|
|
|
تحقيق : محمود القنواتى ـ حسن فتحى ـ محمد الشاذلى
|
 | | المراحل المختلفة لتكوين الجينات البشرية |
إنتهي العلماء أمس من إعداد المرحلة الأولي من مشروع الخريطة الوراثية البشرية المعروف بـ(الجينوم)..ومن المتوقع أن تساهم نتائج هذه المرحلة في كشف النقاب عن مزيد من أسرار الشفرة الوراثية للبشرية والمساعدة في التشخيص المبكر للسرطان والأمراض الوراثية التي يصل عددها إلي5 آلاف مرض, إلا أنها تثير هواجس أخلاقية واجتماعية لا حصر لها في مقدمتها سقوط حاجز الخصوصية الجينية للأفراد مما يؤثر في علاقاتهم بالسلطات وعلي حقهم في فرص العمل والتعليم والأهم من ذلك العيش الآمن بعيدا عن هاجس المرض الذي قد ينتظرهم إن عاجلا أو آجلا, وتقوم فكرة الجينوم- كما يقول الدكتور ويليام هيزيلتين رئيس الفريق العلمي للمشروع- علي رسم ثلاثة أنواع من الخرائط لـ46 كروموسوما(23زوجا) تحمل100 ألف جين. وكان المشروع قد بدأ رسميا في أول أكتوبر1990, بمشاركة18 دولة. ويرجع الي فكرة أثارها العالم دوبرت سينهايمر عام198 وفي فبراير1988 اقترحت لجنة من المركز القومي الأمريكي لأبحاث الجينوم البشري تمويل المشروع لمدة15 عاما بميزانية سنوية قدرها200 مليون دولار, وفي سبتمبر1988 شكل المجلس التأسيسي لمنظمة الجينوم البشري من42 عالما من10 دول من بينهم5 من حاملي جائزة نوبل, وأتفق علي أن الخريطة الجينية ستمثل البشر جميعا, فهي عبارة عن جينوم تركيبي من أفراد من الشعوب المختلفة ومركب من تتابعات من مصادر مختلفة معظمها سلالات خلوية نقية موجودة بالمعامل شاملة كل البشر, حيث تشترك هذه الشعوب في5,99% من الجينات. وللمشروع ـ كما يؤكده التقرير الذي أعدته لجنة الهندسة الوراثية برئاسة الدكتور محمد خليل عبد الخالق بالمجالس القومية المتخصصة ـ فؤائد عديدة من أهمها المساعدة في تقديم الاجابات لقضايا علمية لم تحسم بعد مثل كيفية نمو الخلية البشرية وتحديد مسارها لتصبح خلية كبد أو خلية مخ, وكيف نهرم ونشيخ؟ هذه الإجابات ستمكن الإنسان من فهم بيولوجيتة, وما تخبئه جيناته من أمراض وراثية, ومن أبرز النتائج وجود خريطة واضحة تبين مواقع وتركيب ووظائف الجينات التي تسبب السرطان والأمراض الوراثية في الإنسان التي قد يصل عددها إلي نحو5 آلاف مرض والتي تسبب مايزيد علي30% من الوفيات بين الأطفال في الدول الصناعية, كما أن إنجاز المشروع سيجعل الإنسان يضع يده علي محتواه الجيني بما يمكنه من تعديل طاقمه الوراثي بإدخال العديد من القطع الجينية إلي داخل جينوم الخلية الجسدية ليمكنها من أداء وظائفها بكفاءة أعلي.
مخاطر بالجملة!
|
 | | د. محمد خليل |
ورغم أن هذا المشروع يقدم آمالا عريضة للعائلات المصابة بأحد الأمراض الوراثية, إلا أنه برزت بعض التحفظات علي من له الحق في معرفة هذه المعلومات وما هي نتائج عدم سرية المعلومات, أولها حق الدولة في معرفة الأسرار الوراثية حيث أصبح في مقدور السلطات معرفة الأسرار الوراثية عن أي شخص بتحليل نقطة من دمه, الأمر الذي يعرض الخصوصية الفردية لمخاطر لم تتعرض لها من قبل, وهذه المخاطر تبرز في شركات التأمين علي الحياة, فهؤلاء الأشخاص الذين لديهم أمراض وراثية أو متوقع أن يصابوا بأمراض وراثية في المستقبل عليهم بالإضافة للعبء النفسي والصحي مواجهة احتمالات تضاؤل فرص التأمين عليهم أو فقد التأمين بمجرد التعرض لهذه الاختبارات, وفي أماكن التوظيف والعمل يثير المشروع عدة أسئلة منها هل لصاحب العمل الحق في أن يفحص جينوم من يتقدم لشغل وظيفة لديه؟وهل علي المتقدم أن يقدم مع أوراق تعيينه شهادة بخلوه من الأمراض الوراثية؟.
موقف مصر أما عن موقف مصر من مشروع الجينوم, فرغم أنها لم تشارك فيه, إلا أنه ينبغي الاستفادة من المعلومات المتاحة عن الجينوم البشري في التخطيط, والاستفادة من المشروع في مجال التشخيص المبكر للأمراض أثناء الحمل والفحص الجيني لراغبي الزواج, خاصة بين العائلات التي بها تاريخ مرضي وراثي, والتخطيط لعمل خريطة جينية للمصريين لمعرفة مدي تعرضهم للأمراض, خاصة متعددة الأسباب مثل الربو والسكر وضغط الدم المرتفع وغيرها, والتخطيط للصحة والوقاية بمفهوم جديد يعتمد علي المسح الجيني, خاصة لبعض الأمراض الوراثية الموجودة بمصر مثل أنيميا البحر المتوسط ومرض ضمور العضلات الوراثي, ومن أهم ما يخشاه العلماء في هذا المجال هو أن تتمكن دولة بعد معرفتها للخصائص الجينية المعنية ببعض الصفات الجيدة كالجرأة أو الشجاعة من القضاء علي هذه الصفات في التكوين الجيني للأعداء وتحويلهم إلي قطيع من الحملان الوديعة.
مرحلة جديدة وبصدور إعلان مشروع الجينوم ـ الذي أعلنه كل من الرئيس الامريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير ـ تبدأ مرحلة جديدة من العمل الجاد الذي شارك فيه فريقا عمل منفصلان لوضع مسودة له, والجينوم يعني رسم خريطة متكاملة لتركيب جينات الانسان الوراثية لتبدأ معها مرحلة تنقل الطب والعلاج إلي مرحلة التوافق والارتباط بين المرض والمسبب, ويغطي الجزء المنتهي من المشروع90% من الخريطة الوراثية من جينات الانسان ليتبقي حوالي10% تنتهي بنهاية عام2003 وقد شاركت فيه18 دولة تحت إشراف المعاهد القومية للصحة ووزارة الطاقة الامريكيتين. ويشكل نشر خريطة المخزون الوراثي البشري المرحلة الاولي في عملية مطولة من البحث العلمي من المفترض بعد ذلك أن يتم تحديد المورثات التي تمثل أقل من20% من طول شريط الحمض النووي الريبوزي الموجود في الصبغات الوراثية, وهو عمل طويل وشاق يتطلب سنوات عديدة, ولم يحدد حتي الآن عدد المورثات البشرية بدقة ولكن التقديرات تتحدث عن عدد يتراوح بين30 ألفا إلي150 ألف مورث, وتمثل المرحلة التالية وهي تغذية أجهزة الكمبيوتر بالمعلومات, إلا أن العلماء يؤكدون أن الاعلان عن هذا المشروع يعد اللبنة الاولي في صرح علمي عملاق يستغرق سنوات وصولا إلي كشف النقاب عن الجينات التي توجه لعمل البروتينات المختلفة المسئولة عن جميع العمليات الحيوية في جسم الانسان. ويقول آرثر ساندرز رئيس إحدي المؤسسات المسئولة عن جمع وتصنيف المعلومات الجينية ـ أن95% من مفردات هذه المعلومات تظل دون تفسير, فيمكن تصور ما حدث علي أنه إعداد قاموس من مائة ألف كلمة95% منها في حالة مبعثرة وتحتاج إلي إعادة ترتيب.
أكبر مشروع علمي
|
 | | د. عزت السبكي |
ويقول الدكتور عزت السبكي خبير الامراض والتحاليل الوراثية بطب عين شمس والحاصل علي زمالة الكلية الامريكية للوراثة الطبية, أن هذا المشروع يعد أكبر مشروع علمي في تاريخ البشرية وقد رصد له3 مليارات دولار أمريكي بعد موافقة الكونجرس الامريكي عليه عام1991 وكان مقررا لهذا المشروع فترة15 سنة للانتهاء منه. ومن المعروف أن الجينوم الادمي يحتوي علي مايقرب من100 ألف جين وأنه تم الانتهاء من90% من هذا المشروع في فترة زمنية أقل من المقرر لها بفضل التطور الهائل في الوسائل البحثية المتاحة من أجهزة وكمبيوتر وبرامج, ووسائل رسم الخرائط الجينية, وكل جين يتكون من عدد من القواعد النووية أو النيتروجينية والتي تتشابه مع الحروف الابجدية, ومن نفس الحروف يمكن تكوين جمل مختلفة وتقرأ بمعان مختلفة وتترجم إلي بروتينات مختلفة أيضا, وهو مايضاهي الحروف في الكتابة ومن هنا ظهرت لغة خاصة بالجينات, وهذه الشفرات ومحتوي الخريطة يتطلب ما يعادل1200 مجلد لاستيعاب جميع الشفرات, حيث يبلغ عدد القواعد3 بلايين قاعدة, أي أن كل قاعدة تتكلف دولار. ويشير الدكتور عزت السبكي إلي أن أقل من10% من الجينات الادمية لها وظيفة محددة بمعني أن90% من المحتوي الجيني للخريطة الجينية الآدمية لم تعرف لها وظيفة في حدود ماهو متاح من معلومات وإمكانيات للعلماء حاليا, وأن رسم هذه الخريطة بالكامل يحمل في طياته منافع علمية كثيرة, كما يحمل في طياته عددا محدودا من الاثار الجانبية, فإذا عرفت الامراض التي يحملها الشخص قبل حدوثها فإن هذا يتيح الفرصة لبعض شركات التأمين الصحي للاستناد إليها في رفض التأمين علي الشخص الامر الذي يسبب مشكلات جديدة متشابكة, وقد تكون في بعض الاحيان من الأمور الشخصية للإنسان, ويتضح ذلك جليا في التطبيقات العملية لتشخيص بعض الامراض الوراثية قبل حدوثها, حيث يصبح الشخص في حالة من التوتر إنتظارا لحدوث المرض, كما يسبب فحص بعض أفراد الاسرة الحاملين للمرض قبل حدوثه أثارا إجتماعية غير مرغوب فيها, لكن هذا يمثل جزءا بسيطا مقارنة بما هو متوقع للأستفادة العظيمة من هذه الخريطة, والطموحات المستقبلية للتدخل العلاجي بالجينات. أما نسبة الـ10% الباقية فهي جينات موزعة علي كروموزومات مختلفة, والمفروض الانتهاء كليا من هذه الخريطة عام2005 لكن المتوقع الانتهاء منها عام2003, ويذكر أن الكروموزوم21 هو أول كروموزوم يتم رسم خريطته بالكامل وهو خاص بمجيء الطفل المنغولي, كماأن عليه جينات مهمة لتكوين القلب ومرض الزهايمر, وجدير بالذكر أيضا أن خريطة الكروموزوم الواحد تحتاج إلي60 مجلدا تحتويها.
نقوش حجر رشيد!
|
 | | د. عبد الفتاح عطا الله |
ويري الدكتور عبد الفتاح عطا الله استاذ المناعة والهندسة الوراثية بجامعة جورج تاون الامريكية ـ أن محتوي الاعلان يتضمن التوصل إلي الطريقة السهلة والسريعة لعمل التسلسل الوراثي للقواعد الوراثية المكتشفة فهي ـ علي حد قوله ـ أشبه بإكتشاف نقوش حجر رشيد, تمثل المرحلة القادمة التعرف علي مدلولات هذه النقوش, وتراكيب الجمل الوراثية, دراسة تسلسل القواعد الوراثية الخاصة بالمنتجات المختلفة مثل الانزيمات والهرمونات لامكانية التعرف علي التراكيب الصحيحة لها وبالتالي الاختلافات والعيوب المرضية ليكون ذلك أساسا لانتاج العلاجات, ووسائل الاصلاح الجيني للاغراض العلاجية, فعلي سبيل المثال إذا حدث خطأ في أحدي القواعد الوراثية في مادة الهيموجلوبين حدثت أنيميا البحر المتوسط وبالمثل تطبق هذه القاعدة علي أي مركب أخر مثل الانسولين أو هرمون النمو والبروتينات المختلفة بالجسم, فلكل منها تسلسل معين لقواعده الجينية أو شفرة خاصة للحامض النووي, ويعني مشروع الجينوم, بمحاولة فك كل هذه الشفرات الداخلة في تكوين الجنس البشري, والتي ينتظر أن تصل إلي نحو100 ألف جين وقد وصل هذا العدد عام1998 إلي16 ألف جين, وصل الرقم الآن إلي30 ألف261 جين, ومن المتوقع أن يتم الانتهاء من مسح باقي الجينات خلال الاعوام الثلاثة القادمة.
|
 | | د. وليم هازلتين الرئيس العلمى لمشروع الجينوم |
ويضيف أنه يمكن تصور تشكيل القواعد الوراثية في الجينوم البشري, إذا رتبت قواعد الحمض النووي المكونة لخيوط مركبات أدينين وسيتوزين وجونين وثايمين أو الاحرف أختصارا أ, س, ج, ث.بجوار بعضها البعض في تسلسل الحروف الاربعة المكونة للعقد الوراثي فأنها تعطي مكونا أخر أو صفة وراثية أخري, كما أنها قد تؤدي إلي إحداث خلل أو مرض وراثي معين, ومن أهم مميزات فك تركيب شفرة الجينات البشرية( مشروع الجينوم) فمن المنتظر أن تظهر نتائج هذه المرحلة خلال الخمسين عاما القادمة من خلال دور مايسمي ببنوك الجينات التي تحتوي علي تسلسل القواعد الجينية في المواد الوارثية المختلفة والتي تتيح للعلماء دراستها والاستفادة بالمعلومات المتاحة للتعرف علي الامراض الوراثية, ومن المفترض أيضا أن تظهر كل هذه المعلومات تباعا علي شبكات المعلومات العالمية ليتداولها العلماء في شتي بقاع العالم. والجينوم البشري شفرة بناء الكيان البشري كيميائيا وهو سلسلة جزيئية في شكل الثنائي اللولبي المتصل بالقواعد الوراثية, فكل حمض نووي لشخص معين متفرد فيما عدا حالات التوائم المتماثلة, أما الجين فهو قطاعات في الحمض النووي تحدد اسس تصنيع البروتينات التي تحكم كل عمليات الحياة من الولادة إلي الموت, ومصطلح جين هو كلمة مستمدة من الكلمة الاغريقية جينوس وتعني مولدا أو أصلا, أما الكروموزوم فهو زوج من سلاسل الحمض النووي ويتكون من23 زوجا من الكروموزومات تقع في قلب كل خلية, ويحدد الكروموزوم إكس واي النوع فيشير إكس إكس إلي الانثي ويشير إكس واي إلي الذكر, وإذا أردنا تصوير حجم الكروموزومات بطريقة كمية فإنه يمكن القول إنه إذا وضعت الكروموزومات في كل الخلايا بجوار بعضها البعض تغطي شريطا طوله160 مليار كيلومتر.
|
|