|
|
|
|
|
لايزال حدث وفاة الرئيس الأسد هو المسيطر علي المراقبين, والمحللين لمنطقة الشرق الأوسط في الصحافة, ومراكز البحوث العربية, والأجنبية, وفي زيارة أخيرة قمت بها للولايات المتحدة لم يكن هناك سؤال آخر يسيطر علي المناقشات في وزارة الخارجية, ومجلس الأمن القومي, والكونجرس بمجلسيه غير كيف ستكون أحوال المنطقة بعد اختفاء شخصية بارزة, وثقيلة بحجم ووزن زعامة تاريخية قادت بلدا عربيا مهما علي مدي مايقرب من ثلث قرن, كان لها نفوذ يتعدي حدود الدولة السورية, ولها قولها الفصل في الحرب والسلام, وتقرير الأوضاع في الحاضر,والمستقبل, ولعل ذلك ليس غريبا بالمرة فمن ناحية فإن ذلك جاء وسط مايبدو وكأنه نهاية حالة سيطرت فيها قيادات تاريخية علي العالم العربي لفترة طويلة امتدت في معظمها لثلاثة عقود أو أكثر, فوفاة الرئيس الأسد جاءت بعد فترة قصيرة من وفاة الملك حسين في الأردن, والملك الحسن في المغرب, وثلاثتهم كانت لهم أسمائهم المعروفة, وأساليبهم المعلومة والتي يمكن التنبؤ بها والتعامل معها في عواصم العالم المختلفة, ومن ناحية أخري فإن النهاية في ذاتها شكلت بداية لجيل آخر من الحكام معظمهم في الثلاثينيات من العمر, ولكن ماهو معروف عنهم قليل, وصفاتهم الشخصية لابد لها من التعامل مع واقع معقد وقاس معظمه لم يشاركوا في صنعه, وعليهم في كل الأحوال خلال فترة قصيرة اتخاذ قرارات صعبة والاختيار ما بين أولويات كثيرة كلها ملحة. ولأن الشمس لاتغرب لوفاة نبي أو زعيم ولأن الحياة لاتتوقف لاختفاء قائد أو ولي, فإن كل الاطراف المهتمة بالشأن السوري أخذت بالفعل في إلقاء أولوياتها علي عاتق القيادة السورية الجديدة مجسدة في الدكتور بشار الأسد حتي قبل توليه الرسمي مقعد الرئاسة باعتبار ذلك نوعا من تحصيل الحاصل, فلايوجد من يعتقد أن مجلس الشعب السوري الذي وافق علي تعديل الدستور لكي يضع قاعدة سنية ملائمة له سوف يعترض علي ترشيحه رئيسا للجمهورية, كما أنه لايجد من يظن أن الشعب السوري الذي خرج عن بكرة أبيه ناعيا الأب ومبايعا الابن, سوف يغير رأيه ساعة الاستفتاء. وقد تعددت المقتربات للأولوية التي ينبغي لها أن تحظي باهتمام القيادة الجديدة وكان أولها مقترب الشرعية, والملاحظ هنا أن هذا المقترب لم يأت من خارج العالم العربي, فالعالم الغربي كان جل اهتمامه هو الاستقرار والانتقال السلمي للسلطة, أما طريقتها فلم تلق اهتمام أحد, ربما لأن هناك اعتقادا سائدا أن البلدان الشرقية, والعربية بشكل خاص, لها طريقتها المتميزة في الحكم والتعامل مع السياسة بشكل عام. أما في المنطقة العربية فقلد كان المقترب مطروحا بإلحاح حتي من جانب أخ الرئيس الأسد الراحل وعم الرئيس المقبل, ربما لأن الشرعية ومن ورائها كل التعبيرات الديمقراطية باتت قضية ملحة في كل بلد عربي علي حدة, وربما لأن الخوف علي سوريا اقتضي ضرورة اكساب القيادة الجديدة شرعية في الاداء من خلال توسيع المشاركة السياسية والطائفية في الحكم حتي تسلم دمشق من قلاقل تجنبتها خلال العقود الثلاثة الماضية وكانت من أهم انجازات القيادة الذاهبة. المقترب الثاني ركز علي السياسة الخارجية فلحظة وفاة الزعيم كانت سوريا في فترة انتقالية حرجة تتعلق بعملية السلام العربي- الإسرائيلي, وعلي الرغم من فشل قمة جنيف بين الرئيس كلينتون والرئيس الأسد, فإن دمشق لم تترك فرصة إلا وانتهزتها لكي تؤكد ان خيارها الاستراتيجي هو السلام, وطوال الأسابيع السابقة علي الوفاة لم يتتنقطع الاتصالات بين سوريا والولايات المتحدة وكان آخرها لقاءالسيدة مادلين أولبرايت مع السيد فاروق الشرع في القاهرة, وعلي الرغم من وجود سوريا علي قائمة الإرهاب الأمريكية فإن واشنطن حرصت علي المشاركة في جنازة الرئيس الراحل علي مستوي وزير الخارجية, ولو جمعنا كل التصريحات التي خرجت من كل العواصم المعنية لكان لها محتوي واحد هو أن المسار السوري- الإسرائيلي لم يغلق بعد. وإذا كان المسار لم يغلق ولايزال مفتوحا فمعني ذلك إن هناك قرارات علي القيادة السورية اتخاذها في القريب العاجل, فأكثر الادارات الأمريكية معرفة بالمفاوضات في طريقها إلي الرحيل, وانتظار إدارة أخري, ربما لاتكون ديمقراطية, سوف يعني سنوات أخري من الاحتلال للاراضي وهو ما يعني ضرورة اتخاذ قرارات لاتقل صعوبة بشأنها وهنا تأتي لبنان لكي تعقد الأمور الخارجية بما لايحتمل كثيرا الانتظار, فالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني بقدر ماحقق هدفا سوريا عزيرا في تحرير أرض عربية محتلة, فإنه علي الجانب الآخر فتح الباب لقرارات لاتقل صعوبة تتعلق بالوجود السوري في لبنان, والقرارات الدولية بشأنه, وملف المقاومة الشيعية وعلاقتها بالسلطة اللبنانية ودورها في المرحلة المقبلة في السياسة اللبنانية وهي القوة المسلحة الوحيدة ضمن قوي لبنانية عديدة. ورغم أهمية هذه المقتربات وحيويتها وإلحاحها علي القرار السوري في المرحلة المقبلة, فإن المقترب الاقتصادي لم يحظ إلا بالنادر من التعليقا, وفيما عدا اشارات قليلة من مجلة الايكونوميست البريطانية فإن أحدا لم يهتم بالموضوع, وربما يكون ذلك راجعا في جانب منه إلي أن المعلومات الموثوق بها بالنسبة للاقتصاد السوري نادرة للغاية كما هو الحال مع المجتمعات التي تحكمت فيها الدولة في حركة الانتاج والتوزيع في المجتمع, والتي يقود اقتصادها المؤسسات العامة التي غالبا ماتصدر عنها ارقام مبالغ فيها, ومن جانب آخر قد يكون ذلك راجعا إلي أن الأهمية الاستراتيجية لسوريا فاقت بمراحل أهميتها الاقتصادية فلم تلق اهتماما يذكر وعلي الرغم من ذلك فإن حالة الاقتصاد السوري وحالة المعيشة لدي السوريين ربما كانت المهمة الأولي علي جدول أعمال الرئيس بشار عندما يتولي السلطة رسميا فمن الواضح أنه خلال العامين الاخيرين عندما لمع نجمه في سماء السياسة السورية وفي فترة وجود والده كان الفساد الاقتصادي هوماجذب اهتمامه واتخذ فيه قرارات جريئة قادت إلي هز عروش كثيرة في دمشق تصور اصحابها انها دائمة كما أن حديثه عن العلم والتكنولوجيا وتصدره لحركة الانترنت في سوريا تشير إلي ادراك لأحوال الاقتصاد في العالم المعاصر. وهنا فإن الرئيس بشار سوف تكون أمامه مهمة ثقيلة للغاية, فالتركة الاقتصادية التي ورثها محملة بأعباء عرفتها الاقتصادات الاشتراكية من قطاع عام غير قادر علي المنافسة إلي نظام تعدد لسعر العملة يمثل عقبة كئود أمام الاستثمارات الأجنبية, إلي معدل هائل للبطالة يصل في بعض التقديرات إلي20% ممن هم في سن العمل وفوق ذلك تخلف شديد في البنية الانتاجية خاصة وفق المعايير الدولية الحالية, وفي النظامين البنكي والمالي وكل ذلك مصاحب بتخلف تكنولوجي حاد فلعله أول من يعرف نتيجة جهوده الشخصية أن عدد مستخدمي الانترنت في سوريا كلها لايتعدون ألفين, كما أن عدد مستخدمي التليفون المحمول لايزيد علي ذلك كثيرا الأخطر من ذلك كله عاملان أولهما أن مستويات المعيشة انخفضت بشكل حاد خلال الأعوام الأخيرة ربما بسبب الفساد أو بسبب مرض الرئيس الراحل وتركيز وقته المتاح علي القضايا الخارجية, فبعد أن ارتفعت مستويات المعيشة خلال السبعينيات نتيجة الفورة النفطية حتي وصل متوسط دخل الفرد إلي1700 دولار, فإنها أخذت في الانخفاض خلال الثمانينيات ثم التسعينيات إلي مايقارب ألف دولار أي مايصل إلي نصف متوسط دخل الفرد في إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا, وهو ماجعل أكثر من مليون سوري يلجأون إلي العمل في لبنان. الأهم من ذلك كله أن معدل النمو السكاني قد وصل إلي3.3% في العام, وهو مايعني أن عدد السكان سوف يصل إلي مثلي العدد الحالي البالغ14 مليونا و951 ألف نسمة, وإذا عرفنا أن أقل قليلا من نصف عدد السكان دون سن الخامسة عشرة يطلبون التعليم والعمل خلال الفترة المقبلة, فإن التحدي الاقتصادي يفرض نفسه علي قائمة أعمال الرئيس الجديد, فالقضية الآن لم تعد كيف حصل علي السلطة وإنما الأهم ماذا سوف يفعل بها في مواجهة هذه المهام الجسام؟
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|