الكتاب

41404‏السنة 124-العدد2000ابريل16‏11 من المحرم 1421 هـالأحد

المسرح في الكويت‏..‏ حديث متجدد
بقلم : ألفريد فرج

في اطار مهرجان الكويت المسرحي الذي يعقد سنويا في روعة فصل الربيع الخليجي‏,‏ شاهدنا ابداع الجيل الجديد من فناني المسرح الكويتي‏..‏ حيث قدمت الفرق الكويتية رؤي مسرحية ينتمي معظمها للحرس الجديد‏,‏ أي الجيل الجديد من فناني الكويت‏.‏
قدمت هذه الموجة المتجددة للفنانين مسرحيات رجال الانابيب للفرقة الاكاديمية‏,‏ والابواب للمسرح الجامعي‏,‏ وجميعا علي الأرجوحة للمسرح الشعبي‏,‏ وصانع السفن لفرقة مسرح الخليج العربي‏,‏ والفيل لمسرح الشباب‏,‏ والبومة للمسرح العربي‏,‏ وسهرة مع الكلاب للمسرح الكويتي‏,‏ وحمراء ولكن‏..‏ للمسرح العربي‏.‏
والي جانب هذه المسرحيات المتنافسة علي جوائز لجنة التحكيم قدمت فرقة مسرح الطليعة المصرية مسرحية الارنب الاسود تأليف الكاتب المبدع عبدالله الطوخي واخراج الفنان عصام السيد وبطولة امينة رزق وسناء يونس ومحمود عبدالغفار والطفل اللامع يوسف ناصر‏.‏
وقد قدم المهرجان تكريما خاصا للفنانة القديرة امينة رزق ولاسم الفنان الكبير الراحل محمد السريع‏,‏ واسم الفنان الرائد المؤسس للمسرح الكويتي حسين الصالح الحداد‏..‏ فكانت لحظات الوفاء للرواد من ألمع لحظات المهرجان الكويتي‏.‏
ولجنة التحكيم التي فوضها المهرجان باختيار الفائزين كانت تحيط بها شحنة الاثارة والفضول والترقب والتشويق‏..‏
ذلك أن الفن دائما هو قفزة في الظلام‏,‏ وهو مغامرة جديدة‏,‏ وفي احسن حالاته هو مغامرة غير مسبوقة‏..‏ ولا يعرف الفنان ما يكون عليه استقبال الجمهور لما يطرحه من جديد‏,‏ والاكثر غموضا من ذلك ما يمكن أن يكون استقبال لجنة للتحكيم للجديد‏.‏
لجنة التحكيم لمهرجان الكويت كانت تضم الدكتور حسن يعقوب العلي والفنانتين سعاد عبدالله من الكويت ومني واصف من سوريا والمخرج حاتم السيد من الاردن والناقد بول شاؤول من لبنان والناقد الكويتي جابر العنري‏.‏
وفي عهدة اللجنة تسع جوائز مسرحية رفيعة ستكون من نصيب الفائزين‏.‏
ومن اللافت للنظر أن إمارة الشارقة تقيم في نفس الربيع الخليجي الجميل مهرجانا مسرحيا بعنوان أيام الشارقة المسرحية في دورته العاشرة‏.‏
ويقدم مهرجان الشارقة مسرحيات القضية تأليف الشيخ الدكتور سلطان القاسمي مستلهمة من تاريخ الاندلس وباخراج الفنان قاسم محمد‏,‏ ومسرحيات ليلة عشاء باردة اعداد واخراج حكيم جاسم‏,‏ وصرخة اخراج عبدالله المناعي‏,‏ والياثوم تأليف سالم الحناوي واخراج احمد الانصاري‏,‏ وحظوظ حنظلة اعداد قاسم محمد ومن اخراجه‏..‏ وغيرها‏.‏
وفي الشارقة تكونت لجنة تحكيم المهرجان من نضال الاشقر‏,‏ واحمد عبدالحليم من مصر‏,‏ ومكي سنادة من السودان‏,‏ وعبدالله يوسف من البحرين‏,‏ ومحمد الجناحي من الامارات‏.‏
وربما يظن البعض أن تكرار المهرجان المسرحي في نفس منطقة الخليج هو نوع من التزيد‏..‏ لكني سأخالف ذلك الظن وأتمني لو تكررت المهرجانات المسرحية في كل أنحاء العالم العربي‏..‏
ومع ذلك فاني اتمني لو لم تتزامن المهرجانات ويتداخل توقيتها‏..‏
كما أنني لا أعتقد أن المهرجانات المسرحية العربية الاقليمية تغني عن المهرجانات العربية الشاملة‏,‏ أو تغني عن لقاء الابداع العربي المسرحي من كل الاقطار في مهرجانات جامعة للابداع العربي‏.‏
واتمني بذلك أن نضيف الي مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي مهرجانا عربيا مسرحيا بالقاهرة‏,‏ واتمني أن تعيد وزارة الثقافة السورية عقد مهرجان دمشق الذي توقف منذ حين‏,‏ واحيي بكل اخلاص القائمين بمهرجان قرطاج العربي ـ الافريقي الذي نتمني له الاستمرار والازدهار‏.‏
والواقع اننا في أيام قد اضطربت فيها المفاهيم واختلطت الاراء‏,‏ بحيث نحتاج دائما لتأكيد أن بلادنا في حاجة ماسة للمسرح‏..‏ وهذا ما ازعمه واكرره دائما في مواجهة مزاعم باطلة كلها تتنبأ بغروب فن المسرح‏(!)..‏
المسرح لم يهتز بنشأة الطباعة وانتشار الكتب‏,‏ ولم يهتز بنشأة السينما وسهولة انتقال الأفلام من قارة الي اخري‏,‏ ولم يهتز المسرح بنشأة التليفزيون والفيديو والقنوات الفضائية‏..‏
علي العكس من ذلك كان عدد دور المسرح في اوروبا في اوائل القرن أقل كثيرا من عدد دور المسرح بها اليوم‏..‏
إن جاذبية الدراما لا يماري فيها أحد‏..‏ والمسرح من بين الفنون الدرامية‏,‏ يتميز عنها بالحضور المؤثر للفنان والحضور المؤثر للجمهور‏..‏ وحضور الطرفين لايدانيه في وهجه الانساني تأثير السينما والتليفزيون‏.‏
والمسرح منبر للتنوير لأنه منبر للجدل وحوار المتناقضات‏,‏ ونهضة المسرح دائما تتواقت مع النهضات الاجتماعية والحضارية ـ راجع تاريخ الطفرات المسرحية‏.‏
وهذا الفن الساحر يوثر في العيون بالصورة المسرحية الجميلة‏,‏ وفي الاسماع بالمسامع الصوتية الجذابة‏,‏ وفي العواطف بالمواقف الانسانية المؤثرة‏,‏ وفي الافهام بالجدل الحر وحوار المتناقضات‏.‏
هو فن لازم ومفيد وزاد حضاري للنشء وللكبار‏..‏ لذلك تهتم الدول الكبري بأن يكون خيطا متصلا في المنهج الدراسي للتلاميذ والطلبة‏..‏ وخيطا متصلا في منهج الهوايات المدرسية‏,‏ ويتضمنه منهج دراسة اللغات وتاريخ الفن والحضارة وصوتيات اللغة‏..‏
ولكن عسي الا يؤخرنا التأمل في جوهر فن المسرح عن اللحاق بموعد الوفود الزائرة للكويت للقاء بالمثقف الكويتي اللامع الدكتور محمد الرميحي أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بمكتبه بالمجلس‏.‏
وفي المجلس تكرم علينا المضيف بإيضاح جوانب من نشاطات الكويت الثقافية في دنيا الفنون والآداب‏.‏
ومما يلفت النظر دائما أن الكويت كانت دائما طاقة اشعاع ثقافي في العالم العربي‏,‏ فهي تملك أقدم مجلة ثقافية شعبية قائمة واوسعها انتشارا في العالم العربي‏..‏ وهي مجلة العربي الغراء التي انشأها الدكتور احمد زكي ورأس تحريرها من بعده الكاتب الكبير احمد بهاء الدين‏,‏ ثم تولي تحريرها الدكتور محمد الرميحي ويرأس تحريرها اليوم المثقف المبدع الدكتور سليمان العسكري‏.‏
والي جانب العربي تتمتع بنفس الانتشار والقيمة الفكرية اصدارات عالم المعرفة ذات المستوي الرفيع‏,‏ وابداعات عالمية التي تقدم للقاريء العربي ترجمة لروائع القصص والمسرح العالمي‏..‏
والعجيب أن هذه الاصدارات اكتسبت من ثقة القاريء واثارت شغفه بحيث تسجل كلها التوزيع الواسع خاصة في البلاد العربية ذات الكثافة السكانية وعلي رأسها مصر والمغرب وسوريا ثم تونس‏..‏
وهو أمر لا يناظره مثيل له في الاصدارات العربية من مختلف الاقطار‏,‏ ويدعونا للتوقف والتأمل في أن للكويت رسالة ثقافية عربية واسعة ربما كانت اكبر كثيرا من حجمها الجغرافي أو السكاني‏.‏
وهذه الرسالة الثقافية العربية تعتبر في ضمير المثقفين العرب من أغلي ارصدة الكويت علي الصعيد القومي‏,‏ وميزة ينفرد بها هذا البلد العربي الشقيق‏..‏ وربما يدعونا الحال والواقع الي التمني أن يبني الكويت علي أساس من هذا الصرح الثقافي وعلي أساس من رسالة التنوير والابداع العربي والبناء الثقافي‏..‏
فهل كان هذا التصور للدور الكويتي في الثقافة العربية هو ما دعا لجنة التحكيم الي ملاحظة أن كل المسرحيات المتقدمة للمسابقة في اطار المهرجان مكتوبة باللهجة العامية الكويتية‏,‏ والي التوصية بمزيد من الاهتمام بالفصحي في المسرح‏.‏
ومع هذا فقد اشادت لجنة التحكيم والنقاد بوجه عام بالمسرحيات المتسابقة وعناصر الحداثة في بنائها الدرامي‏,‏ وموضوعاتها الشعبية والحية‏.‏
وفي جلسة مع صديق من فناني المسرح اثار انتباهي الي أن انتشار العامية في المسرح وانكماش الفصحي انما هو من آثار نجاح المسرح الاستهلاكي‏(‏ التجاري‏).‏
واذا كان هذا الاستنتاج صحيحا فهو اقرب ما يكون لما يحدث في القاهرة حيث لا يكاد يكون للمسرح باللغة الفصحي وجود‏,‏ ولم تنتشر فقط اللهجة العامية في المسرح المدعوم من الدولة كعدوي من المسرح التجاري‏,‏ وانما انتقلت ايضا من المسرح الخاص الي مسرح الدولة عدوي الخروج عن النص واغراق الدراما في كساوي مصطنعة من محسنات الغناء والرقص وافتعال الفكاهة إذا لم يسعف النص الممثل بالنكتة‏(!)‏
ولا اقول ان هذا شهدنا له مثيلا في الكويت ـ حاشا لله‏..‏ وانما يدعوني الموقف للدعوة للانتباه والعودة بالمسرح إلي الجد والمحافظة وجاذبيات الدراما الصرف واقنعة الشخصية المسرحية والبيان المسرحي وجاذبية الموضوع‏.‏
وقد اثار اهتمامي حديثي مع الفنان الكويتي الصديق وسألته وعلمت منه أن المسرحية الاستهلاكية‏(‏ يقصد التجارية‏)‏ يمتد عرضها في الكويت بنجاح ثلاثة أشهر‏..‏
بينما المسرحية الجادة مهما كان نجاحها لا يمتد عرضها اكثر من اسبوعين أو نحو ذلك‏.‏
ولا يستطيع شباكها ان يحقق عائدا يعود علي الفنانين المشاركين فيها‏.‏
هكذا اتجه نجوم المسرح الكويتي الي التليفزيون‏..‏ ومثل ذلك حدث بمصر‏.‏
المسرح الكويتي نشأ في الستينيات بالجيل الاول للفنانين الكويتيين وبريادة الفنان زكي طليمات الذي أنشأ المعهد‏.‏
الجيل الثاني تألقت نجومه وتكون في المعهد علي أيدي الجيل الأول من الفنانين وشارك في تكوين فنانيه سعد اردش وكرم مطاوع واحمد عبدالحليم وامين العيوطي مع الاساتذة الكويتيين من الجيل الأول‏.‏
ولمع في هذا الجيل الرائع الفنانون صقر الرشود ومحمد المنصور ومنصور المنصور وغانم الصالح وسعاد عبدالله ومريم الصالح وفؤاد الشطي‏.‏
وهؤلاء اصبحوا اليوم أساس الدراما الكويتية التليفزيونية‏,‏ وهم في تقديري اليوم من المع نجوم التمثيل في دنيا المسرح العربي‏.‏
في مسارح الكويت وفي اطار المهرجان الرابع كانت تتألق مواهب شابة لامعة‏,‏ مما اسعدني بالاطمئنان الي قوة الطاقة الفنية للجيل الثالث الواعد بمستقبل زاهر للمسرح الكويتي‏.‏
إلا أنني لابد أن اشير إلي أن حسن استثمار هذه الطاقة الفنية لابد له من تخطيط محكم‏.‏
قل ان جمهور المسرح الجاد في الكويت لا يكفي لنجاح فريق مسرحي كبير‏..‏ إلا أن يكون لهذا الفريق مجال للرحلة في الاقطار العربية‏.‏
في أوائل القرن العشرين كانت القاهرة مدينة صغيرة وتعدادها لا يتعدي مئات الآلاف‏.‏ فكانت فرق يوسف وهبي‏(‏ مسرح رمسيس‏)‏ وفرقة عبدالله عكاشة والريحاني تسافر في رحلات منتظمة الي المشرق ثم الي المغرب لتعوض الحجم المحدود للجمهور في القاهرة‏.‏
الا يمكن أن يكون هذا أمرا طبيعيا اليوم وقد اصبحت المواصلات اسهل ودور المسرح في المدن العربية أفضل استعدادا‏..‏ بالنسبة للفرق المسرحية العربية الجادة كلها؟
ثم الا ينسجم هذا ويتوافق مع جهد الكويت الثقافي في النشر الجاد وتوزيع الكتب علي نطاق عربي واسع‏.‏
فلماذا لا يكون للمسرح في الكويت نفس حظ الكتاب ورحلته عبرالصحاري والانهار الي المدن والأقاليم؟
نريد بذلك أن ندعم المسرح الجاد في الكويت وفي كل الاقطار العربية بمضاعفة جمهوره‏..‏ كما نريد أن يصل المسرح الجاد الي جمهور يطلبه في انحاء الدنيا العربية‏.‏
لقد عرفت المسرح الكويتي عن قرب في السبعينيات والثمانينيات‏.‏ وشاهدت ارفع مواهبه في مسرحيات لي انتجتها مسارح الكويت‏..‏
كانت أولاها علي جناح التبريزي وتابعه قفه وقد اخرجها الراحل النابغة صقر الرشود وقام ببطولتها محمد المنصور وسعاد عبدالله وغانم الصالح‏,‏ وحققت نجاحا رائعا في مهرجان دمشق للمسرح العربي وطافت مدن سوريا ثم مصر‏.‏
وقدم لي المسرح في الكويت حلاق بغداد ثم مسرحية رسائل قاضي أشبيلية بنجاح لايقل عن مسرحية التبريزي‏..‏
ثم قدمت لي فرقة المعهد العالي للفنون المسرحية مسرحية الزير سالم باخراج الفنان الكبير أحمد عبدالحليم‏.‏
ولا أبالغ ان قلت إن انتاج مسرحياتي في الكويت كان يتميز باصالة الاطار الفولكلوري الكويتي بما يجعل للعرض المسرحي تأثيرا خاصا وبديعا لا تماثله عروض مسرحياتي في مصر أو سائر الفرق المسرحية العربية‏.‏
كما أن مسرحيات المهرجان المسرحي الرابع التي شاهدتها في الكويت في الاسبوع الماضي كان لها نفس هذا السحر الخاص والطابع الخاص‏..‏
ولم لا نتوقع ذلك في عالم عربي واحد اللغة والمرجع الادبي الكلاسيكي‏,‏ ومع ذلك فهو مترامي الاطراف‏..‏ تأثر في المغرب بالموشح الاندلسي ومسرح الحلقة الفولكلوري‏,‏ وتأثر في المشرق بحكايات الف ليلة والملاحم الشعبية‏..‏ وتأثر في الخليج بايقاع غنائي خاص وبالانفتاح علي الفنون الشعبية الشرقية‏..‏
وهذا ما يميز الفنون العربية بتنوع في غاية الثراء مع ما يميزها من وحدة النبع والمصدر والأصل‏..‏
هذا نداء خاص للفنون العربية ودعوة للجمهور لزيارة وديان السحر الفني حيث قد يعثر كل امريء علي ظله وصورته‏..‏ وعلي ظل الآخرين وصورتهم‏..‏
الفن العربي قاعة لها سبعة ابواب‏,‏ ووراء كل باب دنيا من جمال الطبيعة وجمال النفس الانسانية‏..‏ ولكن امام كل باب سؤالا واجابته وحدها هي المفتاح الذي يفتح الباب‏.‏
ولا يغري المرء بالسؤال والجواب إلا وعد الفنان له بالسعادة في الفن والكشف عن السر والنظر في مرآة الذات‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب