ملفات الأهرام

41476‏السنة 124-العدد2000يونيو27‏24 من ربيع الأول 1421 هـالثلاثاء

المرأة وقضايا التنمية‏!‏
بقلم : د‏.‏ هدي محمد صبحي

انعقدت الدورة الاستثنائية الثالثة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة بعنوان المرأة عام‏2000‏ المساواة بين الجنسين والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين في نيويورك في الفترة من‏5-9‏ يونيو‏2000‏ وفي كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أكدت السيدة سوزان مبارك رئيسة الوفد المصري ورئيسة المجلس القومي للمرأة أن الغرض من هذا الاجتماع هو التحرك قدما علي الطريق لتمكين المرأة‏,‏ كما أكدت أننا جميعا نتفق علي أن تقدم المرأة ضروري لتحقيق ديمقراطية حقيقية وتوازن في اتخاذ القرارات وإدارة فعالة للموارد الاقتصادية والاجتماعية وهو مايوضح أن قضايا تقدم وتمكين المرأة هي قضايا تنمية أولا وأخيرا‏.‏

التنمية ليست محايدة التأثير‏:‏
ان الهدف الأساسي للتنمية هو توسيع خيارات المواطنين ولهذا المفهوم للتنمية ثلاثة مكونات أساسية‏:‏
‏*‏ المساواة في الفرص المتاحة لجميع المواطنين‏.‏
‏*‏ استدامة هذه الفرص من جيل إلي جيل‏.‏
‏*‏ تمكين المواطنين‏-‏ رجالا ونساء‏-‏ من الاشتراك في علميات التنمية والاستفادة منها‏.‏
ان التنمية البشرية هي عملية توسيع خيارات جميع المواطنين وليس نصف المجتمع فقط ولهذا تصبح تمييزية وجائرة إذا استبعدت المرأة من فوائدها‏.‏
لقد افترضنا لمدة طويلة للغاية أن التنمية العملية تعم فوائدها تلقائيا علي الكل وان فوائدها تنساب إلي كل فئات الدخل‏,‏ وأنها محايدة في تأثيرها علي الرجال والنساء ولكن الواقع العملي أثبت غير ذلك فالتفاوتات الواسعة في الدخل والفجوات النوعية بين الجنسين تواجهنا في مجالات عديدة كما أدي التسليم بافتراض حياد التنمية في تأثيرها علي الرجال والنساء إلي تهميش المرأة خارج المجري الرئيسي للتنمية الاقتصادية‏.‏
والتحرك نحو المساواة بين الجنسين ليس هدفا تكنوقراطيا بل هو عملية سياسية فهو يتطلب اسلوبا جديدا في التفكير تحل فيه مول قولبة المرأة والرجل فلسفة جديدة تعتبر الجميع رجالا ونساء عناصر فاعلة أساسية للتغيير وشركاء في التنمية والاستثمار في قدرات المرأة وفي تمكينها من ممارسة اختياراتها ليس عملا له قيمة في حد ذاته فحسب بل هو ايضا أضمن طريق للاسهام في التنمية الاقتصادية والاسراع بخطواتها‏.‏
والعناصر الاساسية في مفهوم التنمية البشرية الانتاجية الانصاف القابلية للاستدامة والتمكين تقتضي معالجة القضايا المتعلقة بالمرأة علي أنها قضايا انمائية في المقام الأول‏.‏

مازال أمامنا الكثير
وعلي الرغم مما تحقق من تقدم كبير في تنمية قدرات المرأة خاصة في مجالي التعليم والصحة فإن مشاركتها في عملية صنع القرارات الاقتصادية والسياسية تظل محدودة للغاية والدليل علي ذلك ان الفقر له وجه امرأة وقد ارتبط تزايد الفقر بين النساء بانتشار الأمية وبوضعها الذي يفتقر إلي المساواة في سوق العمل‏.‏
لم ترتفع مشاركة المرأة في القوة العاملة إلا بنسبة محدودة في نهاية القرن العشرين‏.‏
تحصل المرأة علي نصيب محدود للغاية من الائتمان من المؤسسات المصرفية الرسمية‏.‏
تحصل المرأة عادة علي أجر أقل من متوسط الاجر الذي يتقاضاه الرجل وذلك لانها تشغل وظائف منخفضة الأجر أو تعمل في القطاع غير الرسمي‏.‏
معدل البطالة بين النساء المسجل في جميع المناطق أعلي من معدل البطالة المسجلة بين الرجال‏.‏
التغييرات التكنولوجية تتجاهل اعتبارات النوع الاجتماعي فتفتقر المرأة إلي امكانية الحصول علي التكنولوجيا واستخدامها فتنخفض انتاجية انشطتها ومشروعاتها‏.‏
مازالت المرأة تشغل نسبة محدودة جدا من المقاعد البرلمانية والمناصب الوزارية‏.‏

آثار ضارة للتمييز علي التنمية‏:‏
تنتشر فجوات النوع في إمكانية الحصول علي الموارد والتحكم فيها في المشاركة الاقتصادية في القوة وفي الصوت السياسي فبينما تتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر والمباشر لعدم المساواة بين الجنسين تنتقص رفاهة كل فرد في المجتمع نتيجة الأثر الضار لعدم المساواة‏.‏
ولهذه الاسباب فإن المساواة بين الجنسين تعد قضية محورية من قضايا التنمية إلي جانب أنها هدف للتنمية في حد ذاتها كما أن المساواة بين الجنسين تحفر التنمية عن طريق تقوية قدرة الاقتصاد علي النمو والحد من الفقر والادارة الفعالة للاقتصاد القومي ولذا فإن المساواة بين الجنسين جزء لايتجزأ من استراتيجية تنمية شاملة تستهدف تمكين الناس‏-‏ نساء ورجالا‏-‏ من الهروب من الفقر وتحسين مستوي معيشتهم‏.‏
وفي إطار التنمية فإن أدوار وعلاقات النوع هي التي تحدد الفرص الاقتصادية والاجتماعية المتاحة لكل من الرجال والنساء عن طريق التأثير علي الاستثمار في رأس المال البشري والتقسيم النوعي للعمل وامكانية الحصول علي الموارد الانتاجية والتحكم فيها‏.‏
تختلف علاقات وادوار النوع اختلافا شديدا داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلفة ومع أنها تستغرق وقتا طويلا لتتغير إلا أنها ليست ثابتة وتتطور هذه الأدوار والعلاقات استجابة للصراعات والقيود والفرص التي تنشأ وتتطور في مسار عملية التنمية‏.‏
لقد أثبتت الاحصاءات والبيانات والدراسات التطبيقية أن المجتمعات التي تمارس التمييز علي أساس النوع تدفع ثمنا باهظا لهذا التمييز في صورة فقر أكثر‏,‏ نمو اقتصادي أبطأ ادارة اقتصادية أضعف ونوعية حياة أسوأ إن كل أنواع الفجوات النوعية لها تأثيرات سلبية علي التنمية وهذه التأثيرات تبلغ اقصاها في الدول النامية وداخل هذه الدول يكون الفقراء هم أكثر الفتات تضررا من هذه الآثار‏.‏
وطبقا للدراسات المهتمة ببحث المحددات النظرية والعملية للنمو الاقتصادي فإن وجود فجوات نوعية يرتبط بحالة توازن منخفض ودائم لعدم المساواة كما يوجد فخا للفقر وهو مايؤدي إلي انخفاض اجمالي الناتج المحلي ونصيب الفرد من هذا الناتج وهو مايعني أن العمل علي سد الفجوات النوعية خاصة في التعليم والصحة والعمل يؤدي إلي نتائج
‏1‏ ـ إيجابية ضخمة علي النمو الاقتصادي‏.‏

وتتلخص العلاقة بين التحيز النوعي ووجود الفجوات النوعية وبين النمو الاقتصادي في‏:‏
أثر عدم المساواة بين الجنسين في التعليم‏:‏
بافتراض تساوي قدرات البنات والأولاد فإن عدم المساواة في امكانية الحصول علي التعليم يعني أنه نظرا لان أعداد الأولاد الذين يتعلمون أكبر من البنات فبالتالي هناك أولاد أقل في مستوي القدرات من البنات يحصلون علي فرصة التعليم فتكون المحصلة النهائية متوسطا عاما لقدرات مجموع المتعلمين أقل كثيرا من المتوسط العام في حالة وجود فرص متساوية للبنات والأولاد في الحصول علي التعليم يعني هذا انخفاض انتاجية رأس المال البشري في الاقتصاد القومي وهو مايترتب عليه انخفاض النمو الاقتصادي ويتساوي أثر هذا العامل مع فرض ضريبة علي التعليم تؤدي إلي سوء تخصيص الموارد التعليمية وبالتالي خفض النمو الاقتصادي كما قد يؤدي هذا إلي تخفيض معدل الاستثمار نظرا لأن العائد علي الاستثمار ينخفض في اقتصاد يتسم بضعف رأس المال البشري‏.‏

‏2-‏ الوفورات الخارجية المباشرة
إن لتعليم الاناث أثرا ايجابي قويا علي نوعية التعليم بصفة عامة ولذلك فإن سد الفجوة النوعية في التعليم سوف يؤدي إلي تحسن كبير في نوعيته مما يؤدي إلي ارتفاع النمو الاقتصادي كما يؤدي تعليم الاناث إلي ارتفاع مستوي تعليم أطفالهن كما ونوعا مما يعد وفورات خارجية ايجابية ان ارتفاع مستوي رأس المال البشري المرتبط بهذه العملية يؤدي مباشرة إلي زيادة النمو الاقتصادي من خلال زيادة انتاجية القوة العاملة إلي جانب أن له أثرا غير مباشر من خلال زيادة معدل العائد علي الاستثمار فيرتفع معدل الاستثمار ومن ثم يرتفع معدل النمو الاقتصادي‏.‏

‏3-‏ الوفورات غير المباشرة للآثار الديموجرافية‏:‏
تؤدي المساواة بين الجنسين في إمكانية الحصول علي التعليم إلي تحقيق هدفين أساسيين للتنمية وهما تخفيض معدلات الخصوبة وتخفيض وفيات الاطفال وتؤثر العوامل الديموجرافية علي النمو الاقتصادي من خلال‏:‏
انخفاض الخصوبة ممايؤدي إلي تخفيض عبء الإعالة مما يرفع من معدل الادخار القومي‏.‏
يؤدي ارتفاع نسبة القوة العاملة إلي زيادة الطلب علي الاستثمار مما يؤدي إلي ارتفاع النمو الاقتصادي‏.‏
تشغيل هذه الزيادة في القوة العاملة يؤدي إلي ارتفاع نصيب الفرد من النمو الاقتصادي حتي لو لم ترتفع الاجور والانتاجية‏.‏
ـ يعمل أثر انخفاض الخصوبة من خلال زيادة الاستثمار في رأس المال البشري للاجيال القادمة

‏4-‏ أثر عدم المساواة بين الجنسين في الحصول علي فرص العمل‏:‏
إن عدم المساواة بين الجنسين في إمكانية الحصول علي فرص عمل منتجة يؤدي إلي انخفاض القدرة المتوسطة لقوة العمل عما كانت ستكون عليه في حالة انعدام التمييز النوعي في مجال العمل‏,‏ وهو مايؤدي إلي انخفاض النمو الاقتصادي إلي جانب أن وجود حواجز مصطنعة أمام عمالة المرأة في القطاع الرسمي تؤدي إلي ارتفاع تكلفة عنصر العمل ومن ثم انخفاض القدرة التنافسية الدولية للاقتصاد القومي

‏5-‏ أثر عدم المساواة بين الجنسين في إمكانية الحصول علي التكنولوجيا‏:‏
إن عدم المساواة في امكانية الحصول علي التكنولوجيا الحديثة يمكن أن يعوق امكانية المرأة في زيادة انتاجية عملها سواء في المنزل أو خارجه‏,‏ وإنتاجية مشروعها الخاص وهو مايؤدي في النهاية إلي تخفيض معدل النمو الاقتصادي‏.‏

‏6-‏ قياس أثر عدم المساواة في العمل‏:‏
مازال جزء كبير من عمل المرأة غير مسجل في نظام الحسابات القومية خاصة عملها في المنزل وفي انشطة الكفاف والقطاع غير الرسمي وسوف تؤدي زيادة امكانية الحصول علي فرص عمل منتج خارج المنزل إلي استبدال عمل المرأة غير المسجل بعمل مسجل في القطاع الرسمي مما يجعل عمل المرأة مرئيا وقابلا للقياس في صورة زيادة في الناتج المحلي الاجمالي وإذا ما تضمنت عملية الاحلال هذه زيادة في الانتاجية فإن زيادة امكانية حصول المرأة علي فرص عمل سوف تؤدي إلي زيادة النمو الاقتصادي وتثبت الدراسات العملية ارتفاع أثر النمو نتيجة ارتفاع معدلات مشاركة المرأة في قوة العمل في القطاع الرسمي‏.‏
وفي النهاية فإن التجارب العملية والدلائل الاحصائية من مختلف دول وأقاليم العالم تثبت أنه في الاجل الطويل يؤدي النمو والتنمية الاقتصادية إلي تحقيق المزيد من المساواة بين الجنسين‏,‏ ولكن النمو وحده لايكفي فعلي الدولة أن تقوم بدور فعال وحاسم لرفع مستوي رفاهة كل من الرجال والنساء وهو مايجعلها تستفيد من المزايا الاجتماعية الاساسية المرتبطة بتحسين الوضع المطلق والنسبي للمرأة كما أن السياسات العامة تلعب دورا مهما في تحقيق المساواة بين الجنسين وذلك عن طريق ايجاد بيئة مؤسسية مواتية تحقق التساوي في إمكانية الحصول علي الخدمات العامة وتنفيذ برامج ترفع من قدرة المرأة علي التحكم في الموارد وتمكنها من زيادة مشاركتها في الحياة العامة وبالاضافة إلي الدور الحاسم للدولة فإن تحقيق هدف المساواة يستلزم وجود مشاركة فعالة بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات المحلية‏.‏

موضوعات أخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب