراك ليبرالي بكل معني الكلمة, وبالتالي سيكون تأييد سيجان للأمير شارل نابليون وهو شئ وارد طبيعي مدعاة لتدهور العلاقة المتدهورة أصلا بين قطبي حزب التجمع الديجولي شيراك وسيجان.
خامسا: في نهاية المطاف يبدو اذن أن الأمر يتعلق بالشخصية المسيطرة علي حزب التجمع أثناء الانتخابات فإذا ما ظل شيراك محكما قبضته علي حزب التجمع الديجولي فهذا معناه أن الأمير نابليون لن يلقي الغالب تأييد الحزب, وإذا ما واصل فيليب سيجان تأثيره علي الحزب خاصة إذا ما نجح في الوصول إلي مقعد عمدة باريس فإنه سيدفع بالحزب كله خلف الأمير وهو إذا ما حدث سوف يشكل سابقة, إذ سيدفع حزب جمهوري أحد أمراء الأسرة الأمبراطورية النابليونية لاعتلاء منصب عمدة وأين؟ في حديقة اجاكسيو مسقط رأس نابليون! إلا أن التناقض بين الحزب الجمهوري والمرشح الأمبراطوري يحله ببساطة إصرار الأمير علي أنه لم يعد أميرا وإنما هو ابن الجمهورية الفرنسية وهو اصرار يري المراقبون أنه تكتيكي أكثر من أي شئ آخر. وتظل بعد ذلك نقطة مهمة وهو في حالة وصول الأمير إلي مقعد عمدة أجاكسيو هل سيدفع بالجزيرة إلي الانفصال عن فرنسا معتمدا علي وزنه التاريخي أم أنه سيعمل في الاتجاه المعاكس أي إلي تهدئة الأمور مع الدولة الفرنسية لأن جده الأكبر نابليون بونابرت كان في النهاية أمبراطورا للفرنسيين جميعا وليس للكورسيكيين فقط. ويري المراقبون أن سيجان يمكن أن يلعب دورا في هذا المجال لدفع الأمير في هذا الاتجاه. وبعيدا عن اعتبارات السياسة الداخلية الفرنسية تجاه كورسيكا فإن الأمير شارل نابليون عاشق لمصر وعارف لحضارتها, وذلك لأسباب يقول ـ في لقاء خاص بالأهرام ـ إنها عاطفية ذلك أن أحلام سلفه الأكبر نابليون بونابرت في تكوين أمبراطورية عظيمة تكون نواتها مصر وإن كانت قد تبخرت وذهبت مع الريح فإنها تركت خلفها مشروعات عملاقة لتحديث العالم في رؤوس وعقول مهندسين وعلماء وسياسيين ـ بل وفنانين وأدباء وفلاسفة. ويضيف أنه يتحتم علي البلدين استثمار قوة التاريخ المشترك بينهما من أجل إنشاء علاقات متينة ليس فقط سياسية وهو شئ واقع بالفعل وإنما ايضا ثقافية واقتصادية فنحن نعيش في عالم تتكامل فيه السياسة والاقتصاد وتلعب الثقافة فيهما معا دورا بالغ الأهمية. ويختتم الأمير تصريحاته لـالأهرام قائلا إنه كفرنسي وكورسيكي يشعر أنه ابن البحر المتوسط وهو ارتباط آخر يجمع فرنسا بمصر ويجعلهما تتطلعان للعب دور في العالم تحتمه أحكام الجغرافيا وأحداث التاريخ.
|
|
|
|
|
|
|
|