قضايا و اراء

41431‏السنة 124-العدد2000مايو13‏9 من صفر 1421 هـالسبت

آثار وأسرار
قصة أهرام مصر‏-2:‏
حكاية هرم ميدوم
بقلم : د‏.‏ زاهي حواس

يعتقد الكثيرون أن الهرم الأكبر أو هرم الملك خوفو هو الهرم الذي تثار حوله الأساطير والخرافات ولكن هناك أهرام كثيرة منسية لا تقل عظمة وأهمية عن هرم الملك العظيم خوفو‏...‏ وأول هذه الأهرام هو هرم ميدوم الذي يقع جنوب أهرام سقارة ودهشور وهو آخر هرم في الحد الجنوبي لأهرام جبانة منف التي تحتوي علي أغلب أهرام الدولة القديمة‏.‏
وداخل هذا الهرم كشف إنسان آلي صغير لا يزيد طوله علي سنتيمترات قليلة عن كشف مهم جدا وخطير وهو عبارة عن حجرات جديدة لم تعرف من قبل‏...‏ وحكاية هذا الكشف وقصة دخول الإنسان الآلي أو الروبوت داخل الهرم‏..‏ قصة بدأت من عامين تقريبا عندما تقدم مهندسان فرنسيان بطلب إلي اللجنة الدائمة للآثار المصرية للعمل داخل هرم ميدوم وهما المهندسان
‏Jilles Dormion
والآخر هو
‏Jean-Yves Verd Hurt
وهما متخصصان في العمارة ولهما اهتمام خاص بالأهرام‏.‏
واستطاعت هذه البعثة الفرنسية التي بدأت العمل في مايو عام‏1998‏ واشترك معها الأثري مصطفي الزعيري ومساعده محسن خليل ومن المرممين د‏.‏شوقي نخلة ود‏.‏سمير عبدالحليم ومعهم قرني فرحات‏.‏ واستطاعت البعثة في‏25‏ مايو‏1998‏ أن تكشف عن ممر صغير خلف الشباك المغلق داخل الهرم واتضح أن هذا الممر يأخذ الشكل الجمالوني الذي يتشابه تماما مع ممري هرم سنلفرو الشمالي بدهشور وهرم خوفو بالجيزة‏.‏
واستطاع الروبوت أن يحدد طول الممر ووصل إلي‏(3‏ م‏).‏ وفي السادس والعشرين من مايو قامت البعثة بإزاحة الحجر العلوي الذي يبلغ سمكه‏(40‏ سم‏)‏ وقد أحدثت فتحة بعد إزالة الحجر بارتفاع‏(26‏ سم‏).‏ وهذه الفتحة كانت المكان الذي دخل منه الروبوت لكي يتجول داخل الهرم ويكشف عن الحجرات الجديدة‏.‏
ودخل الروبوت إلي التجويف وهو الممر الذي يتجه إلي الناحية الشمالية الجنوبية وهذا الممر الذي يصل ارتفاعه نحو ثلاثة بلوكات يأخذ الشكل الجمالوني‏.‏
وبدأت المرحلة الثانية في مايو‏1999‏ واستمرت البعثة الفرنسية ـ المصرية في الكشف عن الحجرات التي توجد فوق الممر‏.‏ ومن الدراسة المعمارية المبدئية لهذا الكشف فقد اتضح أن هذه الحجرات هي حجرات تم بناؤها لكي تخفف الضغط‏,‏ ولذلك فقد اعتقدت في البداية أن حجرة الدفن الأصلية لم تكتشف بعد وأن هذه الحجرة تقع مباشرة أسفل حجرات تخفيف الضغط وأن الحجرة التي كشفها بتري هي عبارة عن حجرة لها غرض ديني آخر‏,‏ ولكن اتضح أن حجرات الضغط بنيت لكي تخفف الضغط فقط عن الممر‏,‏ وذلك من خلال الرسومات الداخلية للهرم بعد هذا الكشف‏.‏

ولكن يثور هنا السؤال‏:‏ ما أهمية هذا الكشف؟
أولا‏:‏ تؤكد نظرية تسلسل بناء الأهرام أن حجرات تخفيف الضغط ليست خاصة بهرم خوفو فقط حيث توجد خمس حجرات اكتشفت أعلي الحجرة الثالثة داخل الهرم‏.‏
ثانيا‏:‏ استمر استعمال الشكل الجمالوني للممر بهرم سنفرو الشمالي بدهشور وهرم خوفو‏,‏ وأن المهندس المعماري المصري العبقري تقدم في فنون العمارة والبناء منذ بداية عصر الأهرام وليس في عهد خوفو فقط كما يدعي بعض المتحذلقين من الأجانب وللأسف من بعض المصريين أيضا‏.‏
وهناك فكرة خاطئة بين الباحثين بأن هرم ميدوم خاص بالملك حوني آخر ملوك الأسرة الثالثة من الدولة القديمة‏,‏ برغم أنه لا يوجد أي دليل لغوي أو أثري ينسب هذا الهرم للملك حوني‏,‏ ولكن سبب هذا الرأي هو عدم وجود هرم ينسب إلي هذا الملك‏,‏ ولكن خلال الأعوام الماضية استطاع العلماء أن ينسبوا إلي حوني أحد الأهرام الصغيرة التي بنيت في إلفنتين بأسوان بل ونسبوا خمسة أهرام صغيرة أخري منتشرة في صعيد مصر لهذا الملك‏..‏
هناك العديد من الأدلة التي تثبت أن هذا الهرم بناه الملك سنفرو أول ملوك الأسرة الرابعة ووالد الملك العظيم خوفو‏,‏ ويثبت ذلك ما عثر عليه من نقوش داخل الجبانة والمقابر المحيطة بالهرم‏,‏ بالإضافة إلي ما ذكر في بردية وستكار التي تعرف أيضا باسم بردية خوفو والسحرة التي تشير إلي ذكر هذه المنطقة باسم جدـ سنفرو وهي المنطقة التي يوجد فيها هرم ميدوم التي عاش فيها الساحر جدي الذي جاء من هذه المدينة لمقابلة الملك خوفو وأهم الأدلة التي تنسب هذا الهرم إلي الملك سنفرو هو ما كتبه الرحالة من مخربشات بجوار الهرم‏.‏
ولذلك يتفق دارسو عصر الأهرام علي أن هرم ميدوم خاص بالملك سنفرو ولذا أصبح سنفرو من أعظم البنائين المصريين منذ نحو‏(4650‏ عاما تقريبا‏)‏ حيث تنسب إليه الآن أربعة أهرام الأول في سيلا بالفيوم حيث عثر د‏.‏نبيل سويلم الذي كان يعمل مع بعثة بريمج يانج علي خمسة أدلة مكتوبة تثبت أن هرم سيلا شيده الملك سنفرو ولكن هذا الهرم لم يكن مخصصا للدفن لأنه لم يعثر بداخله علي حجرة خاصة لدفن مومياء الملك‏,‏ ولذلك يعتقد أن هذا الهرم لم يكن إلا التل الأزلي الذي يقع خلف قصر الفرعون سنفرو الذي كان يستعمله كاستراحة لجباية الضرائب أو للاستراحة بعيدا عن العاصمة‏.‏
والهرم الثاني هو هرم ميدوم فقد بناه الملك سنفرو كهرم مدرج ولسبب غير معروف تركه سنفرو بدون استكمال وبدأ في بناء الهرم الثالث وهو الهرم المعروف باسم الهرم المنحني بدهشور الذي بناه المهندس المعماري بزاوية‏(543113)‏ ثم غير الزاوية إلي‏(4321)‏ بعد أن وصل بناء الهرم إلي‏(49‏ م‏)‏ وإذا كان قد استمر في تشييد الهرم بالزاوية الأولي نفسها‏,‏ فسوف يرتفع الهرم إلي أكثر مما هو متوقع‏,‏ وقد لاحظ مهندس الهرم أن الجدران الداخلية بدأت بالفعل في التشقق وقاعدة الهرم لم تكن لتتحمل هذا الثقل نتيجة الأحمال الزائدة لذا كان لزاما عليه أن يغير زاوية البناء لكي يقلل من حجم الأحمال‏,‏ فكان ظهور الهرم بذلك الشكل الفريد الذي لم يتكرر في أهرام مصر جميعها‏,‏ وجاء تغير شكل البناء علي غير رغبة المهندس المصري الملكي أو رئيس كل أعمال الملك كما كان يطلق عليه في ذلك الوقت‏,‏ وهذا التغيير هو الذي جعل الهرم يأخذ هذا الشكل المنحني‏.‏ وبعد ذلك اتجه إلي الشمال في المنطقة نفسها بدهشور وشيد الهرم الشمالي أو الأحمر وهو أول هرم كامل بني في مصر‏.‏ وكشف العالم الألماني شتادلمان ـأعظم وأهم العلماء الألمان الذين تخصصوا في هذا العصر لأنه عندما ترك رئاسة معهد الآثار الألماني لم يذهب لكي يعيش في ألمانيا بل يعيش حاليا في مصر ويقول دائما أنا مصريـ بجوار الهرم الأحمر عن هريم صغير كان يوضع فوق الهرم ويعتبر أقدم هريم عثر عليه في الدولة القديمة‏.‏ كما عثر شتادلمان علي مخربشات حول الهرم تتحدث عن العام‏32‏ من حكم سنفرو‏.‏ وهذا الكشف قد يطيل مدة حكم سنفرو إلي‏46‏ عاما‏,‏ ولذلك نعتقد الآن أن سنفرو عندما انتهي من بناء الهرم الشمالي قد عاد مرة أخري إلي ميدوم ليكمل بناء هذا الهرم ولكي يصبح هرما مكتملا‏.‏ لذلك فإن هرم ميدوم يمثل بلا شك بداية حكم الملك‏,‏ وعلي هذا الأساس فقد بناه هرما مدرجا ثم يمثل نهاية حكم سنفرو عندما أكمله كهرم كامل‏.‏
وهناك رأي آخر يعتقده البعض في تغيير الزاوية وهو أن المهندس المصري القديم قد غير الزاوية لكي ينتهي من بناء الهرم سريعا‏,‏ والرأي الأخير غير مقبول علميا ولكن الأثريين يعتبرون أن الرأي الأول هو أقرب إلي الصحة‏.‏
وهناك قصة كتبها كيميائي انجليزي يدعي مندلسن في كتاب بعنوان لغز الأهرام حيث يعتقد أن هرم ميدوم قد انهار في الدولة القديمة في أثناء بنائه‏.‏ وقد تداول بعض العلماء هذه القصة ويشير مندلسن لتفسير هذه النظرية إلي أن المصريين القدماء في عهد سنفرو بدأوا في بناء هرم ميدوم في الوقت نفسه الذي كانوا يعملون في هرم سنفرو المنحني الجنوبي ولكن انهار هرم ميدوم الذي كان يتم بناؤه بزاوية بناء الهرم المنحني نفسها‏,‏ لذا فقد سارع المهندس المعماري بتغيير زاوية البناء لكي يتفادي ما حدث في انهيار هرم ميدوم‏.‏ ولكن هذه النظرية يقف أمامها موضوعان أساسيان هما‏:‏ الأول أن الدراسات العلمية أثبتت أن هرم ميدوم قد بني في البداية كهرم مدرج وبعد ذلك تم تعديل خطة البناء لكي يبني كهرم كامل‏,‏ ولذلك فإن حجرات تخفيف الضغط والممرين اللذين عثر عليهما قد تم بناؤهما في المرحلة الثانية‏.‏
والدليل الثاني الذي يثبت أن الانهيار لم يحدث في الدولة القديمة هو النقش الذي عثر عليه داخل المعبد الجنائزي وهو مؤرخ في العام‏41‏ من حكم الملك العظيم تحتمس الثالث الذي يلقب بلقب نابليون العصر القديم‏.‏ كتبه الكاتب المصري القديم آخ خبر كارع سنب ويشير في النص إلي أنه أتي إلي ميدوم لكي يشاهد معبد سنفرو الجميل‏.‏ وفي نهاية النص يطلب الزائر الرحمة لروح الملك سنفرو والملكة مرس عنخ‏.‏ وهذا النص يؤكد نسب هذا الهرم إلي الملك سنفرو‏.‏ ويشير إلي أن الكاتب لو وجد الهرم منهارا لما كتب نصا يشير إلي انبهاره بالهرم‏.‏ وأعتقد أن هذه الملكة زوجة ثانية للملك سنفرو غير الملكة حتب حرس أم خوفو التي دفنت بجوار هرم ابنها‏.‏
ولذلك فإنني أعتقد أن الانهيار قد حدث في العصر الحديث خاصة في القرن الماضي‏,‏ عندما كان يأخذ أهالي الغرب المجاور أحجارا من الهرم تحمل علي جمال لكي يبنوا بها منازلهم ولذلك أصبح هذا الهرم مثل برج طويل فوق تل مرتفع‏.‏ وأعتقد أن الملك سنفرو دفن في الهرم الجنوبي أو المنحني بدهشور‏,‏ علي عكس اعتقاد البعض‏,‏ خاصة أن المهندس المرحوم عبدالسلام حسين والدكتور أحمد فخري ـراهب الصحراء الذي حفر أغلب واحات مصر وأسس أول مشروع لدراسة الأهرام وألف الكثير عن صحراء وأهرام مصرـ عملا داخل هذا الهرم‏,‏ ولم يصلا إلي أغلب حجراته‏,‏ لذلك فيراودني إحساس بأن هذا الرجل العظيم الملك سنفرو مازال مدفونا داخل الهرم الجنوبي أو المنحني‏.‏
وعمل البعثة الفرنسية يأتي استكمالا لأعمال البعثات المصرية بجوار هذا الهرم ويجعلنا لا ننسي ما قام به الرحالة الإنجليز هوارد فيز وبرينج عام‏1839‏ وبعدهما كشف الفرنسي أوجست مارييت العديد من المقابر المهمة وكشف عن التمثال الرائع لقائد الجيوش رع حوتب وزوجته الجميلة نفرت الذي يعتبر من روائع المتحف المصري‏.‏
وبعد ذلك وفي عام‏1880‏ جاء عالم الآثار الإنجليزي السير فلندرز بتري ومساعده الأثري وينرايت في العمل بالهرم والكشف عن معبده الجنائزي‏.‏
وأول من حاول أن يكشف عن أسرار هذا الهرم ويحاول دخوله والكشف عن ممراته هو الألماني الشهير بورخارت عام‏1927.‏
وآخر من قام بالحفر في هذا المكان الأثري آلان رو ممثلا لجامعة بنسلفانيا عام‏1931.‏ وكشفت هذه البعثة عن سور الهرم الخارجي والمعبد السفلي وجزء من الطريق الصاعد وبقايا هرم صغير في الناحية الجنوبية وتنظيف المعبد العلوي وكانت بذلك أول مجموعة هرمية يتم الكشف عنها كاملة‏.‏
إن الكشف عن الحجرات الجديدة والممر داخل الهرم هو أهم الاكتشافات الأثرية التي قد تمت مع بداية الألفية الثالثة واهتم بها العالم كله حتي قبل أن يعلن عن هذا الكشف وأرسل العلماء والمهتمون بالآثار آلاف الرسائل عن طريق البريد الإلكتروني كي يسألوا عن الحجرات التي عثر عليها داخل هرم ميدوم‏.‏
وهكذا بدأت الأهرام تبوح بالعديد من الأسرار‏,‏ وما زلنا نفسر ماهية هاتين الحجرتين والممرين اللذين عثر عليهما داخل هرم سنفرو بميدوم‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب