قضايا و اراء

41476‏السنة 124-العدد2000يونيو27‏24 من ربيع الأول 1421 هـالثلاثاء

التقسيم الإداري للقاهرة الكبري
بقلم : د‏.‏ محمد الجوادي

من أوليات الحياة في القاهرة الكبري أن يعرف المواطن إلي أي قسم بوليس ينتمي مسكنه‏,‏ وإلي أي حي‏.‏
وليس هذا بالأمر البديهي‏,‏ فإن أحد سكان حي شبرا ـ علي سبيل المثال ـ قد يكون تابعا لقسم الساحل أو لحي شمال دون أن يرد ذكر لفظ شبرا في الكيانات الرسمية التي يتبعها‏.‏ ويرجع هذا إلي أن التقسيم الإداري لا يمشي تبعا للتقسيم الطبيعي‏,‏ بل ان التقسيم الاداري يختلف في الشرطة عنه في الإدارة المحلية‏.‏ وسكان أرض الجولف في مصر الجديدة ـ علي سبيل المثال ـ يعرفون أنهم يسكنون في أرض كانت ملكا لشركة مصر الجديدة‏,‏ وكل مرافقهم تمت من خلالها‏,‏ لكنهم الآن أصبحوا يتبعون قسم شرطة مدينة نصر‏..‏ وهكذا‏.‏ بل إن أكثر من نصف سكان مصر الجديدة يتبعون قسم النزهة‏,‏ وهو قسم شرطة مختلف عن قسم مصر الجديدة‏,‏ وتتركب الصورة ببعد ثالث عند الحديث عن السنترالات‏,‏ فحدود سنترال مصر الجديدة تغطي بعض حي الزيتون‏..‏ وهكذا‏.‏ وقد تكيف المواطنون وتأقلموا مع هذا‏,‏ لكن منطق التقسيمات الإدارية والخدمية يسلتزم حدودا دنيا وأخري قصوي من التنظيم والتخطيط والتنسيق والتريث‏,‏ وبعيدا عن توصيف المشكلات والحديث عن تاريخها‏,‏ وبعيدا عن شرح كثير من التصورات والعوامل الحاكمة لتفكيري علي مدي سنوات طوال في كل ما يحيط بهذا الموضوع‏,‏ فإني أفضل البدء مباشرة في عرض حزمة من الأفكار المترابطة التي لابد من التفكير فيها بعمق من أجل تسهيل أداء الخدمات والتحكم في تنظيم الحياة اليومية للقاهرة الكبري علي نحو أمثل‏:‏

‏1

‏ لابد أن نقر أن القاهرة الكبري في حاجة إلي التوافق بين الأحياء وأقسام البوليس‏,‏ ومن المنطقي والبديهي والعملي والأكثر فائدة أن يكون لكل قسم بوليس حي‏,‏ وأن يكون كل حي مكونا من قسم بوليس واحد فحسب‏.

2

‏ لابد أن نفكر في أننا ربما نحتاج بعد هذا التوافق إلي التوحيد‏,‏ إذ لابد من إعادة النظر في الازدواجية القائمة بين سيطرة وزارة الداخلية ومسئولية الإدارة المحلية من خلال الأحياء‏,‏ ولابد من الوصول إلي الصيغة المعمول بها في عواصم العالم المتقدم‏,‏ ولأن هذا يحتاج إلي إعداد جيد للتشريع الجيد من أجل التنظيم الجيد وإعادة توفيق الأوضاع‏,‏ فلابد من التفكير الجاد في نقل اختصاصات بأكملها من الآن في يد الشرطة لتكون مسئولة مسئولية كاملة عنها بدلا من الأحياء وذلك للتغلب علي ضياع عنصر المسئولية ما بين قرارات الأحياء بالإزالة والهدم ومنع البناء وإشغالات الطريق‏,‏ وبين تنفيذ الأحكام‏,‏ لأنه ببساطة شديدة إذا ما كانت الشرطة هي المسئولة في البداية والنهاية‏,‏ فسوف تتحدد المسئولية تماما ولن يمكن حينذاك استغلال عنصر تمييع المسئولية‏.

3

‏ إذا اقتضي هذا كإجراء انتقالي نقل تبعية الادارات الهندسية‏[‏ دستوريا وإداريا وتنفيذيا‏]‏ من التبعية لرئاسة الحي كما هو الحال الآن إلي مأمور الشرطة‏,‏ فليس هناك ما يمنع‏,‏ وليس بدعا أن تشرف الشرطة علي أعمال هندسية‏,‏ بل انها بالفعل تقوم الآن ومن خلال سلطاتها في الأحوال المدنية بالإشراف علي تطبيقات أدق تخصصات الهندسة‏,‏ أعني هندسة بحوث العمليات علي سبيل المثال من خلال الرقم القومي‏,‏ والتطوير الجديد للأحوال المدنية‏.‏ ومن الجدير بالذكر أن الشرطة المصرية في عصر سابق كانت تضم وظائف لمعاوني الإدارة يتولون كل المهام الإدارية والمدنية‏.‏ وقد كانت التجربة ناجحة جدا ولم ينشأ عنها ما نشأ الآن من فساد متراكم في المحليات‏..‏

‏4

‏ إذا ما أمكن لنا بعد دراسة دستورية وقانونية أن نصل إلي الصيغ بتوحيد الأقسام والأحياء‏,‏ وإعادة توزيع المسئوليات بطريقة‏(‏ إدارية جيدة‏,‏ فإن مباني الأحياء القائمة وعددها في القاهرة أكثر من عشرين حيا‏)‏ تصبح كفيلة بتوفير مقار جيدة للأقسام الجديدة التي سنقترحها في هذه الدراسة‏.‏

5

‏ من المهم أن ننتبه إلي أننا سنبدأ بالقاهرة كتجريب للتطوير‏,‏ فإذا نجحنا فإنه من الممكن تدريجيا أن ننتقل إلي العواصم الكبري للمحافظات فكل عواصم المحافظات ثم المدن الكبري ثم كل المراكز‏.

6

‏ من الطريف أن نذكر أنه حتي صدور قانون الحكم المحلي في نهاية السبعينيات لم تكن القري تخضع لرئيس مجلس المدينة في عاصمة المركز بصورة اسمية بينما كانت تخضع للمأمور فحسب‏.‏وبعد صدور هذا القانون أصبح مسمي رئيس مجلس المدينة رئيس مجلس مدينة ومركز بلبيس‏(‏ علي سبيل المثال‏)‏

‏7

‏ من الطريف أن نذكر أيضا أنه في كثير من عواصم المحافظات يتجاور قسم الشرطة المسئول عن المدينة واسمه قسم شرطة دمياط مثلا مع قسم الشرطة المسئول عن المركز الذي عاصمته المدينة واسمه قسم شرطة مركز دمياط مثلا وهكذا‏.‏

8

‏ من الطريف أكثر أنه في نطاق القاهرة الكبري وعلي بعد كيلو متر واحد من ميدان الكيت كات يوجد قسم شرطة إمبابة‏,‏ وإلي جواره مباشرة مركز شرطة إمبابة‏..‏ ومن البديهي أن العالم المتقدم قد حل هذه الازدواجية الظاهرة منذ زمن بعيد من خلال تعريف ومفهوم المدن والضواحي‏,‏ لكننا لسبب لست أدريه آثرنا استعمال ألفاظ الحضر والريف وجعلنا الأقسام للحضر والمراكز للريف‏,‏ وتجسد هذا كما أقول في إمبابة حيث يتجاور القسم مع المركز علي نحو ما تتجاور قري مركز إمبابة نفسه مع الحي المسمي بإمبابة‏,‏ وبين الاثنين العشوائيات‏.‏

9

‏ من الملاحظ أننا في حاجة ملحة إلي نشأة أقسام عديدة في القاهرة الكبري‏,‏ وقد لا يصدق الناس أن حي المهندسين الذي تبلغ الثروة المعمارية وحدها فيه أكثر من عشرين مليار جنيه‏,‏ لا يحظي في الخريطة الشرطية بأكثر من نقطة شرطة تتبع قسم العجوزة‏,‏ وقل مثل هذا عن مدينة نصر بكل ما تضمه من كثافة سكانية مرتفعة ومساحات كبيرة من الأرض ومع هذا فلا تزال مقسمة إلي قسمين فقط‏,‏ ولا خلاف علي أنها تحتاج إلي خمسة أقسام علي الأقل حتي يمكن السيطرة الأمنية والشرطية عليها قبل أن نفقد هذه السيطرة ثم نحاول الإمساك بها بعد فوات الأوان‏.‏

‏10

‏ لابد إذن من التفكير الجاد في انشاء عدد جديد من أقسام الشرطة الجديدة في القاهرة الكبري‏,‏ وعلي سبيل المثال فإن محافظة القاهرة في حاجة إلي‏14‏ قسما جديدا للشرطة علي الأقل‏,‏ وسأتناول هذه الجزئية بتحديد في مقال لاحق بإذن الله‏.‏
ومع هذا الفهم المستقبلي فإن ثمة ملاحظات مهمة تتعلق بالحاضر وبالأبعاد الأخري‏:‏

1‏

إذا لم نعن العناية الكافية بمباني أقسام الشرطة‏..‏ فبماذا نعني؟ سؤال يراودني كثيرا‏,‏ سواء علي مستوي الاهتمام بالمباني أو الاهتمام بالارشاد إلي طريقه والوصول إليه‏.‏

2

‏ من أحلامي ألا يقتصر التنظيم المدني والمعلوماتي للقاهرة علي الأحياء والأقسام‏,‏ وأن يكون هناك تواز تام بين السنترالات التليفونية و السنترالات الشرطية‏,‏ لأن هذا هو الكفيل بتنظيم كل وسائل الدفاع المدني والطواريء والسيطرة علي الأزمات وعلي كل مدخلات ومخرجات الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي‏

(3)

‏ وأمضي مع الأحلام فأجدني لا أكاد أتصور وجود أي تفاوت في الدوائر الانتخابية عن الأقسام‏,‏ فيجب أن يكون لكل قسم دائرة واحدة بعيدا عن أي خطوات تمت في أي زمن سابق من أجل تفصيل دوائر معينة لمرشح معين

4

‏ ولابد من التخطيط للمستقبل المقبل علي مدي مائة سنة بإذن الله‏,‏ ويظهر هذا في التفكير في وجود أقسام مستقلة تماما للأحياء الجديدة في التجمع الخامس والتجمع الثالث والعبور ـ علي سبيل المثال ـ حتي إذا لم تكن الكثافة السكانية الحالية مستحقة لوجود قسم شرطة‏,‏ ويقتضي هذا إقرار مبدأ جواز التفاوت في القوي البشرية والشرطية في كل قسم من الأقسام‏,‏ وليس من المنطقي أن نشترط أن تصل رعايا الأقسام إلي عدد معين حتي يكون من حقها الاستقلال‏,‏ ومع أن هذا حادث الآن في أقسام كثيرة تشمل كتلا سكنية متضخمة جدا تكاد توازي في تعدادها تعداد بعض الدول‏.‏

‏6

‏ ومع هذا فلابد من وضع خطة كبري
‏Masterplane‏
لتحديد حد أقصي لأقسام الشرطة في القاهرة الكبري بحيث لا تتعدي في النهاية‏60‏ قسما شاملة القاهرة والأجزاء الحضارية من الجيزة والقليوبية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب