|
|
|
مارقة أم مثيرة للقلق؟
|
 | |
دأبت السياسة الأمريكية دائما علي صك تعبيرات, وإطلاق أوصاف ونعوت في لغة المعاملات الدولية والدبلوماسية, تبرر وضع خصومها في قائمة الدول المعادية التي يجب عزلها عن المجتمع الدولي, وتوقيع العقوبات عليها, وتعبئة المشاعر الدولية ضدها إذا لزم الأمر. ومن بين هذه المصطلحات تعبير الدول المارقة الذي أطلقته أمريكا علي العراق وإيران وليبيا وكوريا الشمالية وكوبا وغيرها.. وهو تعبير بسيط وسهل, ومثير, إذ يكفي أن يوجد علي رأس هذه الدولة حاكم يسعي أو يمتلك بالفعل أي نوع من الأسلحة ــ الكيماوية أو البيولوجية أو النووية, أو حتي امتلاك إمكانات إلكترونية كفيلة باختراق شبكات الكمبيوتر والمعلومات ــ بما يمثل تهديدا لأمريكا... لكي توضع الدولة في قائمة الدول المارقة أي الدول التي تنتمي إلي امبراطورية الشر وتستحق العقاب!! وقد طبقت السياسة الأمريكية هذه النظرية بتوسع شديد, ينطوي في معظم الأحيان علي انتهاك معايير العدالة الدولية.. وكان أوضح نموذج علي ذلك هو العراق الذي فرضت عليه أمريكا وبريطانيا مجموعة من العقوبات والحصار الاقتصادي خارج نطاق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة... ومازالت الطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية تقصف المواقع العراقية بصفة شبه يومية حتي الآن, دون تمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية, بحجة أن العراق دولة مارقة.. ولكن لا مانع في ظل هذا التعريف من قتل مئات الأطفال والنساء وتدمير المنازل والقري, وإسكات جميع الأصوات العربية والدولية التي أذعنت للمفاهيم والتبريرات الأمريكية. أخيرا أعلنت أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا, أن سياسة الدول المارقة حققت أهدافها, وأن هذه الدول لم تعد مارقة ولكنها مثيرة للقلق فحسب.. وذلك لأنها لم تعد بالدرجة نفسها من السوء, بل طرأ عليها بعض التحسن, واستشهدت امريكا في ذلك بالتحسن الذي طرأ علي مواقف ليبيا في مسألة لوكيربي, وايران في التحول الديمقراطي, وكوريا الشمالية في تقاربها مع كوريا الجنوبية... ومن الواضح أن التغيير في المصطلحات والألفاظ, إنما يستهدف تبرير ما قد يطرأ من تغيير في السياسات الأمريكية أزاء هذه الدول.. والتراجع عن سياسات ثبت فشلها, ولم تنجح في تحقيق أهدافها.. وباستثناء دولة العراق التي تم تدمير إمكاناتها النووية, وغير النووية في ظل المؤامرة الكبري لحرب الخليج, فإن الدول الأخري المارقة أو المثيرة للقلق مازالت تحتفظ بأسلحتها وصواريخها, وإمكاناتها النووية, ولن تستطيع أمريكا تجريدها من هذه الأسلحة كما فعلت مع العراق.. وأكبر الظن أن هذا هو السبب الحقيقي وراء إقدام أمريكا علي إقامة نظام دفاعي جديد ضد الصواريخ يثير كثيرا من الجدل, وقد يفتح الباب أمام سباق عالمي للتسلح... ولكنه يظل في الوقت نفسه مبررا لاحتفاظ أمريكا بقواعدها العسكرية في منطقة الخليج, وبقواتها في شبه الجزيرة الكورية.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|