قضايا و اراء

41476‏السنة 124-العدد2000يونيو27‏24 من ربيع الأول 1421 هـالثلاثاء

عالم جديد
يوم‏13‏ يونيو‏2000‏ من التاريخ
بقلم : د‏.‏ أنور عبدالملك

من فضائل فكرة القرية الواحدة أنها تساعد علي إدراك حقيقة أمور الدنيا كما اصبحت عليه ـ او هكذا تصورنا‏.‏ شاءت الظروف ان تجمعني بعدد من الزملاء والخبراء والاصدقاء‏,‏ من بيئات مختلفة‏,‏ هذه الاسابيع‏,‏ علي مشارف الصيف الملتهب‏,‏ لتبادل المعاني حول ما يدور‏,‏ وسيأتي كانت المناسبة‏,‏ كما هو الواجب‏,‏ مشاركة القلوب في لحظة الوقوف حدادا علي روح رجل الدولة العربي رفيع المقام الرئيس حافظ الأسد‏..‏ اجتمعت القلوب واتفق التقويم‏.‏ بدأت التساؤلات حول أثر هذا الحدث الجلل‏,‏ الي هنا والأمور طبيعية ومعقولة‏.‏
ثم رحت اتساءل وأسأل‏,‏ زملائي وصحبي عن الأنطباعات في الدائرة الأوسع‏,‏ دائرة العالم الذي قيل لنا إنه قرية واحدة‏.‏ وقد راعني أن معظم من تحدثت إليهم ذكر هنا وهناك حدثا مهما ـ يجري هذه الأيام‏,‏ ولكنني لم استشعر أن احدا منهم يربط بين هذا كله ـ ربما لأننا في فجر التاريخ ؟‏!‏ وربما لأن الاحاديث تدور بعد الغروب في جو هادئ بعيدا عن العواصف؟ لست ادري‏.‏
ولذا رأيت أن أقتطع رحلة البحث عن مصر اليوم مرحليا لأقدم لأخواني وزملائي في الوطن والأمة عددا من الأفكار‏,‏ قد تثري المناقشة وربما من يدري‏,‏ تثري أيضا الرؤية‏,‏ ولا أقول التحرك‏.‏

الشمس المشرقة في كوريا‏!‏
يرتفع الستار‏,‏ صباح يوم الثلاثاء‏13‏ يونيو‏2000,‏ علي رئيس كوريا الجنوبية‏,‏ رجل الدولة العلم كيم داي جونج يهبط لأول مرة في مطار عاصمة كوريا الشمالية بيونج يانج فيستقبله كيم يونج إيل زعيم كوريا الشمالية الشيوعية بحرارة غير مسبوقة‏.‏ وبعد ثلاثة أيام‏,‏ اي مساء الخميس‏15‏ يونيو يتم الاتفاق بين الدولتين علي اربع نقاط‏,‏ اهمها رفع الحظر عن اجتماع الأسر الكورية من الجانبين بدءا من‏15‏ اغسطس المقبل‏.‏ الي جانب اجراءات العزم علي العيش في سلام ـ اي انهاء حالة الحرب واقعيا والمشاركة الاقتصادية‏,‏ والسعي تجاه وحدة كوريا‏,‏ الامة العرقية منذ عشرين قرنا‏.‏
أجمع كبار محللي السياسية الدولية علي أن هذا الاتفاق يشبه نهاية حائط برلين بين الدولتين الألمانيتين عام‏1990‏ ورأي بعضهم بأنه مؤشر الي نهاية النظام العالمي كما عاهدناه منذ‏1945,‏ خاصة في دائرة اسيا ـ المحيط الهادي‏.‏
‏1‏ ـ الزيارة التاريخية ثم الأتفاق التاريخي بين زعيمي كوريا يعدان حدثا فريدا‏,‏ من نوعه في التاريخ المعاصر‏,‏ ذلك لأن الدولتين لم توجد علي طرفي خط تفرقة نتيجة اتفاق حلفاء كما حدث في ألمانيا عام‏1945,‏ وإنما جاء نتيجة لحرب دامية رهيبة أستمرت ثلاث سنوات‏(1950‏ ـ‏1953)‏ راح ضحيتها نحو ثلاثة ملايين نسمة‏,‏ نتيجة لقرار الولايات المتحدة وقف تقدم الثورة الصينية تجاه اليابان وسيطرة الشيوعية علي كوريا ـ بين سيبيريا السوفيتية والصين‏.‏
ومعني هذا ان نهاية حالة الصدام بين دولتي كوريا والتوجه الي التصالح والوحدة يمثل حقيقة ما اعلنه رئيس كوريا الجنوبية عند عودته بأن يوما جديدا بدأ يسطع بالنسبة للأمة الكورية المنقسمة التي اصبحت علي وشك فتح فصل جديد في تاريخها‏,‏ منهية بذلك‏55‏ عاما من الانقسام والعداوة‏.‏
‏2‏ ـ ومعني هذا ان التوجه الي نهاية العداوة في اتجاه الوحدة بين دولتي كوريا معناه وضع نهاية لآخر جبهات القتال في الحرب العالمية الاخيرة‏,‏ اي وضع حد نهائي لنظام القطبية الثنائية الذي اعترف لحلف الاطلنطي بدور مركزي في قلب ألمانيا من ناحية كما اعترف للقوة الاستراتيجية الامريكية بدور مركزي في شمال شرق آسيا بدءا من احتلال كوريا الجنوبية وإقامة قاعدة استراتيجية نووية في قلب عاصمة سول‏,‏ في حي إيتايوون من ناحية أخري‏.‏
ومعني هذا‏:‏ أن الحرب انتهت بانتصار المقهورين وتعرية المحتل‏.‏
‏3‏ ـ إن توجه الكوريتين الي الوحدة يعني بشكل واضح‏:‏ نهاية السيطرة الأمريكية باسم هيمنة القطب الواحد علي آسيا الشرقية والمحيط الهادي‏,‏ واجبار الولايات المتحدة علي التقهقر من الخط الأول لحصار محور الصين ـ روسيا الشيوعي قبل انهيار الاتحاد السوفيتي‏,‏ ثم صعود دولة الصين الكبري الجديدة بعد ذلك‏,‏ ألا وهو خط كوريا الشمالية ـ اليابان ـ تايوان ـ هونج كونج ـ آسيان كما اوضحنا مرارا‏.‏ أي أن الولايات المتحدة سوف تضطر‏,‏ أرادت ام لم ترد مادام احتلال‏,‏ كوريا الجنوبية لن يدوم‏,‏ إلي ان ترتد الي خط ثان لا قيمة له قوامه آلاسكا ـ هاواي ـ الفلبين ـ اندونيسيا‏,‏ وكأنه دائرة رمزية لا تجدي في العمليات الاستراتيجية الفاعلة‏,‏ بعيدا عن دور الصين المركزي في آسيا وغرب المحيط الهادي‏.‏
‏4‏ ـ لم يخطئ كبار المعلقين الأمريكيين في إدراك الأمر‏.‏
يقول مثلا دافيد شامبو مدير برنامج سياسة الصين في جامعة جورج تاون بواشنطن ان الصين اقامت علاقات سياسية متعمقة مع كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية‏,‏ وبالتالي‏,‏ فإن الصين قد وضعت كلا من الطرفين تحت وصايتها‏.‏ ذلك أنها رفعت مستوي كوريا الجنوبية وناورت بحيث همشت الولايات المتحدة تماما أو كادت في هذا المجال‏,‏ بحيث اصبحت تتجه أنظار سول‏,‏ عاصمة كوريا الجنوبية‏,‏ الي بكين بقدر ما تتجه الي الولايات المتحدة الآن‏.‏
وقد صدقت السيدة اليزابيث روزنتال‏,‏ إذ افتتحت مقالها التحليلي في نيويورك تايمز يوم‏15‏ يونيو بقولها‏:‏ لعله ليس هناك دولة ثالثة تستطيع ان تستفيد من الصلح في نصف القارة الكورية مثل الصين‏.‏ وهذا ما اكده نائب وزير الخارجية الصيني زوبانج زاو بقوله‏:‏ يعتقد الجانب الصيني أن القمة أدت الي نتائج مهمة وأنها لذلك تمثل حدثا رئيسيا ذا مغزي تاريخي إنها تمثل إسهاما للإبقاء علي السلام والثبات في شبه الجزيرة الكورية‏.‏ ومن هنا فإن الجانب الصيني سعيد من القلب لذلك وقد اسرع جهاز وزارة الدفاع الأمريكي‏,‏ تحت إمرة ويليم كوهين الي تجنيد الرئاسة الأمريكية ضد أي فكرة لسحب قوات الأحتلال الأمريكية في كوريا الجنوبية بل واكثر من ذلك ركزت وزارة الدفاع علي تأكيد ان القمة الكورية لا تعني شيئا بالنسبة لاستمرار كوريا الشمالية في إنتاج الصواريخ بعيدة المدي‏,‏ وانه بالتالي لا يمكن تغيير الأمر‏,,‏ اي امر الاحتلال العسكري لجنوب كوريا ـ وكأن وزارة الدفاع الأمريكية صاحبة الرأي في مستقبل الأمة الكورية وهو ما شجبه أحد كبار المسئولين في وزارة الدفاع ذاتها يوم‏19‏ يونيو بقوله‏:‏ هل يمكن أن نتحدث عن أننا نواجه نفس التهديد إذ واجهنا كوريا الشمالية تحاول ان تندمج في المجتمع الدولي؟ كيف يمكن ان ندعي في الوقت نفسه أن هذه دولة غير عقلانية؟‏.‏
‏5‏ ـ وقد جاء هذا الاجتماع التاريخي بكل معاني الكلمة بعد عامين حيث قامت الحكومة اليابانية برئاسة الراحل كيزو اوبوتشي‏,‏ باتخاذ مجموعة من الاجراءات مثلت في نهاية الامر تباعدا تدريجيا في الاعماق من الحلف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ خاصة مجال الدفاع الياباني‏,‏ وخاصة انتاج الصواريخ‏,‏ وتحديث البحرية وتطوير تكنولوجيا الأقمار الصناعية بشكل مستقل جنبا الي جنب مع تطبيع العلاقات نهائيا مع الصين خاصة بعد زيارة امبراطور اليابان الي بكين‏.‏
وهاهي اليابان تتجه بسرعة منذ شهور‏,‏ وخاصة في الاسبوع الماضي بعد الاجتماع الثنائي الكوري الي إنجاز التطبيع الدبلوماسي مع كوريا الشمالية بحيث يتم ترتيب الأمور الدبلوماسية بين الصين وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية واليابان وروسيا في شمال شرق آسيا أي علي طول غرب دائرة المحيط الهادي‏,‏ انتهت اسطورة امكان القيام بحرب استراتيجية كبري علي جبهتي شمال شرق آسيا وكذا الشرق الاوسط في الاساس‏.‏
بدأ العد التنازلي للعصر الأمريكي في اهم دائرة قوة واكثرها فعالية في عالم اليوم‏.‏

برلين ـ موسكو‏:‏ عيد الميلاد
وفي اليوم نفسه‏,‏ يوم‏13‏ يونيو‏2000,‏ بدأت المحادثات بين فلاديمير بوتين رئيس روسيا الجديد وجيرهارد شرويدر مستشار ألمانيا‏,‏ وذلك في عاصمة ألمانيا الموحدة برلين بل وفي المبني الذي كان مقرا لرئيس ألمانيا الديمقراطية الشرقية قبل توحد الدولتين الألمانيتين‏.‏
هنا ايضا‏,‏ رأينا زعيمي أكبر دولتين في اوروبا يفتحان عصرا جديدا من تاريخ اوروبا بل والسياسية العالمية‏.‏
‏1‏ ـ نبدأ فنذكر ان الصراع علي السلطان في اوروبا كان منذ اكثر من قرن في الجوهر هو صراع بين الدول الاستعمارية التقليدية ـ انجلترا وفرنسا علي وجه التخصيص ـ وبين ظهور مراكز قوي تسعي الي اقامة امبراطوريات عالمية‏,‏ خاصة ألمانيا بعد قيام دولتها الموحدة الأولي في نهاية القرن الماضي‏,‏ ومن ثم حرب‏1914‏ ـ‏1918‏ ثم الحرب العالمية‏1940‏ ـ‏1945‏ وبعد ذلك اتجهت المانيا ضد روسيا في قلب دولة الاتحاد السوفيتي برئاسة لينين ثم ستالين‏,‏ كانت هذه هي الجبهة المستمرة التي رأت فيها الدول الاستعمارية التقليدية القديمة الند والعدو الرئيسي‏.‏
ومن ثم جاء تقسيم ألمانيا الي دولتين غربية رأسمالية وشرقية اشتراكية توكيدا لهذا المعني‏,‏ اي شطر الاعداء ثم حصرهم الي شرق اوروبا والسيطرة علي اوروبا الغربية في إطار حلف الاطلنطي‏.‏
وبالتالي‏,‏ فإن إنهاء تقسيم ألمانيا بفضل قيادة المستشار السابق هيلموت كول‏,‏ اتاح الفرصة لظهور جيل جديد ألماني يسعي الي توكيد الشخصية السياسية الألمانية إنه الجيل الذي يلتف اليوم حول المستشار الجديد شرويدر الذي حدد ان تحقيق سياسة الشرق أي التوجه إلي روسيا وعبر روسيا وآسيا الوسطي الي آسيا الشرقية‏,‏ يمثل جوهر مستقبل ألمانيا‏.‏
نقطة البدء إذن هي في توافق خطي ألمانيا الموحدة وروسيا الجديدة‏.‏ وهذا ما تم في اجتماع برلين التاريخي‏.‏
‏2‏ ـ إن جوهر التوافق بين روسيا وألمانيا‏,‏ بين روسيا ومعظم أوروبا بدءا من ألمانيا‏,‏ إنما هو الاعتراض علي نظام التسلح الأمريكي الجديد الذي يمثل المرحلة الجديدة لحرب النجوم‏,‏ تعتقد اوروبا بحق وقد عرفت الحرب العالمية وأهوالها ان هذا النظام الذي قيل إنه دفاعي لا يعني شيئا‏,‏ ليس هناك تهديد استراتيجي ضد دول أوروبية‏,‏ دعنا من الولايات المتحدة‏,‏ علي ايدي دول همجية لا وجود لها ولا تقدر علي هذا الزلزال‏,‏ كم ا أنه في حالة وقوع كارثة عالمية‏,‏ لن يحمي هذا النظام إلا الولايات المتحدة التي سوف تنصرف الي الداخل بعيدا عن احتياجات الدول الأوروبية علي وجه التأكيد‏.‏
ومن ثم وجب وضع حد للهستيريا الأمريكية ووقف السياسة الدفاعية الاستفزازية التي يمكن أن تدمر السلام العالمي‏.‏ كان هذا هو الجو العام في تصريحات كل من بوتين وشرويدر وقد انتهي الأمر إلي دعوة الرئيس الروسي بوتين لألمانيا وكذا اوروبا الغربية الي المشاركة في اقامة مجلس نظام الدفاع الجديد الذي اقترحته روسيا‏,‏ وكذا المطالبة الروسية بالمشاركة في اي سياسة دفاع اوروبية مستقلة‏,‏ مما لقي ترحيب المستشار الالماني الذي توج الاجتماع بإعلان إن مشاركة روسيا في الدفاع الاوروبي أمر مرغوب فيه بل إنه لا يمكن ان يكون الدفاع اوروبيا دون روسيا‏.‏
‏3‏ ـ إن حلف الاطلنطي‏,‏ بقيادة الولايات المتحدة قام سنة‏1947‏ علي اساس تجنيد دول اوروبا الغربية بوصفها دولا تابعة للهيمنة المركزية الامريكية لصد الخطر الشيوعي الصاعد بدءا من الاتحاد السوفيتي‏..‏ وقد تحول هذا الحلف بعد‏1991‏ الي محاولة حصار لصعود القومية الروسية الجديدة‏,‏ وذلك بالتوسع شرقا حتي حدود روسيا من ناحية‏,‏ كما حاول ان يعبئ الرأي العام الغربي ودوله ضد خطر ظهور مركز الدولة العظمي الصينية الجديدة في آسيا‏.‏
كان المرتقب ان تظل ألمانيا بعد توحدها عضوا طيعا في هذا الحلف‏,.‏ اما وقد اختارت ألمانيا في عهدها الجديد ان تسعي الي التواكب مع الدولة الروسية والقومية الصاعدة الجديدة‏,‏ فإن جميع الموازين تتفتت سريعا‏.‏ مركز الثقل في القارة الأورو بية إنما هو محور موسكو ـ برلين‏,‏ وليس دائرة دول غرب أوروبا الأطلنطية‏,‏ وبالتالي فإن دور اوروبا الاطلنطية‏,‏ وعلي رأسها فرنسا وانجلترا وايطاليا واسبانيا لن تقبل بأن تستمر في دور التابع للزعامة الأمريكية التي ضعفت الآن‏,‏ ومن ثم فمن المرتقب بل المنتظر أن تتصاعد السياسات الاوروبية الغربية الأكثر استقلالية‏,‏ بعد فترة من الحيرة والتخبط والتساؤل التي لا مفر منها في ظروف جديدة مرتقبة بهذه السرعة‏,‏ وعلي كل حال‏,‏ فإن هذا التوجه يمثل أمرا محمودا بدعم سياسة إقامة نظام عالمي متعدد الاقطاب‏,‏ وإن كانت الأقطاب المركزية في هذا النظام لن تكون بأي صورة من الصور تلك التي تتمثل في دائرة الدول الخمس صاحبة حق الفيتو في مجلس الأمن التي اقامها نظام يالطا للقطبية الثنائية عام‏1945.‏
هنا ايضا بدأ العد التنازلي‏,‏ بدأت صفحة جديدة في تاريخ النظام العالمي‏,‏ والعالم أجمع‏,‏ وكذا مسيرات شعوبنا‏.‏

الصين الي البلقان‏
وفي نفس اليوم‏..‏ يوم‏13‏ يونيو‏2000,‏ بدأت رحلة لي بنج رئيس مؤتمر الشعب الوطني‏(‏اي مجلس الشعب‏)‏ الصيني‏,‏ رئيس الوزراء السابق‏,‏ وثاني قادة الحزب الشيوعي الصيني والدولة‏.‏ الرحلة إلي أين؟ الرحلة أولا الي دول يوجوسلافيا الاشتراكية الثلاث السابقة اي يوجوسلافيا او سلوفينيا وكرواتيا‏.‏
حيث اعلن لي بنج باسم الصين في العاصمة بلجراد‏..‏ إن حلف الاطلنطي بقيادة الولايات المتحدة قام بتدخل جائر في الشئون الداخلية لدولة يوجوسلافيا السيادية‏.‏ إن هذا العمل يمثل خرقا لميثاق الأمم المتحدة‏,‏ وكذا تهديدا خطرا للاستقرار في اوروبا وكذا في العالم‏,‏ ان اليوجوسلافيين قاموا بدفاع باسل وتحدوا ضغوط دول قوية‏,‏ وهانحن نري أنه برغم سكوت المدافع اليوم‏,‏ فإن مشكلات مقاطعة كوسوفا لم تحل‏,‏ بل ان الصراعات العرقية لم تهدأ‏,‏ ومازالت قضية الجماعات العرقية حادة جدا‏.‏ أي أن منطقة البلقان بعيدة كل البعد عن السلام والاستقرار واضاف لي بنج ان الصين قررت ان تقدم معونة واسعة مستمرة لأعادة بناء يوجوسلافيا بعد ما احدثته الحرب الجوية المدمرة من خسائر‏,‏ اي ان الصين سوف تحل محل البنك الدولي وصندوق النقد العالمي تدريجيا في قلب شرق اوروبا الاشتراكية اي في يوجوسلافيا السابقة علي تنوع دولها الحالية التي هي علي وجه التحديد محط عطف روسيا الجديدة كما نعلم‏,‏ أي ان ايادي روسيا والصين سوف تلتقي في اوروبا الشرقية والجنوبية لصد حلف الأطلنطي‏,‏ تماما كما تتواكب سياسات ألمانيا وروسيا الجديدة في اوروبا الوسطي والشرقية لوضع حد للاستفزاز الاستراتيجي الأمريكي‏.‏ هذا وها هو لي بنج يقرع باب اذربيجان‏..‏ ثم حليف امريكا بعد زيارة سلوفاكيا مركز التسليح‏,‏ في تشيكوسلوفاكيا السابقة‏.‏
قد يتساءل بعض المراقبين ذوي النيات الطيبة عن هذا الموضوع المركب‏:‏ ألم يقم حلف الأطلنطي بمحاولة تدمير يوجوسلافيا لإنقاذ إخواننا المعذبين في كوسوفا؟ ولكن ما القول بأن إخواننا المعذبين في كوسوفا مازالوا يمارسون التشتيت والعذاب الي حد أن المندوب الصهيوني للأمم المتحدة في كوسوفا الدكتور برنار كوشنير يتصرف وكأنه مندوب شعب الله المختار‏,‏ الي حد من رئيس ألبانيا السابق الدكتور بيريشا من زيارة اخوانه في كوسوفا الألبانية‏,‏ منعا بطبيعة الأمر لإلهاب الشعور الوطني الألباني‏,‏ الذي يدعي حلف الاطلنطي ومندوب الأمم المتحدة الصهيوني العطف عليه‏,‏ العدوان‏,‏ الاستفزاز‏,‏ النفاق‏,‏ ومن ثم مغزي رحلة الصين الي اوروبا الشرقية والجنوبية‏,‏ في كواكب مع تحرك روسيا الي قلب حلف الاطلنطي وقلعته المنيعة ألمانيا في اوروبا‏.‏
‏4‏ ـ المهم هنا ان نتأمل أن التحرك الصيني العميق في منطقة البلقان‏,‏ في دائرة اوروبا الشرقية والجنوبية‏,‏ بقيادة ثاني قادة الصين‏,‏ إنما هو تحرك ايضا إلي دائرة شرق المتوسط‏,‏ أي الشرق الاوسط‏,‏ وبصريح العبارة الي دائرة الأمن القومي المصري العربي في مواجهة الهيمنة الإمبريالية الأمريكية الصهيونية‏,‏ بدايات لابد ان يتابعها الفكر الاستراتيجي العربي بشكل جاد‏,‏ رغم استغراب الكثير من الخبراء لأمور لم تكن في الحسبان‏.‏
هنا ايضا بدأ العد التنازلي وانفتحت ابواب التاريخ علي مصراعيها‏.‏

القومية الروسية ضد الصهيونية
إلي ان تفجرت معركة السلطة الوطنية في روسيا بالبدء في تفكيك شبكة عصابات المافيا اليهودية المتحكمة منذ نهاية الاتحاد السوفيتي‏,‏ يوم‏13‏ يونيو‏2000.‏
في هذا اليوم بالذات‏,‏ امر النائب العام الروسي بالقاء القبض علي فلاديمير جوسينسكي‏,‏ صاحب اكبر شبكة للتلفزة والاعلام ميديا ـ موست في روسيا بتهمة تهريب الأموال والابتزاز والاحتمال هذا في الوقت واللحظة التي اعلن فيها المستشار الألماني شرويدر في برلين‏,‏ مبتهجا‏,‏ أنه وقرينته دوريس الفاتنة قبلا دعوة من الرئيس بوتين واسرته لقضاء عيد الميلاد المقبل في قصر الكرملين قصر السلطة في روسيا‏,‏ مضيفا أنه عندما تكون العلاقات جيدة مع روسيا يكون الأمر جيدا بالنسبة لأوروبا‏.‏
في هذه اللحظة بالذات انطلقت ابواق الاعلام الأمريكي والاوروبي بإجماع مذهل ولهجة عدوانية تندد وتهدد بعدوانية‏.‏
سوريا أولا يوم تشييع الرئيس حافظ الاسد وقد هب الرأي العام العربي بإجماع ملحوظ لتحية رسالة الفقيد الكبير ودعم اصرار القيادة الجديدة لمواصلة مسيرة السيادة والعزة‏,‏ رافضا تنديد وتهديد شيمون بيريز في برنامج اسئلة واجوبة الشهير مساء‏15‏ يونيو علي شبكة سي إن إن عندما انذر الشارع العربي وكذا الحكومات بضرورة التزام نهج الانكسار للحصول علي ثمار التبعية‏..‏ أما العدو الثاني للإعلام الغربي فقد اصبح حكم روسيا حول رئيسها الجديد بوتين‏.‏
دعنا من التفاصيل‏,‏ إذ ان المسلسل في بدايته‏.‏ ولكن هناك لقطات لا تنسي‏.‏
‏1‏ ـ بيريزو منسكي زعيم شبكة المافيا اليهودية في روسيا المعروف بأنه اشعل استفزاز بعض الجماعات التي اقتحمت داغستان لإشعال الحرب بين حكومة الشيشان الشرعية وروسيا وذلك توكيد لسيطرته علي قطاع واسع من انابيب البترول في شيشنيا‏.‏ انبري الرجل العصامي يندد بتصرفات الرئيس بوتين المعادية للديمقراطية السائرة في طريق اثارة العنصرية ضد اليهود‏,.‏ في الوقت الذي لم يشجب فيه القبض علي غريمه جوسينسكي بينما ثار رؤساء العصابة ضد بوتين ـ وخاصة شربايس وبورتانين وفريد مان كذا عمدة موسكو لوجكوف‏..‏ ضد الرئيس بوتين‏.‏
‏2‏ ـ انبري سوروس الذي رحل الي الولايات المتحدة بعد فشل تخريب اقتصادات جنوب شرق اسيا فصاح لينسحب سوروس من روسيا ؟ تساؤل يعود باستمرار الي السطح وكأنه فكرة ملحة‏..‏ كلا سورس لن ينسحب من روسيا ابدا‏.‏
‏3‏ ـ كشفت جريدة فاينانشيال تايمز‏17‏ يونيو عن ان حملة التشهير والتجريح لمحطات تلفزة جوسينسكي ضد الرئيس بوتين بلغت ذروتها الي حد اجهاض زيارة الرئيس كلينتون الي موسكو هذا الشهر بعد ان زلت قدمه وخص محطة اذاعة موسكو ايكو من مجموعة ميديا موست بحديثه الوحيد في روسيا الذي ركز فيه علي‏..‏ حرية القول‏.‏
‏4‏ ـ حتي جاءت رسالة مايكل جوردون مراسل نيويورك تايمز في موسكو يوم‏22‏ يونيو تذكر ان العديد من المتفرجين علي برنامج‏20‏ يونيو للسيد جوسينسكي في شبكة إن تي في تساءلوا‏:‏
كيف تري جمع السيد جوسينسكي ثروته وراحوا يشيرون الي ان عملاق الاعلام وهو يهودي يحمل الجنسية الاسرائيلية الي جانب الجنسية الروسية لم يتمكن من الخروج من السجن إلا نتيجة للتأثير اليهودي وهو بالمناسبة رئيس المجلس اليهودي في روسيا ايضا‏.‏
المعركة إذن بين جهاز الدولة في روسيا مدعوما بالسواد الأعظم من الرأي العام بقيادة رئيس الدولة فلاديمير بوتين من ناحية وشبكة رؤساء المافيا اليهود الذين اطاحوا بالاتحاد السوفيتي ثم اقاموا حكم يلتسين من‏1991‏ حتي ربيع‏2000.‏
مرة أخري‏,‏ المرة تلو المرة بعد انتصار شعب لبنان بقيادة مقاومة حزب الله يوم‏25‏ مايو الماضي الخالد‏,‏ مرة اخري المرة تلو المرة‏:‏ بدأ العد التنازلي‏..‏

قال صاحبي‏
لا أمور الدنيا تتبدل‏,‏ إذن في علب الصيف الملتهب‏..‏ ما قولك‏,‏ يا عزيز علي مسيرة الاحتفاليات والليالي الصاخبة والهيصة الفارغة وشقراوات الاعلانات علي الشاشات‏,‏ وفي عرض الطريق؟‏..‏ دعنا نمرح يا أخي‏!‏ أم ان المرح للجدعان‏..‏ في نهاية الأمر؟‏...‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب