|
|
|
|
|
مهما دارت المناقشات وتعددت الندوات والدراسات عن موضوع المياه, فسوف نجد دائما الجديد الذي يشدنا إلي البحث والتقصي.. فالمياه من أنفع المركبات الكيميائية وأغزرها علي سطح الكوكب الأرضي نجدها سائلة تمتلئ بها الأنهار والبحار والمحيطات أو متجمدة في ثلوج القطبين أو علي هيئة بخار ماء يستحوذ عليه الغلاف الجوي في كميات قدرها العلماء بحوالي50 ألف طن في كل ميل مربع من هذا الغلاف. ويتصل حبل الحياة بين الماء وسائر المخلوقات بدءا من الخلية الحية حيث تتوقف سلسلة التفاعلات الكيميائية المعقدة التي تحدث فيها علي المياه ومع كل ذلك فنحن نستهين بقدر هذا المركب في تعاملاتنا معه. إنه يخضع في تكوينه لدورة كونية دقيقة ترتبط بالنظام الكوني. فعندما تتسلط الطاقة الحرارية التي تنبعث من الشمس علي الأرض التي تدور في فلكها متماسكة معها بقوانين الجاذبية يتولد البخار من أسطح البحار والمحيطات ويرتفع إلي طبقات الجو العليا, فيبرد ثم يتكثف مكونا السحب التي تنزل منها المياه بقدر تسيل في الأودية والأنهار ويتسرب منها جزء إلي جوف الأرض فتتفجرمنها الينابيع والعيون. تلك هي المياه التي تمد سائر ما في الكون من مخلوقات بأسباب الحياة. إنها نعمة تكونت في سلسلة مرتبة طبقا لنظام محكم لكي ينتفع بها الانسان. ومع ذلك فهي تخضع الآن لعمليات تدميرية علي يد هذا الإنسان إنه ناكر للجميل يقابل الإحسان بالإساءة. فالمياه العذبة في الأنهار والبحيرات تتعرض حاليا للتلوث بمخلفات الصرف الصحي والصناعي والزراعي وتتلوث المياه الجوفية نتيجة لاستخدام المخصبات والمبيدات في الزراعة فتحدث تغييرات في خواصها الطبيعية والكيماوية والبيولوجية تحد من نفعها وينتج عن ذلك بيئة ملوثة لها خطورتها علي صحة الانسان. ويزداد الاهتمام في الدول المتقدمة بالأمراض التي تقلها المياه وتحول اهتمامها من الأمراض البكتيرية إلي الأمراض الفيروسية, وقد وجدوا أن الالتهاب الكبدي الفيروسي غالبا ما يحدث في المدن التي تزداد فيها نسبة العكارة في شبكات المياه. وفي المؤتمر الذي نظمته هيئة الأمم مع الجمعية المصرية للسموم والبيئة والاتحاد العالمي للسموم في1995/11/19 تحت شعار من أجل رفاهية الإنسان والبيئة, اتضح أن المبيدات الزراعية سواء مبيدات الحشائش أو المبيدات الحشرية تعد من أخطر وأكبر مصادر السموم البيئية علي وجه الاطلاق. إن تعميق الإدراك بمسئولية كل فرد تجاه المياه هو مهمة أساسية للمنظومة التعليمية وللجمعيات الأهلية والأجهزة الحكومية. إن ثلثي وزن الجسم منها فضلا عن أنها أساسية في انتاج الغذاء ولازمة للدورة الصناعية وتبريد محركات السيارات وتدخل في توليد الكهرباء من المساقط والسدود, وبالتالي فهي تدخل في ميكانيكية الحياة. وتطحن الأزمات المائية الكثير من البلاد في افريقيا وآسيا. فقد أدي الجفاف في المناطق الشمالية لإريتريا إلي إنخفاض المحاصيل الزراعية وتهدد المجاعة نسبة كبيرة من السكان. وتتعرض أفغانستان لأسوأ فترة جفاف منذ25 عاما فنفقت الماشية في جنوب البلاد وإزداد القحط. وبدأ التصحر يزحف علي بعض المدن العربية وعلي كثير من مناطقها بإنتشار المناطق الصحراوية, وإتساع رقعتها علي حساب الرقعة الزراعية والمناطق السكنية والمراعي. وتظهر بعض آثار هذه الظاهرة في السعودية بسبب ملوحة الأراضي ونقص المياه وزحف الكثبان الرملية من صحاري الربع الخالي وصحراء النفود وصحراء الدهناء. ويزحف التصحر علي البحرين وعلي غرب السودان وبعض المناطق في سوريا. وتتعرض الدلتا في مصر ومنطقة الفيوم وسيوه لهذه الظاهرة. وبوجه عام فإن المنطقة العربية كلها عطشي, فالسكان يتزايدون وموارد المياه محدودة وتنحدر مياه أنهارها من خارج الحدود السياسية. وسوف يصل نصيب الفرد في المياه العربية بين عامي2030,2010 إلي مابين226,425 م3 سنويا للفرد, وهو أقل من معدلات خط الفقر المائي, وسوف يشكل ذلك قيدا علي التنمية, وبالتالي علي الأمن القومي. وعلي قدر استطاعتنا فلابد من الحصول علي قطرات المياه من كافة المصادر المتاحة, فحتي نقط الندي التي يمكن تجميعها من أعلي أوراق الأشجار في فترات الصباح المبكر يمكن الاحتفاظ بها في أكياس من البلاستيك توطئة لاستخدامها واستغلال الضباب كمورد للمياه في المناطق ذات الغطاء النباتي الكثيف هو أمر وارد وكل هذه الموراد مهما بدت ضئيلة. فسوف نستشعر قيمتها لتوفير هذا المعدن النفيس الذي سوف يتضح كم هو ثمين في السنوات القادمة. وتوفير المياه العذبة هو من أهم التحديات التي تواجه العالم في القرن الحادي والعشرين. وتختلف الموارد المائية زيادة ونقصا من منطقة إلي أخري, ففي الوقت الذي يزيد فيه نصيب الفرد في بعض مناطق العالم علي مائة ألف م3 للفرد في السنة نجده في مناطق أخري لايزيد علي مائةم3 للفرد في السنة, وهناك مفارقات كبيرة في القارة الافريقية, ففي الوقت الذي تواجه فيه موزامبيق وسوازيلاند وغيرهما من دول الجنوب الإفريقي مأساة الفيضانات المدمرة نجد أن بعض شعوب القارة يتهددها العطش, وإذن فهناك طوفان من الفيضانات في بعض المناطق وشح وعطش في مناطق أخري, وتزداد هذه المشاكل تعقيدا بسبب زيادة التلوث وسوء إدارة مياه الأنهار. وللمياه بعد استراتيجي مؤثر له رنينه الآن في منطقتنا, وتتطلع إسرائيل بشراهة إلي الموارد المائية من النيل إلي الفرات, وإذا وضعنا تحت أنظارنا احتياجات سكان المنطقة إلي كل قطرة مياه لأدركنا أن التفريط في قطرات المياه غير وارد وفي مصر علي سبيل المثال نجد أن الزيادة في ايراداتها المائية مرهونة بتنفيذ مشروعات أعالي النيل, ومن أهمها قناة جونجلي التي بدأ العمل فيها عام1975 وتوقف عام1980 بسبب الحرب الأهلية في جنوب السودان. وتعتمد دول حوض النهر علي الزراعة المطرية, لذا يعتبر النهر مصدرا ثانوي الأهمية بالنسبة لها علي خلاف مصر وشمال السودان, فالنهر يكاد يكون هوالمصدر الوحيد لهما. وترجع أهمية النهر لمصر إلي اعتماد محاصيلها الزراعية وأهمها القطن علي مياهه, وعندما دخلت زراعة القطن إلي السودان استلزم الأمر تخصيص كميات من مياه النهر لهذه الزراعة, وتحددت حصتا مصر والسودان في اتفاقية7 مايو1929 بمقدار48 م3 في السنة لمصر,4 مليارات م3 في السنة للسودان, ثم زادت هذه الحصص في اتفاقية8 نوفمبر1959. بعد إنشاء السدالعالي فأصبحت حصة مصر55,5 مليار م3 في السنة بزيادة قدرها7,5 م3 مليار م3 سنويا وحصة السودان18,5 مليار م3 في السنة بزيادة قدرها14,5 مليار م3 سنويا وتعلن أثيوبيا عن عدم اعترافها بهذه الاتفاقيات لعدم اشتراكها فيها مع أن امبراطور اثيوبيا مينيلك الأول سبق أن وقع اتفاقية ثنائية عام1902 ولهذا يتعارض عدم الاعتراف هذا مع معاهدة فيينا لعام1978 الحاصة بتوارث المعاهدات الدولية,. وأثيوبيا ليست في حاجة إلي استخدام مياه روافد النيل المنحدرة منها لأن الزراعة فيها زراعة مطرية. وهناك خوف غريزي لدي مصر والسودان من أن القلاقل في جنوب السودان وفي شرقها يمكن أن تستغل بواسطة القوي الخارجية التي تسعي للحصول علي مزايا استراتيجية من وراء موارد النيل وذلك من خلال إحداث انقسامات بين دول الحوض. ننتهي مما تقدم إلي أنه إذا كانت هناك حدود سياسية أو حدو إدارية لأراضي الدولة فإنه بوسعنا أن نقرر أن هناك حدودا مائية ترتبط معنويا بمنابع النهر الذي يمر بها, إنها ليست خطوطا جغرافية بل هي علاقات سياسية مائية بين دول الحوض يقوم بترتيب أوراقها ودبج قواعدها خبراء متخصصون في النواحي الهيدروليكية وفي القانون والجغرافيا والتاريخ والديموجرافيا. ويعتبر حوض وادي النيل نموذجا جيدا لمثل هذه العلاقات.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|