الكتاب

41404‏السنة 124-العدد2000ابريل16‏11 من المحرم 1421 هـالأحد

غريب الوجه واليد واللسان
بقلم ـ فاروق شوشة‏:‏

لا أدري لماذا خطر لي ـ وأنا أشارك في مؤتمر مجمع اللغة العربية ـ في دورته السادسة والستين ـ الذي انعقد علي مدار الأسبوعين الأخيرين‏,‏ والتقي فيه المجمعيون المصريون والعرب من حول الموضوعات والقضايا ومصطلحات العلوم‏,‏ التي تمس واقع لغتنا الجميلة‏,‏ وتعمل علي النهوض بها لمواجهة متطلبات العصر‏,‏ والوفاء باحتياجات الحاضر والمستقبل ـ لا أدري لماذا خطر لي طيف أبي الطيب المتنبي شاعر العربية الكبير وهو يتأمل في أحوال زمانه‏,‏ أمة وناسا وواقعا ولغة‏,‏ عندما كان في طريقه إلي بلاد فارس‏,‏ مرورا بشعب بوان ـ والشعب‏:‏ الطريق بين جبلين ـ وكل ما حوله يباعد بينه وبين الوجود العربي‏,‏ وهو يقول‏:‏
ولكن الفتي العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان
أما الفتي العربي فهو المتنبي نفسه‏,‏ وقد أوشكت رحلته علي نهايتها‏,‏ بعد أن امتلأت حياته العاصفة ـ نتيجة لشعوره العارم بالتفرد والتفوق وحمله الدائم بالجاه والتملك ـ امتلأت بالنصال تنكسر علي النصال‏,‏ وغدر من تصورهم المتنبي صفوة الأصحاب والأخلاء‏,‏ بدءا بسيف الدولة الحمداني أمير حلب الذي توجته أشعار المتنبي أميرا استثنائيا في زمن التشرذم والتمزق العربي‏,‏ وفارسا مغوارا لاتخونه شجاعته في وجه أعتي جيوش العالم في زمانه‏,‏ جيوش الروم التي تفوقه عددا وعدة‏,‏ لقد خلع عليه المتنبي من شعره وروحه ومودته صورة باقية علي مر الزمان‏,‏ ومع ذلك لم يسلم المتنبي من جفوته وضغينته ـ بسبب المكائد والأحقاد ـ فكان رحيله إلي مصر واختياره لكافور ـ النقيض لسيف الدولة عروبة وكرما ودورا وهمة ـ خطوة أخري نحو المزيد من المعاناة والانكسار‏,‏ خلفت في نفس المتنبي ووجدانه مزيدا من المرارة والإحباط والقنوط‏.‏
ها هو ذا الآن في طريقه إلي بلاد فارس‏,‏ وقد ترك وراءه كل ماهو عربي‏,‏ ليمدح ملوكها وأمراءها من البويهيين‏:‏ عضد الدولة وولديه أبا الفوارس وأبا دلف‏,‏ متناسيا أو متنكرا لما كان يردده ويتخذه شعارا له وموقفا من ملوك زمانه وحكامه حين يقول‏:‏
وإنما الناس بالملوك وما
تفلح عرب ملوكها عجم
لا أدب عندهم‏,‏ ولا حسب ولاعهود لهم ولا ذمم
بكل أرض وطئتها أمم
ترعي بعبد كأنها غنم
يستخشن الخز حين يلمسه
وكان يبري بظفره القلم
ثم يجئ بيته العظيم الذي ينزل علي الأعداء والحساد والاراذل والمتأمرين من هم دونه قدرا وقيمة ـ نزول الصاعقة‏:‏
إني وإن لمت حاسدي‏,‏ فما
أنكر أني عقوبة لهم‏!‏
ماباله إذن يتنكر الآن لهذا كله‏,‏ متجها إلي الضد والنقيض الذي تمثله بلاد فارس‏,‏ وشعب بوان‏,‏ وقد خلف الوجود العربي المهلهل وراءه‏,‏ والزمن العربي الساقط تحت قدميه‏,‏ معلنا عربته الثلاثية الأبعاد‏:‏ غريب الوجه واليد واللسان‏!‏
أما غربة الوجه فيجسدها اختلاف اللون بينه وبين أهل هذا المكان‏,‏ سمرته العربية تجعله غريبا في عيون أهل بوان وأهل فارس شفر الوجوه‏,‏ هذا إذا اقتصرت غربة الوجه علي اختلاف اللون‏,‏ لكن أمثال المتنبي ـ من الشعراء العظام ـ لا يقتصرون علي مثل هذه الدلالة القريبة أو المباشرة‏,‏ واللغة الشعرية في بيت المتنبي تفتح أبوابا شتي للتأويل‏,‏ ومن ثم تصبح غربة الوجه ـ الوجه الكاشف عن حقيقة الإنسان والمؤدي إلي داخله وأعماقه ـ غربة للكيان الإنساني كله‏,‏ وإحساسا عارما بأنه ليس في زمانه ولا مكانه‏,‏ من هنا تصبح غربة الوجه اغترابا للروح ونفيا لحقيقة النفس‏,‏ وابتعادا عن التلاؤم أو التكيف‏,‏ وعجزا عن الامتثال والمسايرة‏,‏ أما غربة اليد فإنها تعني في مجالات التأويل الشعري عدم القدرة علي الامتلاك‏,‏ في مثل قولنا‏:‏ ضيق ذات اليد‏,‏ والمتنبي المهموم دوما بالثروة والنوال والعطاء يلح عليه دوما شاغل التملك والاستحواذ‏,‏ وخياله الشعري المحلق يقوده في القصيدة ذاتها إلي الكشف عن المخبوء من عالمه الداخلي أو لاشعوره حين يصور أشعة الشمس المتناثرة علي ثياب العابرين ـ المتنبي وصحبه ـ بالدنانير حين يقول‏:‏
وألقي الشرق منها في ثيابي
دنانيرا تفر من البنان
وفي رواية ثانية للبيت‏:‏ وألقي الشمس بدلا من قوله‏:‏ وألقي الشرق وإن كان معني الشمس وضوئها متضمنا في التعبيرين‏.‏
ويتسع التأويل الشعري في غربة اليد أيضا لافتقاد القدرة والنفوذ والجاه فبقدر ما تشير اليد إلي الامتلاك والعطاء فإنها تشير إلي القوة والاقتدار والهيمنة‏:‏ له اليد العليا‏,‏ وفي التعبير القرآني‏:‏ يد الله فوق أيديهم‏,‏ فهل كان المتنبي ـ ساعتها ـ يحلم بالثروة والتملك أم كان يفكر في القوة والقدرة علي تصريف الأمور؟
إن خلوه من الأمرين معا يعني حالا من الغربة مريرة‏,‏ وبعدا آخر من أبعاد الاغتراب الأشمل الذي يعانيه المتنبي قرب ختام الرحلة المثخنة بالجراح‏!‏
أما الغربة الثالثة‏:‏ غربة اللسان‏,‏ فهي أشد ألوان هذه الغربة التصاقا بواقعنا الذي نعيشه الآن‏,‏ وتعبيرا عن واقع لغتنا الجميلة علي الألسنة والأقلام‏,‏ وكما جاءت غربة اللسان ـ علي لسان المتنبي ـ تعبيرا عن اغترابه الإنساني‏,‏ فإن غربة لساننا العربي الآن بدورها تعبير عن اغتراب الإنسان العربي المعاصر‏,‏ الذي أصبح نتيجة لما يعيشه ويفرض عليه من مستحدثات العصر وأدواته ووسائله ومفرداته ـ يتخلي تدريجيا عن ملامح هويته وعن مظاهر وجوده وحقيقته‏:‏ طعاما وشرابا وملبسا وعادات وتقاليد‏,‏ ويصل الأمر إلي أقصاه حين يصبح التخلي والاغتراب تكبيرا ولغة وانتماء وهكذا تغترب اللغة واللسان حين يغترب الإنسان نفسه ويحس أنه لم يعد في بيئته ولا بين أهله‏,‏ لقد تغير جلده‏,‏ واختلفت ملامحه‏,‏ ولم يعد الطفل الذي كان ـ كما يقول أدونيس ـ وإنما هو الآن مسخ شانه‏,‏ وتائه في زحام الحضارات والثقافات واللغات‏,‏ وعابر تصدمه العجمة والاختلاف ـ ليس في شعب بوان وحده كما كان حال المتنبي ـ وإنما في كل شعاب الدنيا ودروبها حيث تحمله قدماه‏,‏ وتنوء به همته وعزيمته هذا هو ما جعلني أنشغل بطيف أبي الطيب‏,‏ وكأنه يجاورني ويجول معي في أروقة مجمع اللغة العربية‏,‏ وفي جلسات لجانه وبحوث أعضائه ـ المصريين والعرب ـ يتأمل ويصغي ويتابع هذا الجهد المحكوم عليه بالسرية ـ والكتمان‏,‏ لأنه يدور بين جدران مغلقة وخلف أبواب موصدة‏,‏ وهو جهد ينهض به المجمع منذ إنشائه عام‏1934,‏ وطوال ستة وستين عاما أصدر المجمع العديد من المعاجم اللغوية والعلمية‏,‏ والبحوث والدراسات‏,‏ والقرارات والتوصيات‏,‏ فضلا عن قيامه بصك الآلاف من المصطلحات العلمية ـ في ميادين العلوم المختلفة ـ والنشاط السنوي الدائب علي مستوي المؤتمرات والدورات‏,‏ ونشر العديد من وجوه هذا النشاط اللغوي والعلمي في مجلة المجمع‏.‏
لكن العزوة لاتزال منفكة بين المجمع وغيره من الهيئات والمؤسسات خاصة وزارات التعليم والتعليم العالي والإعلام‏,‏ وما ينجزه المجمع من أمور التصويب والتيسير وإعادة النظر والتجديد لايصل إلي جمهور اللغة والمستهلك الحقيقي لها عن طريق العديد من الهيئات والمؤسسات‏,‏ ويظل الناس بعيدين عن الوعي بما ينجزه المجمع والإحساس بأن لجهود المجمع دورا في حركة الواقع اللغوي ومايموج به من ظواهر سلبية متفاقمة أبسطها هذه العجمة المتفشية والغربة في إطلاق المسميات الاجنبية علي المنشآت والمحال والأسواق والفنادق والشركات والمؤسسات دون خجل أو حياء‏,‏ وامتدادا إلي تسمية القري السياحية والمرافق العمرانية الجديدة‏,‏ وكأننا مصرون علي الانسلاخ من أبسط مفردات الهوية والانتماء‏..‏
وهذه العامية السوقية ـ التي لا علاقة لها بعامية الإبداع الأدبي والفني بكل ما تحمله من روح العصر وبلاغة التعبير والصورة والدلالة ـ قد أصبحت لغة لموجة من الغناء الهابط‏:‏ لغة وإيقاعا وإيحاءات‏,‏ ولغة للإعلانات التي تزدحم بها الصحافة والإذاعة والتليفزيون‏,‏ وكأننا نفتقر إلي اللغة الصحيحة البسيطة‏,‏ التي لاتكلف فيها ولا معاظلة‏,‏ والتي تتبناها الصحافة منذ مطالع القرن الماضي‏,‏ وتطور في أساليب أدائها وهندسة تراكيبها وتوسع من دلالاتها‏,‏ ويكتب بها كتابنا في سلاسة ووضوح وإشراق صياغة وتعبير‏.‏
وهذا النظام التعليمي ـ المنقل بالعجز المزمن عن ايجاد مناخ مدرسي يسمح بنشاط لغته حقيقي‏,‏ يغرس في النشء المتعلم محبة لغة القومية والتعرف علي مواطن الجمال فيها‏,‏ والوعي بتاريخها الجمالي‏,‏ وإحكام قواعدها التي بالغنا في تضخيم صعوبتها حتي جعلنا منها رعبا يتلقاه من يتعلمها وكأنه يقبض علي الجمر بيديه‏,‏ ونجحنا ـ بدلا من تحقيق مناخ تربوي لغوي صحيح ـ في أن نجعل من درس اللغة العربية درسا في القواعد والنحو‏,‏ ومن درس النحو درسا في الإعراب‏,‏ وأصبح معني اللغة العربية عند هذا النشء المسكين يدور حول فكرة الإعراب وضبط أواخر الكلمات ومعرفة المرفوع والمنصوب والمجرور‏,‏ وظلت اللغة التي نتعلمها ـ في المدرسة والجامعة لغة صامتة‏,‏ غير منطوقة‏,‏ لغة ليست حية‏,‏ نقرؤها بالعين ونحفظ ما تتضمنه هذه اللغة بالعين ثم نمتحن فيه بالعين‏,‏ لم تمرن علي نطقها الألسنة‏,‏ ولا أجهزتها الصوتية‏,‏ ولا أحسسنا بها في إطارها الحياتي الوظيفي‏,‏ صادحة مجلجلة‏.‏
نقطة البداية إذن في أمر تعلم هذه اللغة أن يكون تعليما حيا وظيفيا منطوقا‏,‏ يبدأ فيه المتعلم بالقراءة‏,‏ القراءة الواسعة في مجالات شتي‏,‏ لتصبح هذه القراءة سبيله لمعرفة القواعد واكتشافها وهي في حركتها الفاعلة بين ثنايا النصوص وأمام المسئولين عن تعليم اللغة العربية مايحدث في مراكز تعليم اللغات الاجنبية‏,‏ التي تعتمد جميعها علي الأسلوب السمعي البصري‏,‏ وقد آن الأوان للاقتداء بما يفعله الآخرون‏,‏ وما نمارسه نحن حين نتعلم لغاتهم‏,‏ ونفيد من أساليبهم ووسائلهم‏,‏ بدلا من الدوران في الدائرة الجهنمية التي يدور فيها تعليم اللغة العربية في مدارسنا وينعكس هبوطه وتخلفه علي الواقع اللغوي في المدرسة‏:‏ منهجا ومعلما واختيار نصوص وتركيزا فاشلا علي درس القواعد وابتعادا عن حيوية اللغة ووظيفيتها‏.‏
أما أنت أيها الفتي العربي الذي كان‏,‏ يا شاعرنا أبا الطيب يامن عانيت غربة الوجه واليد واللسان‏,‏ فأرجو أن أعزيك بأن ما عانيته من مظاهر الغربة والعجز وافتقاد القدرة والهوية والوجه العربي‏,‏ مستمر إلي زماننا وقد اتسع الخرق علي الراقع‏,‏ ولم يعد الأمر مقصورا علي أمية لاتزال تنخر في قطاعات عريضة من أبناء المجتمع‏,‏ أو علي أمية ثقافية يعاني منها الذين لم نحسن نحن تعليمهم وتثقيفهم ولم يحسنوا هم الارتفاع إلي مستوي عصرهم وعيا ومتابعة فتخلفوا عنه وأصبحوا دونه‏,‏ يسيرون وأعناقهم مشدودة تتطلع إلي الوراء بل لقد تعدي الأمر ذلك إلي بعض من يطلقون علي أنفسهم لقب الأديب والكاتب‏,‏ ولا بأس من أن يذيلوهما بكلمة الكبير فقد يصدقهم الناس ويخدعون بزيفهم عن حقيقتهم الخاوية‏,‏ ولايرون جهلهم الفادح بأمور لغتهم وماينبغي لها من التأني والدراسة والاحكام‏,‏ بالرغم من أن هذا البعض لايفتأ يتشدق باطلاعه علي تراثنا العربي والوعي بما فيه من ذخائر وكنوز‏,‏ حتي إذا ما تطلبت مناسبة من المناسبات أن يتكلم هذا الكبير بلغته القومية‏,‏ كانت الفضيحة بجلاجل ـ كما يقولون ـ لأن من يبتلون بسماعه يكتشفون الجهل الفاضح بأبسط بسائط العربية نطقا وأداء وسلامة تعبير‏!‏ وهكذا بين جهارة الإدعاء والأمية اللغوية يكمن أحد ملامح هذه الغربة‏!‏
غربتنا إذن كبيرة يا أبا الطيب لكن عزاءنا أننا نملك أن نعود إليك ـ بين الحين والحين ـ يوقظنا صوتك الصادم بالوعي‏,‏ وعروبتك الصحيحة الكاشفة عن معدنها وجوهرها في زمن افتقاد الهوية ومواجهة العولمة‏,‏ وشعرك الباذخ العالي الذي يشدنا دوما ويقودنا إلي الأعلي‏,‏ ويذكرنا بأن ـ لغتنا العربية ـ بتجلياتها الإبداعية والجمالية ـ أكبر بكثير من عبث الصغار‏,‏ وتدني الهوام والمسوخ‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب