تقارير المراسلين

41404‏السنة 124-العدد2000ابريل16‏11 من المحرم 1421 هـالأحد

من الذي يكتب التاريخ الحقيقي
المؤرخ البريطاني ايرفنج في حوار مع الأهرام بعد إدانته لإنكاره الهولوكست‏:‏
ليس هناك شاهد أو دليل واحد يثبت إبادة النازي لليهود‏!‏

حوار أجراه في لندن
عاصــم القــــرش
عامر سلطان
تصوير : فاروق بندق
المؤرخ البريطانى ايرفنج خلال الحوار
الأربعاء الماضي كان يوم السكاكين الطويلة في بريطانيا‏,‏ وفيه تفرغت كل صحف لندن بلا استثناء ـ أو بشماتة بدت غريبة عليها ـ لتوجيه مدفعيتها الثقيلة الي مؤرخ بريطاني تعيس هو البروفيسور ديفيد ايرفنج الذي سار عكس التيار‏,‏ وهو يحاول أن يصحح ما يحفظه أطفال المدارس عن ظهر قلب وتكرره وسائل الإعلام في أوروبا كلها دون تدقيق منذ توقفت الحرب العالمية الثانية عن معاناة ملايين اليهود وتعرضهم للإبادة الجماعية في أفران الغاز علي أيدي سلطات ألمانيا الهتلرية فيما عرف وقتها باسم الهولوكوست أو المحرقة‏.‏
وعلي مدي قرابة‏10‏ سنوات اختار ايرفنج‏(62‏ عاما‏)‏ أن يمشي في الطريق الصعب ويخوض معركة رجل واحد تعرض فيها للملاحقة والاهانات‏,‏ لأن هدفه ـ كما قال في حوار مع الأهرام في لندن ـ كان هو تقديم رؤية مختلفة للتاريخ‏,‏ وخلال هذه الأعوام ظل يردد بشجاعة أو حماقة أن الهولوكوست ليست إلا مجرد كذبة كبيرة لا يريد أحد أن يتوقف لتفنيدها‏.‏ وأكثر من ذلك أنها أصبحت صناعة هادئة تدر الملايين علي من لهم مصلحة في أن تبقي الي الأبد أحد المحظورات التي لايجوز الاقتراب منها‏!‏
وأيا كان الأمر فإن الرجل هو الذي فتح الباب واسعا لفصل جديد من المتاعب في حياته عندما أقام دعوي قذف ضد دار نشر بريطانية عالمية وضد المؤلفة الأمريكية ديبورا ليبشتات بعد أن اتهمته في كتاب يحمل اسم إنكار الهولوكست‏..‏ انتهاك الحقيقة والذاكرة‏,‏ بأنه تعمد تشويه أدلة التاريخ وقلب الحقائق لكي يروج لمعتقداته‏.‏
وهكذا بعد‏8‏ أسابيع من الأخذ والرد في المحكمة التي ترافع ايرفنج أمامها بنفسه دون الاستعانة بمحام كان طبيعيا أن يخسر القضية‏,‏ في مواجهة ضغط إعلامي بالغ الضراوة واختلال صارخ في موازين القوي‏,‏ لتأتي اللحظة التي تهوي فيها مطرقة القاضي فوق رأسه بحكم صارم يدينه بالعنصرية ومعاداة السامية والتحالف مع النازيين الجدد‏..‏ في قرار يمكن أن يدمر مستقبله المهني ويعرضه لاحتمال إلزامه بتسديد الفاتورة المرهقة لتكاليف المحاكمة وأتعاب المحاماة والتي يمكن أن تصل الي مليوني جنيه استرليني‏.‏
وبرغم الإعصار الذي قلب حياة الرجل فإنه كان مصمما علي أن يمضي في المعركة الي آخر مدي‏,‏ وأخذ يؤكد في الأيام التالية أنه لن يخاف وأنه سيظل يكتب مايري أنه التاريخ الحقيقي‏.‏ وعندما جلسنا أمامه مساء أمس الأول في قاعة كبيرة ببيته بمنطقة ما فير في قلب لندن‏,‏ وسط صناديق كثيرة امتلأت علي آخرها بالملفات ومن حولنا ألعاب ابنته الصغيرة ذات السنوات الست وشرائط الفيديو التي لاتمل مشاهدتها‏,‏ بدا منفعلا مضطربا الي أقصي حد وكأنه يكمل مرافعته ولكنه لخص علي أي حال وعلي مدي ساعة كاملة أفكاره وهو يجلس تحت صورة بالحجم الطبيعي للزعيم النازي أودلف هتلر كان قد اختارها لتصبح غلافا لكتابه‏:‏ حرب هتلر ومسيرة الحرب‏..‏ وهذه هي إجابات الرجل الذي أقام الدنيا في بريطانيا وأماكن أخري لأنه جرؤ علي الكلام وطرح السؤال الصعب‏:‏ من الذي يكذب؟

الدقائق العشر الأولي للوقت المخصص للحوار ضاعت لأن الرجل توقف أكثر من مرة ليرد علي سلسلة اتصالات تليفونية وليعتذر عن الفوضي في كل مكان قائلا إنه لم يجد وقتا لفتح حقائب السفر التي عاد بها لتوه من أمريكا‏..‏ ثم وهو يعدو بعصبية في جنبات منزله مرة بعد أخري ليحضر أوراقا يرد بها علي تساؤلات مستشاري الدفاع في قضيته‏..‏ وبعدها استعاد هدوءه ليروي لنا كيف أن ما حدث له يذكره برسم كاريكاتيري يظهر فيه الكاتب البريطاني سلمان رشدي وهو يجري بأقصي سرعة في الصحراء ومن خلفه آلاف الإيرانيين الذين يطاردونه بسيوفهم لتنفيذ فتوي الزعيم الإيراني الراحل الخميني بإهدار دمه‏..‏ بينما يحاول وكيل أعماله اللحاق به ناصحا‏:‏ سلمان‏..‏ ليس هكذا تضمن الشهرة لكتبك‏!‏
واليوم ـ يتابع ايرفنج ـ أجد نفسي في نفس الموقف تقريبا‏.‏ الفارق الوحيد هو انني لا أتمتع بنفس التعاطف الذي يغدقه العالم علي رشدي‏.‏
وبنبرة من يريد معجزة تنتشله من مشاكله قال ايرفنج فجأة‏:‏ أحيانا أتمني لو أنني ولدت يهوديا لأكثر من سبب‏:‏ أولا أن ذلك سيعيدني علي الفور الي الوضع الذي كنت عليه قبل الأزمة‏.‏ وأن أفعل تماما كما فعلت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكي عندما اكتشفت فجأة بعد كل هذا العمر أن لها جذورا يهودية حتي أري بنفسي رد الفعل في عيون قادة اليهود الذين سيجدون أنفسهم في موقف بالغ الحرج وهم يتأملون مايفعلونه بواحد منه‏..‏ ثم السبب الأخير المهم هو أن أحاول العثور علي إجابة للسؤال الذي يتعين علي اليهود أن يوجهوه لأنفسهم‏..‏ ما هي مسئوليتهم عما يفعل بهم؟ ولماذا كان تاريخهم كله حافلا بالهجرات الاجبارية وعمليات الإبعاد من دولة الي أخري؟

‏ كيف تري الحكم الذي يصفك بالعنصرية ومعاداة السامية؟
ـ هذا الحكم نتاج المؤسسة الانجليزية وقد كان القاضي عادلا وموضوعيا طوال جلسات المحاكمة‏,‏ غير أن النغمة تغيرت في اليوم الأخير الذي أصدر فيه الحكم‏.‏ فالقاضي يعلم أنه لو كان قد حكم لصالحي‏,‏ فإن مستقبله كقاض مهدد بالخطر‏,‏ ولأنه قاض جديد فقد آثر الرقابة الذاتية لأنه أدرك أنه سيواجه حملة ادانة دولية تشنها الجماعات اليهودية المنظمة ومع ذلك فإنني متعاطف مع القاضي الذي كان في موقف بالغ الصعوبة‏.‏

هل تلمح الي أنه تعرض لضغوط؟
ـ نعم‏.‏ كانت هناك ضغوط كثيرة للغاية‏.‏ انها الصحافة ـ وليس شخصا بعينه ـ هي التي مارست الضغوط طوال المحاكمة‏.‏ وكان عداء الصحافة ضدي يتصاعد يوما بعد يوم‏,‏ وعندما سجلت للقاضي احتجاجي علي موقف الصحف الذي بلغ حد اهانة القضاء‏,‏ أكد القاضي أن هذه الحملات لن تؤثر عليه‏.‏ وقال انه قادر علي تجاهل مقالات الصحف التي كانت مشحونة بالكراهية ضدي‏.‏

هل هذا يعني أنك كنت تتوقع ذلك الحكم؟
ـ‏ صمت ايرفنج برهة وبدا كأنه يبحث عن اجابة عن سؤال مباغت‏)..‏ لا فقد كنت أتوقع الانتصار بنسبة‏80‏ في المائة‏.‏ ولذا فقد تملكني الاحباط لمدة خمس دقائق بعد علمي بالحكم‏.‏ وكنت قد وصلت من الولايات المتحدة صباح يوم الاثنين الماضي وتوجهت مباشرة الي مبني المحكمة حيث تمكنت من الحصول علي نسخة من الحكم قبل صدوره بأربع وعشرين ساعة‏.‏ ومرت عيناي سريعا وأنا في التاكسي عائدا الي بيتي علي أوراق الحكم التي تجاوزت‏300‏ صفحة وعرفت من السطر الأخير فقط أنني خسرت‏,‏ وتأكد لي لحظتها أن هذا هو أسلوب المعركة‏,‏ وان علي أن استأنف الحكم‏.‏

بيض‏..‏ وإهانات‏!‏
هذه إذن الخطوة التالية؟
ـ بالتأكيد‏.‏ فسوف أستأنف الحكم وفق الاجراءات القانونية خلال أيام‏.‏ وعلي كل حال فهذا هو ما كان سيفعله الطرف الأخر لو كان قد خسر القضية‏.‏ والفارق ان الآخرين لديهم أموال طائلة‏,‏ وهو ما كشفت عنه صحيفة جوفيش كرونيكال الاسبوع الماضي عندما أشارت الي أن محاميي الطرف الآخر تدفقت عليهم الأموال من شخصيات يهودية معروفة مثل ستيفن سبلبيرج مخرج هوليود الشهير وادجار بروفمان وابراهام فركسمان وغيره من قادة يهود أمريكا الذين انفقوا ملايين الجنيهات الاسترلينية حتي يضمنوا هزيمتي‏,‏ وحتي الشهود الذين استعان بهم الدفاع حصل بعضهم علي مئات الآلاف من الجنيهات‏..‏ وهذه ليست عدالة

من الذي فاز ومن الذي خسر من هذه الجولة؟
أنا الذي فزت لعدة أسباب بسيطة‏,‏ ففي اليوم الأخير من المحاكمة حشد الجانب الآخر في القضية عشرات من الغوغاء خارج قاعة المحكمة وقذفوني بالبيض وبصقوا علي‏.‏ وعندما دخلت الي المبني بعد هذه الاهانات العلنية سيطر علي للحظة شعور بالانتصار‏,‏ فهؤلاء الأغبياء لم ينتبهوا الي أن هذه الصور سوف تبث علي شاشات التليفزيون في كل أنحاء العالم‏.‏ أما أنا فكل الذي فعلته هو أنني ناقشت الآخرين ولم أبصق عليهم‏,‏ فهذا لايحدث في المجتمعات المتحضرة‏.‏
وفي الوقت نفسه فإن الحكم قد حطم الأبواب التي حالت بيني وبين الاعلام‏,‏ وهذا منحني احساسا بالانتصار بتغلبي علي آلة الدعاية الضخمة التي كرست جهودها لتحطيمي‏,‏ ومنذ صدور الحكم لم أعد أعاني العزلة والمقاطعة‏,‏ فالاتصالات الهاتفية ورسائل البريد الالكتروني لم تنقطع ومحطات التليفزيون الكبري لم تتوقف عن طلب مقابلتي‏,‏ كما أصبحت قضيتي تتصدر الصفحات الأولي ونشرات الأخبار بالتليفزيونات بداية من الولايات المتحدة‏,‏ مرورا باستراليا حتي نيوزيلندا وايرلندا‏.‏

الأرض ستظل كروية‏!‏‏
وماذا عن الداخل‏..‏ بريطانيا؟
ـ لقد اتهمتني الصحف بأوصاف كثيرة منها الكذب برغم أن التعبير لم يرد علي لسان القاضي‏,‏ غير أنني لم أعبأ‏,‏ فقد كنت واثقا من أنني سوف أتمكن من مخاطبة ملايين البريطانيين العقلاء‏,‏ وتولدت لدي قناعة بأن كثيرين سيقولون‏:‏ لنتوقف لحظة‏..‏ إن هذا ليس الشخص الرجل الذي تتحدث عنه الصحف ليتحقق بذلك عكس النتيجة التي سعي اليها اليهود منذ سنوات طويلة‏.‏

ولكنهم يرون أنك محطم الآن؟
ـ هل أبدو مدمرا الآن أمامكم‏!!‏

ربما يتصورون أنك دمرت ماليا‏..‏
ـ نعم فالأمر كذلك وفق تصور اليهود‏,‏ فالذهب عندهم كل شيء والمال أهم حتي من الأولاد‏,‏ ورغم أنني قد أجد نفسي مطالبا بسداد نحو مليوني جنيه استرليني مصاريف المحاماة والتقاضي فإنني في أفضل حالاتي المعنوية‏,‏ ودعوني أقول لكم أنني قلت لصحفي أمريكي من واشنطن بوست‏:‏ صحيح انني خسرت الجولة إلا أنني خرجت منها بسمعة أفضل‏.‏

من الذي يملك الحكم علي صحة وقائع التاريخ‏..‏ المحكمة أم الضحايا‏..‏ أم الإعلام؟
ـ المحكمة ليست المكان الملائم لتقرير الحقائق التاريخية‏,‏ أما الضحايا فقد تعرضوا للمعاناة وبالضرورة لابد أن يكونوا متحيزين بعد الحروب ولاسيما الحرب العالمية الثانية‏.‏ ولو كنت أنا شخصيا في معسكر أوشفيتز فكنت سأفعل مثل هؤلاء الضحايا وأردد معهم الروايات التي يسهم الخيال بدور كبير فيها‏,‏ والتي ضخمت الوقائع فيها تحت وطأة مشاعر التعاطف بين الناس‏.‏
ولقد سألت أحد شهود الدفاع في القضية‏,‏ وهو خبير حفظ المعلومات فان بيلت الذي تقاضي من الطرف الآخر‏109‏ آلاف جنيه استرليني عن عدد الناجين من المعسكر‏,‏ فقال لا أعلم‏..‏ ولم يستطع اعطاء أي رقم ولو تقريبيا فضلا عن أنه ليس هناك شاهد أو دليل أو وثيقة مكتوبة واحدة ولا أي شيء يؤكد وجود غرف الغاز التي أحرق فيها اليهود كما يروجون‏.‏

كثيرون زاروا معسكر أوشفيتز وأنا بنفسي شاهدت هناك صورا لليهود في معسكرات الاعتقال النازية؟
ـ هذه الصور مجرد لقطات منفصلة وليست هناك صورة متكاملة لغرف الغاز المزعومة‏.‏ فالصور التي رأيتها أنت والآخرون تظهر أشخاصا ذاهبين الي مكان ما ليس بالضرورة هو غرف الغاز‏.‏

ولكن الصور تعكس الحالة المأساوية التي كانوا عليها‏..‏
ـ يمكنك أن تري أيضا الناس في نفس الحالة المأساوية في فلسطين‏..‏ أليس كذلك؟‏..‏ وكل ماتراه في ذلك المعسكر هو بقايا وأشياء مهملة وأحذية ونظارات وملابس‏,‏ ومن الممكن أن يكون كل هذا لأي أشخاص آخرين‏,‏ وقد عرضت علي المحكمة وثيقة تثبت أنه بعد انتهاء الغارات الجوية علي درسلن في فبراير عام‏1945‏ تم جمع أطنان من الملابس التي كان يرتديها ضحايا الغارات قبل دفنهم‏..‏ وما شوهد من متعلقات وملابس قيل أنها لضحايا غرف الغاز يمكن أن تكون قد جاءت من أي مكان آخر‏.‏

من في رأيك يقف وراء التزييف المتعمد لتاريخ ماحدث؟
ـ الحكومة الشيوعية في بولندا بعد الحرب كان لها مصلحة في تلفيق الوقائع‏,‏ وهم يعترفون الآن بأن غرف الغاز التي يشاهدها السياح لم تبن إلا في عام‏48‏ أي بعد الحرب بـ‏3‏ سنوات‏!.‏
لقد كانت تلك المزاعم احدي وسائل الحرب الباردة وبالتدريج أصبحت مشروعا تجاريا مغريا وأحد أكبر المعالم السياحية وهو ما وصفته من قبل بأنه أصبح واحدة من مدن ديزني لاند رغم مايبدو من قسوة التشبيه‏.‏

لم تجب بعد علي السؤال‏..‏ من الذي يملك الكلمة الأخيرة في تحديد ما هو التاريخ الحقيقي؟ القضاة أم المؤرخون أم الضحايا أم الإعلام؟
ـ الجميع معا في مجتمع حر عليهم أن يحددوا حقيقة التاريخ‏.‏
واعتقادي أن المحاكم لايمكنها أن تحسم المسألة وهناك سوابق تثبت أنها أسوأ جهة يمكنها معالجة هذا النوع من الخلاقات في رؤية التاريخ مع التسليم بالاستقلال الكامل للقضاء في بريطانيا‏.‏
فالحقيقة تجد طريقها في النهاية‏,‏ ولكن من الأفضل أن يحدث ذلك بدون الأموال التي يضخها سبيلبرج ورفاقه ليدفعوا الحقيقة في هذا الاتجاه أو غيره‏,‏ بلا ضغوط وبلا تحريض أو اهانات ضد أي شخص يطرح أفكارا جديدة‏,‏ وهو مايذكرني بما تعرض له جاليليو عندما حاول إقناع من حوله بأن الأرض كروية‏!‏

من يعوض الفلسطينيين؟
وما الذي يمكن أن يستفيدونه من تزوير التاريخ؟

ـ السبب الآن هو المال‏.‏ فقد أصبحت الهولوكست صناعة مربحة ورائجة‏.‏ لكن الهدف في البداية كان تحقيق وحدة اليهود في كل أنحاء العالم وتغذية الإحساس بالهوية بدعوي أن الجميع تربطهم معاناة كابدوها معا‏.‏ ولهذا فإنك تجد نفسك أمام العشرات الذين يريد كل منهم أن يحمل صفة الناجي من المحرقة حتي يحصل علي تعويض‏.‏
وفي المقابل لابد أن تسأل نفسك ـكعربيـ هل حصل الفلسطينيون مثلا علي أي أموال تعويضا عن المعاناة التي تكبدوها‏.‏ والأغرب أن اليهود الحاليين لم يعانوا‏.‏ الذين عانوا هم ضحايا فترة الحرب‏..‏ فلماذا يطالب هؤلاء بالتعويضات‏!‏

هل أنت نادم‏..‏ هل ستختار الطريق نفسه إذا كان بيدك الآن العودة إلي نقطة البداية‏!‏
ـ لدي بالتأكيد مشاعر أسف‏.‏ لكنني لن أكرر ما فعلته‏.‏ وإذا جاء إلي الآن قادة اليهود الذين مولوا المعركة ضدي وسألوني‏:‏ مستر إيرفينجـ هل أنت مستعد لسحب كل ما فعلته والاعتراف بخطئك؟ لن يكون لدي سوي شرط واحدـ سأقول لهم‏:‏ إذا ضمنتم لي أن أعود إلي حيث كنت قبل كل هذه الدوامة‏..‏ قولوا لي فورا أين تريدونني أن أضع توقيعي‏!‏

أخطاء المعركة
هل تسلم الآن بأنك ارتكبت أخطاء في هذه المواجهة؟
ـ خطئي الأكبر هو أنني ألفت كتابا عن هتلر‏,‏ بالدرجة نفسها من الموضوعية التي يمكن أن أستخدمها في كتب أخري‏.‏ فأنت بإمكانك أن تكتب بموضوعية كل ما تريد عن أي شخص آخر‏,‏ ولكن ليس هتلر‏,‏ الذي يري البعض أنه من المحظورات وأنه يجب أن يبقي نموذجا للشر وشيطانا إلي الأبد في عيون الجميع‏!‏

وماذا يمكن أن تفعل لتصحح الموقف؟
ـ طموحي القديم‏,‏ وبلا تفكير‏,‏ هو أن أرجع من جديد ذلك الطالب الجامعي الذي كان يعمل في البناء في بيوت لندن قبل نهاية الخمسينيات‏.‏ كنت أيامها بلا هموم ولا مسئوليات‏.‏ أعود متعبا برأس خال من المشاغل وبحفنة جنيهات تكفي أسبوعا بأكمله‏.‏ أيامها لم يكن أحد يصرخ فيها في وجهي وكل ما أملكه هو يدان يغطيهما غبار التعب النبيل‏.‏
وإذا سألت نفسي الآن‏:‏ هل كان ما فعلته مفيدا؟ اكتشفت أنني أريد قبل أي شيء آخر أن أستأنف حياتي مرة أخري وأعود لإكمال الكتب التي بدأتها وأكره الظروف التي تمنعني من أن أفعل ذلك وتضطرني للوقوف أمام القضاء‏,‏ أمام طرف أقوي يدخل المعركة مسلحا بستة ملايين من الجنيهات‏,‏ بينما لا أجد في جيبي ستة بنسات‏.‏
جون ساكر المسئول الإعلامي بمجلس النواب اليهودي‏,‏ قال لـالأهرام أخيرا إنك أنت الذي جلبت المشكلات علي نفسك‏..‏ ولابد أن تدفع ثمن ما فعلت؟
ـ أعرف جيدا أن تأثير هذا المجلس في بريطانيا‏.‏ والمؤكد أنهم سيواصلون تشويه سمعتي كما فعلوا من قبل‏.‏ وقد تم ترحيلي من كندا عام‏1962‏ بفعل تقارير الملاحقة المخابراتية التي قدمها المجلس بما في ذلك اتهامي بأنني أتلقي أموالا من الخارج أو الزعم بأنني قتلت زوجتي الأولي‏.‏ ومع ذلك فإن أعضاء المجلس يعلمون أنني لن أنخدع بكل سطوتهم‏.‏ ولم يكن قراري اللجوء إلي القضاء إلا محاولة للدفاع عن نفسي في مواجهة محاولات التدمير‏.‏

حملات مطاردة السحرة‏
كيف تري احتمالات تسليمك إلي ألمانيا؟
ـ لن أخدع نفسي‏..‏ الاحتمال جاد وقائم ويمكن أن يصبح أمرا واقعا إذا ما خسرت القضية‏.‏ وفي سبتمبر المقبل عندما تمر‏10‏ سنوات علي الخطاب الذي أكدت فيه لأول مرة أن الهولوكست مجرد أكذوبة‏,‏ يمكن أن أجد نفسي فجأة في طائرة متجهة إلي فرانكفورت‏..‏ وساعتها ستكون نهاية حياتي العملية‏.‏
وصدقوني أن هناك الآلاف ـإن لم نقل الملايينـ من اليهود الذين يبذلون أقصي جهدهم لتحقيق ذلك بالضبط‏.‏ لقد رأيت خطابات موجهة من مجلس نواب يهود بريطانيا إلي السفارة الألمانية‏,‏ والسفير النمساوي للمطالبة باعتقالي‏,‏ وسألت نفسي‏:‏ أي نوع من الإنجليز ذلك الذي يسمح لنفسه بتحريض حكومة أجنبية علي اعتقال واحد من أبناء وطنهم‏.‏
وفي المقابل تلقيت مئات بل آلاف من رسائل التأييد والتشجيع من مثقفين وساسة وأساتذة جامعة من عشرات الدول بما في ذلك ألمانيا‏.‏ لكن خيبة أملي كبيرة لأن العرب لم يقفوا بجانبي كما ينبغي في هذه المعركة‏.‏ فما يحدث لي يشبه بالضبط الحملات القديمة التي كانت تخرج فيها قرية بأكملها لمطاردة السحرة وإحراقهم‏.‏

إذا ما حدث الأسوأ‏..‏ كيف ستدبر المبلغ المطلوب لتسديد نفقات القضية؟
ـ هذه الأمور يجب ألا تناقش علنا‏.‏ فكل ما يمكن أن أكشف عنه فيما يتعلق بالتمويل يمكن أن يستفيد منه الخصوم الذين يحاولون بالتأكيد الاستفادة من كل معلومة ممكنة لكسب القضية‏.‏ والأصدقاء الذين يريدون مساعدتي في العالم العربي بإمكانهم الدخول إلي مدخل علي شبكة الإنترنت واختبار السبل التي يمكنهم بها مساعدتي بالخبرة أو بالمال‏..‏ لأن المسألة ستكون أصعب بالتأكيد في الاستئناف‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب