|
|
|
|
 | |
كثيرون من الناس يؤمنون بفكرة شائعة هي أن المرأة كائن ضعيف, وأن تأثيرها في الحياة تأثير ثانوي إذا ما قسناه بتأثير الرجال, لكننا إذا قرأنا التاريخ الإنساني قراءة دقيقة, ونظرنا إلي بعض أحداثه وهوامشه, وفهمناها علي وجهها الصحيح فسوف نجد أن المرأة كان لها دور خطير جدا في تاريخ الإنسانية, وأنه ما من حادث مهم في التاريخ إلا وكانت وراءه امرأة لها دور أساسي عميق التأثير في هذا الحادث, ولو راجعنا القصص الدينية المقدسة لوجدنا دليلا جوهريا علي الدور الأساسي للمرأة في تاريخ الأديان. فحواء هي التي أغرت آدم بأن يأكل من التفاحة المحرمة, وكان ذلك ـ في القصة الدينية المعروفة ـ سببا في خروج الإنسان من الجنة ونشأة الحياة علي الأرض, وسيدنا موسي عليه السلام كان للمرأة دورها الحاسم في حياته, ففي طفولته تمت نجاته من الموت علي يد فرعون باتفاق مقصود أو غير مقصود بين ثلاث نساء هن أمه وأخته وزوجة فرعون, ولولا هؤلاء النساء الثلاث لمات موسي مقتولا وهو طفل علي يد فرعون, ثم خرج موسي بعد ذلك في شبابه من مصر هاربا إلي أرض مدين علي حدود فلسطين, وفي أرض مدين هذه وجد موسي امرأتين تقفان بالقرب من بئر يتزاحم عليها الناس, وعرف منهما موسي أنهما تنتظران أن يخف الزحام حتي تستطيعا الحصول علي ماء البئر, فتقدم موسي ـ وسط الزحام ـ وحصل لهما علي الماء. ويقول القرآن الكريم في سورة القصص عن موسي ليه السلام:.. فسقي لهما, ثم تولي إلي الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير, فجاءته إحداهما تمشي علي استحياء, قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين, قالت إحداهما يا أبت استئجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. ويقول كثير من المفسرين إن الأب في هذه القصة التي رواها القرآن الكريم هو النبي شعيب عليه السلام, وأن شعيبا قد كافأ موسي بتزويجه من إحدي ابنتيه, وإذا تأملنا الآيات الكريمة بعمق فسوف نجد أن الابنة هي التي بادرت إلي إقناع أبيها بإكرام سيدنا موسي ومكافأته, وأنها بذلك تكون قد ألمحت إلي أبيها برغبتها في الزواج منه, وهكذا نجد أن موسي عليه السلام قد أنقذته المرأة من محنته الأولي في طفولته, وأنقذته أيضا من محنته الثانية عندما خرج هاربا من مصر في شبابه لأول مرة. وفي حياة المسيح عليه السلام تلعب أمه السيدة مريم دورا استثنائيا وغير عادي, فهي التي حملته إلي مصر ـ في طفولته ـ لتحميه من بطش اليهود والرومان, وظلت ترعاه وتقدم إليه الحماية الكاملة حتي استطاع أن يحمل رسالة السماء إلي الأرض, ودعوة الله إلي الإنسان, ثم يأتي محمد عليه الصلاة والسلام فنجد السيدة خديجة تشمله برعايتها وحمايتها ومالها, وتكون عند بدء الرسالة أول من آمن الإسلام وأقوي المدافعين عن زوجها رسول الله, ودور السيدة خديجة في حياة الرسول معروف ومتفق عليه بين جميع الباحثين والمؤرخين, وهو دور حاسم وأساسي ولاشك فيه. وإذا ابتعدنا عن التاريخ الديني, وما يؤكده من دور المرأة الحاسم في حياة أنبياء الله, فسوف نجد أن صفحات التاريخ الإنساني مليئة بأدوار أساسية ومبهرة للمرأة, ولكن هذا التاريخ لا يهتم كثيرا بدور المرأة, علي اعتبار أن الرجل هو البطل الأساسي للأحداث, وفي هذا ظلم وخطأ وابتعاد عن الحقيقة. فدور المرأة في التاريخ الإنساني علي خطورته يكاد يشبه دور التنظيمات السرية الكبري التي قد يشير إليها التاريخ إشارات سريعة دون أن يكشف عن خفاياها الحقيقية. وقد تحدثت في الأسبوع الماضي عن الخائن محمد أبو الذهب الذي باع أستاذه ومعلمه وقائده وصاحب الفضل عليه وهو علي بك الكبير لأعدائه, ولم تكن خيانة أبو الذهب مجرد خيانة شخصية خسيسة تدينها مبادئ الأخلاق الكريمة والرجولة الحقيقية فقط, بل كانت هذه الخيانة خيانة وطنية وقومية أطاحت بأول محاولة ناجحة لاستقلال مصر ونهضتها في العصور الحديثة, بعد أكثر من ألفي سنة من الاستعمار الأجنبي المتواصل لمصر, وكانت هذه المحاولة للاستقلال والنهضة هي محاولة علي بك الكبير1728 ـ1773, وقد اختار علي بك ـ لسوء حظه وسوء حظ مصر ـ شخصية قريبة منه, رباها وأحسن إليها ووثق فيها كل الثقة, هي شخصية محمد أبو الذهب, فجعل منه قائد جيوشه والرجل الثاني في دولته, وفي قمة الانتصار خان أبو الذهب سيده, وخان مصر, وباع كل شيء للعثمانيين الذين عينوه واليا علي مصر مكافأة له, ولم يهنأ أبو الذهب بخيانته فمات بعد عامين اثنين من خيانته وغدره وقتله لسيده وقائده علي بك الكبير. علي أن الخيانة لا يمكن أن تتم بصورة فردية, خاصة في الأحداث التاريخية الكبيرة, فلابد أن يتآمر الخائن الأول مع جماعة من أمثاله, لهم نفس أخلاقه وميوله المنحرفة, ولديهم الاستعداد للخيانة إن وجدوا فرصة لذلك, والخائن في العادة ليست لديه مبادئ يحرص عليها, وليس ملتزما بأخلاق رفيعة يضحي في سبيلها, وليست عنده مشاعر حساسة تجعله ينفر من الخيانة ويعف عنها ويحس بأنها مرة المذاق. وكل ما يفعله الخائن ـ في العادة ـ هو أن يسأل: ما هو الثمن الذي سوف أحصل عليه من الخيانة؟ فإذا كان الثمن عاليا.. خان, أما إذا كان الثمن رخيصا.. فإنه لابد أن ينتظر فرصة أخري ليخون بالثمن المناسب حسب تقديره. وكان الخائن أبو الذهب بحاجة إلي مساندة خونة آخرين له حتي ينتصر علي أستاذه وقائده علي بك الكبير, وحتي يبيعه ويبيع معه حلم علي بك في استقلال مصر ونهضتها, وكان بين مماليك علي بك مملوك شهير اسمه مراد بك, ولما جاء موسم الخيانة عرض عليه أبو الذهب أن يشاركه في خيانته, فسأل مراد بك: وما الثمن؟ وأجاب زعيم الخونة أبو الذهب: ماذا تريد؟ وكانت إجابة مراد بك صريحة جدا, فالخونة لا يعرفون الخجل ولا الحياء ولا مراجعة النفس ولا إخفاء ما في ضمائرهم المريضة, فقال الخائن مراد بك لزعيم الخونة أبو الذهب: أريد أن أتزوج من الجارية التي أحبها, فقال له أبو الذهب لك ما تريد. وهنا نقرأ ما كتبه الجبرتي كما جاء في كتاب دراسات في تاريخ الجبرتي, وهو من روائع الكتب المجهولة في المكتبة العربية, ومؤلفه هو المفكر العالم الراحل الأستاذ محمود الشرقاوي, وفي هذا الكتاب كل ما جاء في تاريخ الجبرتي معروضا بأسلوب عصري واضح جميل شديد الترتيب والتنسيق, يقول الأستاذ الشرقاوي: كانت عند علي بك الكبير جارية شركسية بارعة الجمال, أحبها مملوكه مراد حبا شديدا, فلما أراد أبو الذهب خيانة سيده وتحدث إلي مراد في ذلك, اشترط عليه نظير موافقته علي الخيانة أن يسمح له بالزواج من هذه الجارية, فلما تم قتل علي بك الكبير أخذ مراد هذه الجارية الشركسية وهي التي أصبحت معروفة في التاريخ باسم نفيسة المرادية وكانت أعظم نساء عصرها. وهكذا كانت الرشوة التي نالها مراد بك علي خيانته هي: امرأة جميلة. ولكن التاريخ له مفارقات عجيبة, فبقدر ما كان مراد بك من كبار الخائنين والأنذال, كانت نفيسة المرادية امرأة رائعة في جمالها ووفائها وقوة شخصيتها وتفوقها غير المحدود علي زوجها النذل الجبان, ولا تفسير لذلك إلا أن هذه المرأة الجميلة قد صدقت مراد في أنه أحبها لذاتها, ولم يكن وراء حبه لها هدف آخر, وقد ظلت هذه المرأة الفاتنة مخلصة لما أحست به من حب مراد بك لها حتي نهاية حياتها. فمن تكون هذه المرأة الجميلة ذات النفس العظيمة؟ وماذا كان دورها في تاريخ مصر؟ يقول الأستاذ محمود الشرقاوي اعتمادا علي تاريخ الجبرتي: كانت السيدة نفيسة المرادية, زوجة مراد بك, شركسية الأصل, وبدأ ظهور أمرها عندما دخلت في حريم علي بك الكبير, فأحبها وأعجب بها, وبني لها دارا تطل علي بركة الأزبكية في درب عبدالحق, فلما انتهت حياة سيدها علي بك بمقتله قام المملوك الخائن محمد أبو الذهب بتزويجها إلي مراد بك ثمنا لاشتراكه معه في الخيانة, وفي حياة زوجها مراد بك الذي حكم مصر مع إبراهيم بك بعد موت أبو الذهب لمدة تزيد علي عشرين سنة نالت السيدة نفيسة المرادية في المجتمع المصري مكانة عظيمة, وتعرضت بسبب إخلاصها, وقوة شخصيتها, لمحن كثيرة, وكانت تعرف القراءة والكتابة, ولها من الخيرات: الصهريج الذي بنته داخل باب زويلة, ولها خان ـ أي فندق ـ أنشأته لاستضافة المسافرين الغرباء, وكان لهذه السيدة مكان الاحترام والتقدير عند العلماء والأمراء, وعند الشعب أيضا, ولما دخل نابليون القاهرة كانت لها عنده منزلة عظيمة, كما كان قواد نابليون ورجاله كلهم يرعون جانبها ويحملون لها في تقديرهم حسابا كبيرا, وإن كانت الأحداث الحربية والسياسية جعلتهم في أوقات كثيرة يصادرونها, ويفرضون عليها الغرامات الكبيرة, ويعتقلونها, لما كانت تبديه من نشاط لا يرضون عنه. ثم يقول الأستاذ محمود الشرقاوي: كانت السيدة نفيسة تعارض زوجها مراد بك وهو مطلق السلطان علي مصر, في مصادرة التجار الأوروبيين وإرهاقهم بالضرائب والغرامات وكانت هذه التصرفات من أسباب الحملة الفرنسية علي مصر, وكانت السيدة نفيسة تبلغ من الجمال حدا فائقا, ويبدو أن السيدة نفيسة لم تكن بعيدة عن ممارسة الشئون العامة أيضا, فقد نقل الكاتب الفرنسي لاكروا عن المذكرات التي أملاها نابليون في منفاه في جزيرة سانت هيلانة أن مراد بك لما عاد من البحيرة إلي الجيزة منهزما أمام الحملة الفرنسية, صعد إلي قمة الهرم الأكبر, وأخذ يتبادل الإشارات الضوئية بالفوانيس مع زوجته السيدة نفيسة المرادية وهي فوق سطح منزلها, وتناقل الناس ذلك في القاهرة حتي سمعت به, فخشيت علي نفسها من الفرنسيين, فذهبت إلي منزل نابليون, وطلبت مقابلته, فتلقاها بكل احترام, وأكد لها أنه لا يحفل بهذه التهمة الموجهة إليها, وأنها لو أرادت أن تلتقي بزوجها لما تردد في مهادنته يوما وليلة حتي يلتقيا وكان الزوج مراد بك هاربا في الصعيد من وجه الحملة الفرنسية, ولعل نابليون أراد بهذه المجاملة أن يتخذ من السيدة نفيسة وسيلة للتأثير علي زوجها ليقبل الصلح مع الفرنسيين ويتوقف عن مقاومتهم في الصعيد. ثم يقول الأستاذ محمود الشرقاوي:... ومما يدل علي مكانة هذه السيدة أن الحكومة الفرنسية أهدت إليها, قبل حملة نابليون, ساعة ذهبية مرصعة بالألماس, اعترافا بأعمالها الجليلة, وتقديرا لها, وأن ديجنت كبير أطباء الحملة الفرنسية عندما ألف كتابه باللغة العربية عن مرض الجدري في مصر أهدي إليها خمسين نسخة منه, ولما دخل الفرنسيون القاهرة وهرب زوجها مراد بك إلي الصعيد لم تهرب معه, وبقيت في قصرها, وبسطت حمايتها علي كثير من نساء المماليك المنكوبين, وواست كثيرين من الفقراء الذين نكبوا في الحملة الفرنسية من أهل القاهرة, ودفعت كثيرا من الغرامات التي فرضها الفرنسيون علي المصريين ولم يستطع الكثيرون منهم دفعها, ونالت بذلك احترام المصريين والأجانب, وقد بقي نابليون بعد خروجه من مصر, وبعد أن أصبح إمبراطورا, يذكر هذه السيدة, حتي أنه بعث وهو في قمة مجده, أمرا إلي قنصل فرنسا في مصر, بأن يبذل كل جهده لحمايتها, ورعاية أمرها, وكان ذلك في عهد محمد علي. ثم خرجت الحملة الفرنسية من مصر سنة1801, وتولي حكم مصر الوالي التركي أحمد خورشيد باشا, وقد أساء إليها هذا الوالي إساءات بالغة, وطلبها يوما إلي القلعة مقر حكمه ووجه إليها بعض التهم الباطلة فقالت له: إن السلطان وعظماء الدولة رجالا ونساء يعرفونني, ويعرفون قدري, حتي الفرنسيون, أعدائي وأعداؤك, لم أر منهم إلا التكريم والاحترام, أما أنت فلم يوافق فعلك فعل أهل دولتك ولا غيرهم, ثم لقيت السيدة نفيسة بعد ذلك أشد المحن والكوارث علي يد محمد علي بعد أن استولي علي حكم مصر سنة1805, فقد صادر محمد علي ما بقي لها من مال وعقار, وعاشت بقية أيامها في فقر وجهد, لكنها لقيت ذلك كله بصبر دونه صبر الرجال, ولم تفارقها مروءتها ولا علو نفسها ولا إباؤها, وماتت نفيسة المرادية عجوزا, فقيرة, عزيزة, بعد أن كانت ملكة علي مصر وذلك في يوم الخميس19 أبريل سنة1816 في بيتها الذي بناه لها علي بك الكبير, وبعد موتها قام محمد علي بالاستيلاء علي هذا البيت وأسكن فيه بعض أكابر دولته, وقد ظلت هذه السيدة العظيمة, حتي في أيام محنتها, ترعي بمعروفها وبرها, أسرا كثيرة أصابها العناء والفقر بعد أن كانت كريمة ميسورة. تلك هي نفيسة المرادية التي كانت امرأة فاتنة جميلة, وكانت إلي جانب ذلك امرأة قوية الشخصية عظيمة الإرادة محبة للناس ساعية علي الدوام إلي الخير, وكانت بذلك أفضل وأنبل بكثير من زوجها مراد بك ذلك الذي أخلصت له زوجته, ولكنه بطبعه الخائن وانتمائه لأستاذ الخيانة والغدر في عصره محمد أبو الذهب, لم يكن قادرا علي الإخلاص لزوجته ولا لأحد من الناس, بل كان مخلصا لنفسه ومصالحه ومشروعاته الخاصة التي انتهت كلها إلي خيبة أمل كبيرة, فضاع منه كل شيء, لأن كل ما يقوم علي الخيانة لابد أن ينهار, فالخيانة ليست أساسا للبناء لكنها نار تحرق, وبلدوزر يهدم كل شيء حتي حياة صاحبه وما يتصور أنه حققه في هذه الحياة من نجاح زائف قائم علي الخطف والنهب والاستهتار بما هو جميل وكريم وعفيف في الإنسان. والعجيب أن قصة نفيسة المرادية وما فيها من ثراء في الأحداث والانفعالات لم تجد أديبا أو فنانا يقدم صفحاتها المثيرة الرائعة في رواية أو مسرحية أو قصة للسينما أو للتليفزيون.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|