قضايا و اراء

41476‏السنة 124-العدد2000يونيو27‏24 من ربيع الأول 1421 هـالثلاثاء

شـــيطان أكـبر‏..‏ في موســـكو‏!‏
بقلم : فهمــي هويـــدي

آخر ما يخطر علي البال أن تصبح الوهابية العدو الأول في روسيا‏,‏ غير أن الأنكي من ذلك والأغرب أن أحدا لا يعرف بالضبط ما هي الوهابية‏,‏ حتي أن البعض اعتبر أن المسواك أحد علاماتها‏.‏ أما الأغلبية فقد اعتبرت كل نشاط إسلامي معارض جزءا من المؤامرة الوهابية التي استهدفت روسيا‏,‏ ووقف وراءها العديد من الدول من باكستان إلي الولايات المتحدة‏!‏
ولأن كل وهابي إرهابي في نظر تلك الأغلبية‏,‏ فقد غدا مجرد إطلاق الصفة الأولي علي أي شخص بداية ليس فقط لاغتياله معنويا‏,‏ ولكن أيضا لملاحقته ومحاكمته‏,‏ خصوصا أن بعض جمهوريات الاتحاد الروسي أصدرت قوانين تحرم الوهابية وتجرمها‏.‏ أما كيف حدث هذا ولماذا‏,‏ فتلك قصة طويلة لن نستطيع أن نرويها إلا إذا قلبنا دفتر أحوال المسلمين الروس‏.‏

‏(1)‏

أول نصيحة سمعتها حين وصلت إلي موسكو هذه المرة هي‏:‏ احتفظ بجواز سفرك وتأشيرة الدخول في جيبك دائما حيثما ذهبت‏,‏ وإلا تعرضت لما لا تحب‏,‏ لم يحدث ذلك معي من قبل‏,‏ فاستفسرت عن الداعي لذلك‏,‏ وحينئذ قيل لي إن أي وجه غير روسي خصوصا اذا كان شرق أوسطيا‏,‏ معرض للسؤال عن هويته وتصريح إقامته‏,‏ أما اذا كان الوجه قوقازيا‏,‏ فإن الأمر قد يتجاوز السؤال عن الهوية إلي الاستدعاء إلي مخفر الشرطة والاستفسار منه عن هدفه وطبيعة عمله ومحل إقامته في موسكو‏.‏ قيل لي أيضا إنه كثيرا ما يحدث أن يكون الشرطي مخمورا‏(‏ عادي جدا في روسيا‏),‏ وفي هذه الحالة فإن الأسئلة تتحول إلي مطالب‏,‏ والاستجواب يصبح ابتزازا‏,‏ فإما أن تدفع أو تبقي في المخفر يوما أو اثنين‏.‏ وسمعت عن البائع الطاجيكي الذي كان عائدا إلي بيته بحصيلة يومه ذات مساء كان معه ثلاثة آلاف روبل‏,‏ ثم صادفه واحد من أولئك الجنود المخمورين‏,‏ وحين وجد معه بطاقة إقامة بالعاصمة‏,‏ فإنه احتجزها معه‏,‏ وهدده بتمزيقها إذا لم يعطه نصف ما معه من روبلات‏.‏ ولم يكن أمام الطاجيكي المسكين خيار‏,‏ فآثر الدفع وعاد إلي بيته سالما‏,‏ سمعت أيضا عن الباعة الآذريين‏(‏ من أذربيجان‏)‏ الذين ضاقوا قبل عام بملاحقة الشرطة وابتزاز رجالها‏,‏ فاشتبكوا معهم في معركة قرب استاد العاصمة‏,‏ سقط فيها قتلي وجرحي‏,‏ ثم صدر بيان رسمي قال انها مشاجرة عادية‏,‏ ولم يشر إلي أنها بين المسلمين الآذريين ورجال شرطة العاصمة‏.‏
المفتي نفيع الله عشيروف رئيس الإدارة الدينية لمسلمي آسيا روسيا والشرق الأقصي ـ وهو رجل ذو مكانة وحيثية ـ فتشت الشرطة بيته‏,‏ ولك أن تتصور ما جري لغيره من المسلمين العاديين‏.‏ هكذا قال لي أحد المثقفين التتار‏,‏ ثم أضاف كلنا فتشنا وبيوتنا ظلت مزارا للشرطة تأتيه كل حين‏,‏ وما حدث معنا تكرر مع اخواننا العرب‏,‏ الذين كان حظهم أوفر في مداهمة البيوت والاستجواب‏.‏ وقد شملت المداهمات المساجد والمراكز الاسلامية‏,‏ وكانت قوات وحسابات الجمعيات الخيرية والإغاثية العاملة في روسيا‏(‏ كان عددها‏40‏ جمعية‏),‏ وكان طبيعيا أن تسفر هذه الإجراءات عن احتجاز أفراد وترحيل آخرين‏,‏ ثم عن تخفيض عدد جمعيات الإغاثة الخيرية إلي ثلاثة فقط‏!‏

‏(2)‏

بعد أن يستمع المرء إلي تلك الوقائع‏,‏ فإن أول سؤال يطرأ علي ذهنه هو‏:‏ لماذا؟
يردون قائلين‏:‏ إنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وإطلاق سراح الأديان‏,‏ سرت في أوساط المسلمين روح جديدة‏,‏ وعبروا عن شوقهم إلي استعادة هويتهم الدينية بأشكال عدة‏,‏ كان بناء المساجد والمدارس في مقدمتها‏,‏ هذه الصحوة التي تراءت في مجتمعات المسلمين أثارت حساسية واستياء دوائر عدة في مقدمتها أجهزة الأمن وعناصر الغلو في الكنيسة واللوبي اليهودي‏,‏ وما تبقي من كوادر المرحلة الشيوعية‏,‏ في نطاق الإدارة أو في وسائل الإعلام وأوساط المثقفين‏,‏ غير أن العنصر الحاسم ـ والقاصم ـ كان الدعوة الانفصالية للشيشان‏,‏ ذلك أنه حتي أعلنت القيادة الشيشانية عن تمسكها بالاستقلال عن روسيا‏,‏ ومارست ذلك الاستقلال إلي حد كبير‏,‏ ثم حاربت السلطة الروسية لأجل ذلك‏,‏ ومازالت‏..‏ منذ ذلك الحين حدث الشرخ الكبير في علاقة الحكومة الروسية بالمسلمين‏,‏ وسواء كان ذلك الشرخ كامنا ومدفونا من قبل ثم استدعته الأحداث وأظهرته وهو احتمال أرجحه أم أنه كان وليد ممارسات الوقت‏,‏ فالقدر المتيقن أنه حصل‏,‏ وصار عنصرا حاكما لنظرة وعلاقة السلطة بالمسلمين‏,‏ حتي يمكن أن نقول إن أحداث الشيشان كانت بمثابة منعطف حاد وحاسم في تاريخ المسلمين الروس‏.‏
لقد تعاملت القيادة الروسية مع موضوع الشيشان بقسوة مفرطة‏,‏ وربما كان الدافع إلي ذلك هو تحذير بقية المسلمين‏,‏ ومن ثم الحيلولة دون انفراط عقد الدولة الروسية‏,‏ بقومياتها وشعوبها العديدة التي تجاوزت المائة والأربعين‏,‏ وربما كان في الخلفية أن أفغانستان كان لها إسهامها في تفكيك الاتحاد السوفيتي‏,‏ وان الشيشان يمكن أن يحدثوا نفس الأثر فيما يتعلق بالاتحاد الروسي‏..‏ وربما أضاف إلي ما سبق أن يكون الهدف من اظهار العين الحمراء هو محاولة استعادة هيبة السلطة والجيش أو اكتساب النظام للتأييد الشعبي‏,‏ أيا كان الأمر فالشاهد أن الحملة الروسية كانت لها آثارها العميقة في تعزيز الفرز والاستقطاب بين المسلمين من ناحية‏,‏ وبين غيرهم من الروس من ناحية ثانية‏.‏ وقد كانت التفجيرات التي نسبت إلي الشيشان وحدثت في موسكو ـ والتي لايزال يشك كثيرا في أن للمخابرات الروسية يدا في افتعالها ـ هذه التفجيرات كانت من العوامل التي أضافت إلي الاستقطاب مبررا اضافيا‏,‏ بحيث استقر في الشعور العام أن الطرف الآخر ليس مغامرا من حيث كونه مسلما فحسب‏,‏ وانما هو إرهابي أيضا‏.‏ وكما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية فإن الإعلام الذي يسيطر عليه اليهود ـ أيضا ـ قام بدوره في تأجيج المشاعر والتخويف من كل ما هو إسلامي‏,‏ حتي سمعت من أكثر من واحد أن قنوات التليفزيون كانت تربط بين الإسلام والإرهاب بمعدل مرة كل خمس دقائق علي مدار اليوم‏.‏
جدير بالذكر في هذا الصدد أن الاتحاد السوفيتي ظل طيلة ثماني سنوات يواجه معركة شرسة ضد المجاهدين الأفغان‏,‏ ولم يشر الإعلام فيه بكلمة سوء إلي الإسلام أو المسلمين في الأغلب لأن الدولة كانت لها مصالح مع بعض الأقطار العربية‏..‏ لذلك ظل الإعلام يصف المجاهدين بأنهم منشقون علي النظام الشرعي في أفغانستان‏,‏ أما حين خاض الروس معركتهم ضد الشيشان ـ الذين تعتبرهم الحكومة مواطنين روسا ـ فقد اختلف الخطاب وانقلب رأسا علي عقب‏,‏ حتي وضع الإسلام مع المسلمين في قفص الاتهام‏,‏ وأصبحت رقبة الاثنين مطلوبة باعتبارهما خطرا يهدد وحدة روسيا‏,‏ وينفذ مخططات أعدائها‏,‏ الذين عملوا علي تقويض الاتحاد السوفيتي‏,‏ ولايزالون يلاحقون قلبه في روسيا‏.‏

‏(3)‏

لأسباب مفهومة فإن الإعلام ومجمل الخطاب الروسي اختزلا المعركة في الاشتباك مع الوهابية‏,‏ التي أصبحت عندهم مصدرا لكل الشرور‏,‏ والإرهاب في مقدمتها وغدت الكلمة عندهم مسكونة بمختلف المعاني التي ارتبطت بمصطلح الأصولية في المفهوم الغربي السائد الآن‏,‏ ولا أعرف علي وجه الدقة لماذا اختاروا الوهابية دون غيرها من مدارس الفكر الإسلامي‏,‏ لكي تصبح الفزاعة والهدف الذي ينبغي أن تصوب نحوه السهام لكني أعرف أن الوهابية كانت تعد تهمة شنيعة في الهند‏,‏ في بداية القرن الفائت‏,‏ وان العدوي انتقلت إلي أفغانستان‏,‏ حتي إذا أراد شخص أن يكيد لآخر أو ينبذه في المجتمع‏,‏ كان يكفي أن يشيع عنه أنه وهابي وربما كان الحاصل في روسيا من أصداء تلك الخبرة التاريخية‏.‏
وربما وقع الاختيار علي الوهابية للإيحاء بأنها فكر مستورد من الخارج‏,‏ قدم مع العرب الذين توافدوا علي روسيا ودول آسيا الوسطي عقب انهيار الاتحاد السوفيتي‏,‏ بهدف الدعوة أو الإغاثة‏,‏ وكان بعضهم من أتباع المدرسة السلفية المنسوبة إلي الإمام محمد عبدالوهاب‏,‏ الذي ظهر في نجد محاربا للبدع التي شاعت بالجزيرة العربية في أواخر القرن الثامن عشر‏,‏ وقد أثر هؤلاء علي آخرين من شباب المسلمين في المنطقة‏,‏ ممن اعتبروا أنفسهم بدورهم سلفيين‏,‏ ومضوا يبشرون بأفكارهم‏.‏
لا ينكر أن بعض ممارسات أولئك الشبان اتسمت بخليط من سوء الفهم وسوء التقدير‏,‏ إلا أنهم يظلون في أفضل أحوالهم مجرد فصيل صغير في المحيط الإسلامي الكبير‏,‏ الذي يضم نحو‏20‏ مليون نسمة في روسيا وحدها‏.‏
لقد روج السلفيون لكتاب حول العقيدة الإسلامية ترجم إلي الروسية‏,‏ وهو من تأليف أحد السلفيين السوريين المقيمين في المملكة السعودية اسمه جميل زينو‏,‏ واكتشفت السلطات الروسية أن الكتاب يحث المسلمين في بعض فصوله علي كراهية النصاري واليهود‏,‏ وأن المؤلف اعتبر تلك الكراهية من شروط الإيمان الصحيح بالعقيدة الإسلامية رغم أن النص صريح في القرآن علي أنهم ما لم يقاتلوا المسلمين أو يخرجوهم من ديارهم‏,‏ فينبغي معاملتهم بالبر والقسط ـ كما جاء في الآية‏8‏ من سورة الممتحنة‏.‏
وكانت النتيجة أن استدعت الشرطة مفتي القسم الآسيوي من روسيا‏,‏ الشيخ نفيع الله عشيروف‏,‏ الذي أمر بطبع الكتاب‏,‏ حيث حوسب ووجه إليه اللوم‏,‏ وهدد بملاحقته قضائيا اذا لم يسحبه من التداول أو عاد لطباعته مرة أخري‏.‏
وفي حين كانت الطرق الصوفية واحدة من أهم محاضن الإسلام خلال الفترة الشيوعية‏,‏ وكانت الطريقتان النقشبندية والقادرية في المقدمة من تلك المحاضن‏,‏ فإن السلفيين شنوا حربهم التقليدية ضدها‏,‏ من خلال توزيع كتبهم المعادية للصوفية‏,‏ وأفكارهم التي تصنفهم ضمن أهل البدع‏,‏ ومن ثم تتهمهم بالفسق والانحراف في العقيدة‏,‏ بل إن إحدي رسائلهم التي وزعوها بين المسلمين الروس روجت لفتوي نهت عن الصلاة وراء إمام صوفي‏,‏ ونصحت بأنه في هذه الحالة علي غير المتصوفة أن يبنوا لأنفسهم مسجدا آخر يصلون فيه‏.‏
خارج هذا الإطار فقد تبني بعض المنسوبين إلي الوهابيين العديد من الأفكار الشاذة الأخري‏,‏ ومضوا يبشرون بها بين المسلمين حديثي العهد بالإسلام‏,‏ من ذلك مثلا تحريمهم للاستنجاء بالماء‏,‏ واعتبارهم أن الحصي هو الوسيلة الشرعية للاستنجاء‏,‏ ولذلك فإنهم أوقفوا التعامل مع الماء في هذا المجال‏,‏ وملأوا دورات مياههم بأكوام من الحصي لهذا الغرض‏!‏

‏(4)‏

لم يقل أحد أن نفوس المسلمين مشحونة بالغضب‏,‏ وان ذلك الغضب يدفعهم إلي التعبير عن الاحتجاج علي ما هو قائم بكل السبل‏,‏ وان مثل ذلك الجنوح قد يكون نوعا من الرفض الاحتجاجي لأوضاع قائمة‏,‏ ولم يقل أحد أن ثمة فراغا هائلا في الساحة الثقافية الإسلامية‏,‏ خلفته مرحلة القهر الشيوعي‏,‏ وأنه حين حاول نفر من عقلاء المسلمين الغيورين تشكيل تجمع يجسد الهوية الإسلامية عرف باسم حركة أو حزب النهضة‏,‏ فإن هذا التجمع أجهض بعدما لوحق وطورد من جانب الأجهزة الأمنية في داخل روسيا وخارجها‏,‏ وكانت النتيجة أن انفسح المجال لأفكار السلفيين والتحريريين أنصار حزب التحرير بل وظهر في الساحة من يدعو إلي فكر التكفير والهجرة في مردوفيا القريبة من تتارستان‏.‏
وعلي الرغم من محدودية هذه الجماعات‏,‏ فإن ظهورها علي السطح جاء دالا علي تشوق المسلمين إلي الانخراط في العمل الإسلامي سواء لتعويض مافات أو لاثبات حضورهم فيما هو آت‏.‏
في مواجهة محاولة استعادة الهوية الإسلامية‏,‏ لجأت السياسة الروسية إلي عدة أساليب اتسم بعضها بالالتواء والالتفاف‏,‏ واتسم البعض الآخر بالتبسيط المخل‏,‏ وفي هذه وتلك‏,‏ فقد ظل الهدف واحدا هو‏:‏ احتواء الحالة الإسلامية واجهاضها‏.‏
من قبيل الأساليب الأولي لعبت الأجهزة الأمنية علي التناقضات الموجودة داخل الصف الإسلامي‏,‏ ذلك أنه بعد اطلاق الحريات الدينية أصبح بمقدور أي مجموعة من الناس أن يؤسسوا إدارة دينية خاصة بهم‏,‏ الأمر الذي أفسح المجال لظهور نحو‏60‏ إدارة دينية‏,‏ لكل واحد منها مفتي يرأسها ـ وفي ظل الاتحاد السوفيتي بطوله وعرضه‏,‏ لم يكن هناك سوي إدارتين اثنتين فقط‏,‏ إحداهما لشمال القوقاز والثانية لبقية روسيا‏..‏ هذا التعدد أتاح الفرصة لتنوع المفتين‏,‏ الذين تقرب بعضهم إلي السلطة أو استقوي بها ليحظي بمكانة أو صدارة أكبر‏,‏ وكان معيار القبول من جانب السلطة هو مدي استعداد كل طرف لاستخدامه لمصلحتها‏,‏ وهناك فرق بين التعاون مع السلطة وبين الاستخدام والتبعية لها‏.‏ وحين اختار رئيس مجلس المفتين الشيخ مرادي عين الدين الموقف الأول ولم يستجب مثلا لرغبة الحكومة في أن يقوم بجولة عربية يدافع فيها عن سياستها إزاء الشيشان‏,‏ فإن ذلك لم يلق ارتياحا من جانب أجهزة السلطة‏,‏ التي اتجهت إلي المراهنة علي شخص آخر جمع بعض المفتين من حوله وشكل منهم مجلسا موازيا‏,‏ لم تلق الأجهزة باللا إلي حجم الرصيد السلبي لذلك الآخر في أوساط المسلمين ولا إلي سوء سمعته التي نفرت الناس منه‏,‏ وهو الذي احتفل ذات يوم بافتتاح مسجد عن طريق سكب زجاجات الشمبانيا علي جداره‏!‏
ومما لفت أنظار كثيرين أن السلطة الروسية تحرص علي ابراز المفتي المنافس في محافلها بل إنها قاطعت الاحتفال الذي دعا إليه الشيخ راوي بمناسبة مرور‏14‏ قرنا علي وصول الإسلام إلي الأراضي الروسية‏,‏ في حين حضره عمدة موسكو ورئيس حكومتها السيد لوشكوف‏,‏ وهو من معارضي الرئيس بوتين وناقديه‏.‏

‏(5)‏

تمثل التبسيط المخل فيما أشرت إليه قبل قليل‏,‏ من اختزال كل النشاط الإسلامي في كلمة الوهابية وإعلان الحرب علي ذلك المصطلح‏,‏ إلي الحد الذي اعتبرت فيه الوهابية الفزاعة الكبري ومصدر كل الشرور‏,‏ ومن ثم فقد أصبحت في حكم الشيطان أكبر لروسيا‏,‏ في المرحلة الراهنة علي الأقل‏,‏ ولأن الخطر صار علي ذلك النحو فقد كان طبيعيا أن يتخذ موقف حازم إزاء الوهابية وكل من انتسب إليها‏.‏
تجلي ذلك الموقف في القانون الذي أصدرته جمهورية داغستان‏,‏ المشهود لرئيسها المسلم بولائه الشديد لحكومة موسكو‏,‏ خاصا بـحظر النشاط الوهابي وغيره من الأنشطة المتطرفة الأخري‏,‏ ونصت مادته الأولي علي أن يعد مناقضا لدستور جمهورية داغستان‏,‏ وخطرا علي أمنها‏,‏ ومهددا لحرمة أراضيها مايلي‏:‏
تشكيل المنظمات والاتحادات والجمعيات الوهابية والمتطرفة الأخري‏,‏ التي ترمي أنشطتها إلي إحداث التغيير القسري للنظام الدستوري وتقويض أمن الدولة‏....‏ و‏...‏الخ‏.‏
أنشطة البعثات الدينية وفروعها والمعاهد الدراسية الدينية والمؤسسات الخيرية وسواها والمعسكرات والمخيمات العسكرية والرياضية‏.‏
إعداد وتخزين ونشر المطبوعات والأفلام السينمائية والصور الفوتوغرافية‏,‏ وغيرها من أفكار النزعة المتطرفة والانفصالية التي تفرق بين الناس وفق المقومات القومية والدينية‏.‏
المادة الثانية من القانون نصت علي أن يكون التحصيل الدراسي في المعاهد الدينية خارج جمهورية داغستان‏,‏ خاضعا لإشراف الحكومة الكامل‏,‏ بحيث لا يبتعث طالب إلا بعد التصديق الرسمي للجنة شئون الدين في داغستان‏(‏ الهدف هو منع الطلاب من الدراسة في المملكة العربية السعودية‏,‏ حتي لا يعودوا بالأفكار السلفية إلي بلادهم‏).‏
في انجوشيا صدر مرسوم مماثل يحظر جميع الأنشطة الوهابية‏,‏ وثمة أنباء عن إصدار قانون في تتارستان لنفس الهدف‏,‏ غير أن أطرف ما في الأمر أن مفتي شيشينيا الموالي لموسكو والمنشق علي رئيسها الشرعي أصلان مسخادوف‏,‏ أعلن عن إقامة منطقة محررة من الوهابية تحت إشرافه وداخل أراضي بلاده في غوديرميس ـ وتقديرا لولائه عين المفتي أحمد قادروف من قبل حكومة موسكو رئيسا للإدارة التنفيذية في شيشينيا‏.‏
قام الإعلام بدوره في التعبئة المضادة‏,‏ وأصبح القوقازي الوهابي والوغد تجسيدا للخطر الذي يهدد البلاد‏,‏ الأمر الذي كانت له تداعياته في اتجاهات عدة‏,‏ فمن ناحية طرحت للمناقشة قضية علاقة الإسلام بالأمن في روسيا‏,‏ ومن ناحية ثانية قوبلت الحملة بالتحدي من جانب المسلمين‏,‏ خصوصا شبابهم‏..‏
كيف حدث ذلك؟‏..‏ في الأسبوع المقبل نجيب بإذن الله‏...‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب