أعمدة

41476‏السنة 124-العدد2000يونيو27‏24 من ربيع الأول 1421 هـالثلاثاء

من قريب
بقلم : سلامة أحمد سلامة

مارقة أم مثيرة للقلق؟
دأبت السياسة الأمريكية دائما علي صك تعبيرات‏,‏ وإطلاق أوصاف ونعوت في لغة المعاملات الدولية والدبلوماسية‏,‏ تبرر وضع خصومها في قائمة الدول المعادية التي يجب عزلها عن المجتمع الدولي‏,‏ وتوقيع العقوبات عليها‏,‏ وتعبئة المشاعر الدولية ضدها إذا لزم الأمر‏.‏
ومن بين هذه المصطلحات تعبير الدول المارقة الذي أطلقته أمريكا علي العراق وإيران وليبيا وكوريا الشمالية وكوبا وغيرها‏..‏ وهو تعبير بسيط وسهل‏,‏ ومثير‏,‏ إذ يكفي أن يوجد علي رأس هذه الدولة حاكم يسعي أو يمتلك بالفعل أي نوع من الأسلحة ــ الكيماوية أو البيولوجية أو النووية‏,‏ أو حتي امتلاك إمكانات إلكترونية كفيلة باختراق شبكات الكمبيوتر والمعلومات ــ بما يمثل تهديدا لأمريكا‏...‏ لكي توضع الدولة في قائمة الدول المارقة أي الدول التي تنتمي إلي امبراطورية الشر وتستحق العقاب‏!!‏
وقد طبقت السياسة الأمريكية هذه النظرية بتوسع شديد‏,‏ ينطوي في معظم الأحيان علي انتهاك معايير العدالة الدولية‏..‏ وكان أوضح نموذج علي ذلك هو العراق الذي فرضت عليه أمريكا وبريطانيا مجموعة من العقوبات والحصار الاقتصادي خارج نطاق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة‏...‏ ومازالت الطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية تقصف المواقع العراقية بصفة شبه يومية حتي الآن‏,‏ دون تمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية‏,‏ بحجة أن العراق دولة مارقة‏..‏ ولكن لا مانع في ظل هذا التعريف من قتل مئات الأطفال والنساء وتدمير المنازل والقري‏,‏ وإسكات جميع الأصوات العربية والدولية التي أذعنت للمفاهيم والتبريرات الأمريكية‏.‏
أخيرا أعلنت أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا‏,‏ أن سياسة الدول المارقة حققت أهدافها‏,‏ وأن هذه الدول لم تعد مارقة ولكنها مثيرة للقلق فحسب‏..‏ وذلك لأنها لم تعد بالدرجة نفسها من السوء‏,‏ بل طرأ عليها بعض التحسن‏,‏ واستشهدت امريكا في ذلك بالتحسن الذي طرأ علي مواقف ليبيا في مسألة لوكيربي‏,‏ وايران في التحول الديمقراطي‏,‏ وكوريا الشمالية في تقاربها مع كوريا الجنوبية‏...‏
ومن الواضح أن التغيير في المصطلحات والألفاظ‏,‏ إنما يستهدف تبرير ما قد يطرأ من تغيير في السياسات الأمريكية أزاء هذه الدول‏..‏ والتراجع عن سياسات ثبت فشلها‏,‏ ولم تنجح في تحقيق أهدافها‏..‏ وباستثناء دولة العراق التي تم تدمير إمكاناتها النووية‏,‏ وغير النووية في ظل المؤامرة الكبري لحرب الخليج‏,‏ فإن الدول الأخري المارقة أو المثيرة للقلق مازالت تحتفظ بأسلحتها وصواريخها‏,‏ وإمكاناتها النووية‏,‏ ولن تستطيع أمريكا تجريدها من هذه الأسلحة كما فعلت مع العراق‏..‏ وأكبر الظن أن هذا هو السبب الحقيقي وراء إقدام أمريكا علي إقامة نظام دفاعي جديد ضد الصواريخ يثير كثيرا من الجدل‏,‏ وقد يفتح الباب أمام سباق عالمي للتسلح‏...‏ ولكنه يظل في الوقت نفسه مبررا لاحتفاظ أمريكا بقواعدها العسكرية في منطقة الخليج‏,‏ وبقواتها في شبه الجزيرة الكورية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب