|
|
|
رسالة مونتريال : مصطفي سامي
|
 | | جان كريتيان |
لم تبالغ المعارضة في مجلس العموم الكندي عندما طالب أعضاؤها جان كريتيان رئيس الوزراء, الذي يقوم بزيارة الشرق الأوسط الآن, بأن يقطع رحلته, ويعود فورا الي أوتاوا, فقد ارتكب كريتيان في الأيام الثلاثة الأولي من رحلته عددا من الأخطاء وضع بها السياسة الخارجية الكندية في مأزق مع العرب بل وأطاح بتصريحاته غير الدبلوماسية الموالية لاسرائيل, والتي امتدحها حكامها, مبدأ مهما في السياسة الكندية تجاه الشرق الأوسط, وهو الحياد ورفض العدوان واستخدام القوة المسلحة في حل الخلافات. جانب جان كريتيان التوفيق أكثر من مرة, وتغلبت للأسف علاقاته مع اليهود علي محاولة التظاهر بالتوازن منذ بدء رحلته الي الشرق الأوسط, عندما رفض أن يزور القدس الشرقية ولم يقبل دعوة فيصل الحسيني, بينما قدم للدولة اليهودية جمع المجاملات والاعتذارات لارضائهم! ثم وقع أو أوقعه حكام اسرائيل في خطأ فادح عندما أعلن أن من حق اسرائيل أن تحتفظ ببحيرة طبرية وبمياه الجليل. والواقع أن كندا وحتي زيارة كريتيان للشرق الأوسط- تأتي في مقدمة الدول الصناعية السبع, التي تحاول أن تتخذ مواقف سياسية الي حد كبير متوازنة تجاه الصراع العربي الاسرائيلي الطويل, وتسعي الدبلوماسية الكندية منذ أن بدأ هذا الصراع الي الوقوف علي الحياد تجاه الأحداث والانتهاكات التي تقوم بها اسرائيل ضد العرب حتي لا تغضب الدول العربية الصديقة, وتتفادي في الوقت حملات الهجوم من اسرائيل, ومن لوبي يهودي قوي ومنظم وشديد الانتماء لاسرائيل في كندا. ولأن اسرائيل هي علي الدوام المبادرة بالعدوان علي العرب, فموقف الحياد وعدم الاعتراف بالعدوان من جانب كندا لم يكن يرضي حكامها الصقور بل ويثير غضبهم وهجومهم علي أوتاوا, بل كان يتعاوض أيضا مع مواقف جيرانهم وحلفائهم الأمريكيين المساندين لاسرائيل في كل حروبها واعتداءاتها علي العرب. كان يجب علي جان كريتيان قبل أي يؤذي مشاعر الفلسطينيين, ويجامل المعتدين علي حساب الضحايا, أن يراجع مواقف وزارة خارجية أوتاوا, وأن يتصل بوزير خارجيته لويد أكسورثي بطل حقوق الانسان, والذي كان المرشح الأول للحصول علي جائزة نوبل للسلام في العام الماضي لجهوده الدولية في صنع اتفاقية منع استخدام والاتجار في الألغام الأرضية, ولكن يبدو أنه في غمرة تأثره بالترحيب الحار من حكام اسرائيل به وبقرينته, نسي المباديء التي وضعتها الخارجية في أوتاوا, علي مدي سنوات طويلة, ولم يتصور أنه بهذا المسلك غير الدبلوماسي يفتقد احترام حق الشعوب والاحساس بآلام الفلسطينيين, بل وبأبسط مباديء العدالة, سوف يثير غضب جالية عربية في كندا يزيد عددها علي ثلاثمائة ألف عربي وجالية اسلامية يقترب عددها من ستمائة ألف, بالاضافة الي حكام وشعوب خمس دول عربية صديقة لكندا من المفترض أن يلتقي بهم في رحلة الشرق الأوسط التي بدأها بزيارة اسرائيل, بالاضافة الي إهانة الفلسطينيين ضحايا الضحايا كما يطلق عليهم ادوارد سعيد. لكن عدم زيارة القدس الشرقية, وتقديمه تبريرات غير مسئولة, لا يقارن بما أحدثه في اليوم الثالث والأخير لزيارة تل أبيب وقبل أن يستقل الطائرة الي القاهرة من تصريحات أثارت عليه العرب بل وغالبية الكنديين, فقد أعلن أن الدولة اليهودية من حقها أن تحتفظ ببحيرة طبرية وبمياه الجليل التي هي في أشد الحاجة اليها فهي المياه العذبة الوحيدة التي تحصل عليها اسرائيل! قبل ثلاثة أيام من بدء رحلته, التقيت بجان كريتيان في مكتبه بمجلس العموم, وكان كلامه محسوبا ويقيس عباراته بدقة, وقال لي إنه لا يذهب الي الشرق الأوسط ليقدم حلا لعملية السلام التي تواجه مأزقا بسبب التعنت الاسرائيلي, وهو كما لا يقبل من أحد أن يتدخل في شئون حكم كندا, فهو لا يعرض حلا للسلام في الشرق الأوسط, وأضاف كل ما تستطيع كندا أن تساهم به هو ارسال قوات دولية في الجولان بعد التوصل الي اتفاق بين سوريا واسرائيل.. ونزع الألغام التي زرعتها اسرائيل. كان كريتيان خلال حديثه معي يعبر عن السياسة الخارجية لكندا بصفة عامة, وهي سياسة ترفض العدوان والاحتلال العسكري واستخدام القوة والاستيلاء علي أراضي الدول, أما بالنسبة لسياسة كندا تجاه الشرق الأوسط, فقد كانت دائما سياسة متوازنة تبتعد بمسافات طويلة عن المساندة غير المشروطة للولايات المتحدة لاسرائيل واعتداءاتها علي العرب, والذي يرجع مواقف كندا تقف في الأمم المتحدة تجاه اعتداءات اسرائيل, سوف يري أن كندا في معظم هذه المواقف منفردة وأحيانا الي جانب فرنسا في مساندة الضحايا الفلسطينيين ضد المعتدين الاسرائيليين, لكن كريتيان في أقل من48 ساعة, أطاح بكل هذه الجهود وبهذه السمعة الدبلوماسية الطيبة لحكام كندا بدءا من ليستر بيرسون بطل السويس الذي أدان العدوان الثلاثي وأغضب فرنسا وبريطانيا وهما الدولتان الأقرب صداقة وتحالفا مع كندا. لماذا اتخذ كريتيان هذه المواقف التي أساءت الي العرب أصدقاء كندا لحساب اسرائيل؟ ولماذا بدأ مهمته في الشرق الأوسط بزراعة هذه الألغام في طريق العلاقات العربية الكندية؟ وأين المستشارون المرافقون له والسفير الكندي في اسرائيل؟! لا اعتقد أن قلة الوقت أو الاندفاع وسوء التقدير, كان السبب في عدم زيارة كريتيان القدس الشرقية, واغضاب الفلسطينيين, وتلبية دعوة فيصل الحسيني الذي كان في العاصمة الكندية أوتاوا قبل أن يغادرها جان كريتيان بأربعة أيام ليشرح للمسئولين في وزارة الخارجية هناك الانتهاكات التي تقوم بها اسرائيل لتهويد القدس والاستيلاء عليها, وبالطبع أبلغ المسئولون في الخارجية الكندية رئيس الوزراء جان كريتيان بموقف الفلسطينيين من القدس طبقا لرأي المسئول الأول عن القدس العربية في حكومة فلسطين, ومن المؤكد أنهم قالوا له إن المواقف السياسية الكندية المبدئية التي تتخذ الحياد في الصراع تقتضي منه اذا زار القدس الغربية أن يلبي دعوة الفلسطينيين ويزور القدس الشرقية, لكن كريتيان لم يستمع الي الدرس, ولم يراجع مواقف بلاده السابقة من هذا الصراع, ولم يعبأ بعلاقات الصداقة الطويلة التي تربط الدول العربية مع كندا, وجاء رده علي من سألوه أشبه بتبرير تلميذ في المرحلة الاعدادية, فقد قال عندما سأله الصحفيون عن أسباب عدم زيارته للقدس الشرقية: انني لا أعرف ان كنت في الغرب أو في جنوب أو شمال أو شرق القدس الآن!! لقد وجد الوقت متسعا لزيارة عزرا وايزمان وايهود باراك, ورئيس المحكمة الدستورية وقبر اسحاق رابين بصبحة أرملته, ثم وجد بعد ذلك أن من واجبه ان يلبي واجب زيارة متحف الهلوكوست وحرص علي أن يلتقط له المصورون الصور وعلي رأسه القلنسوة السوداء التي يضعها اليهود في العادة عند زيارة الأماكن الدينية, وبالرغم من أن الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط ذات التاريخ الأسود, والتي اعتدت علي السيادة الكندية مع سبق الاصرار هي اسرائيل, فقد قتلت الموساد جيرالد بول أشهر عالم كندي للصواريخ علي باب شقته السكنية في بروكسل يوم22 مارس1990 قبل عشرة شهور من حرب الخليج, وقد اتهموا بول بأنه يساعد العراق في تطوير أسلحتها. واكتشفت حكومة كندا منذ سنوات أن عملاء الموساد لا يستخدمون سوي جوازات السفر الكندية في عملياتهم خارج البلاد, وقدمت الخارجية الكندية احتجاجا عنيفا علي هذا العدوان علي السيادة الكندية, وكذبت اسرائيل في البداية ثم اعتذر حكامها لكندا, ووعدوا باحراق جوازات السفر الكندية التي لديهم, لكن الاسرائيليين الذين حاولوا اغتيال خالد مشعل منذ عامين بحقنه بالسم في شوارع عمان, والقي القبض عليهما كانا يحملان جوازي سفر كنديين!! ذهب كريتيان الي غزة ليلتقي بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات, وانفرد به الصحفيون الكنديون, وأعادوا سؤالهم عليه, فقال لهم إن الحل في التو صل الي اتفاقية سلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين في سبتمبر القادم, هو أن تساند حكومة كندا تهديدات عرفات باعلان دولة فلسطين المستقلة منفردا. فهذا التهديد في رأي كريتيان سوف يكون بمثابة ضغط علي جميع الأطراف للتوصل الي حل.وبالطبع أغضب هذا التصريح الاسرائيليين, وأثار عليه المتطرفون في حكومة باراك, لكن كريتيان حاول أن يراجع نفسه, ويصلح ما أفسده, ففي طريق عودته الي القدس قام من مقعده في الطائرة وجلس ليتحدث الي الصحفيين ويرد علي من سأله: هل من حق كيبيك أن تعلن منفردة الانفصال عن كندا مادام يعطي الفلسطينيين هذا الحق.؟ وطرح هذا السؤال بالطبع خطأ, لأنه ليست هناك مقارنة بين وضع الفلسطينيين وبين اقليم كيبيك الكندي, ورد كريتيان قائلا: الوضع هنا مختلف فالفلسطينيون تحت الاحتلال العسكري الاسرائيلي بينما كيبيك هي جزء من كندا.. وربما يكون هذا التصريح الذي أشعل غضب الاسرائيليين هو أصدق ما قاله كريتيان, لكن الاسرائيليين الذين يحاول أن يعبر لهم عن امتنانه وتقديره بكل الوسائل, لم يعجبهم هذا التصريح, بل هاجمه زعماء اسرائيل خاصة من المتطرفين في الحكومة وفي أحزاب اليمين بالكنيست. أثار كريتيان سؤالا من حق أي مواطن عربي أو كندي مهما تواضعت ثقافته أن يسأله, وهو: اذا كانت كندا تعتبر الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال العسكري, لماذا لا تقف كندا وهي دولة حقوق الانسان بصراحة ووضوح الي جانب الحق الفلسطيني وتطالب اسرائيل بالجلاء..؟ هاجمت أحزاب المعارضة كريتيان بعنف, وقدم فرصة ذهبية جديدة لرئيس حكومة كيبيك لوسيان بوشار الذي يطالب بالانفصال عن كندا بهذه التصريحات لأن يتهمه بالتجاوز وافتقاد الحكمة في التعامل مع قضية بالغة الحساسية, لكن كريتيان لم يعبأ بالحرج الذي أوقع فيه المرافقون له وأعضاء السفارة الكندية في اسرائيل, فواصل تصريحاته وتجاوزاته التي فاقت هذه المرة كل ما سبق, فقد أطلق صاروخا نسف به كل الحياد واللاموقف الذي حرصت عليه الدبلوماسية الكندية في الصراع العربي الاسرائيلي..! من حق اسرائيل أن تحتفظ بمياه سوريا!!! أعلن كريتيان وهو يغادر اسرائيل في طريقه الي القاهرة, قبل خمسة أيام من وصوله الي دمشق أن من حق اسرائيل أن تحتفظ ببحيرة طبرية وبمياه الجليل! لقد رافقه قادة اسرائيل وجنرالاتها الي الجولان, وقدموا له شروحا بالخرئط من وجهة نظر مصالحهم يبرر حجتهم في الاحتفاظ بمياه الجليل, وعاد كريتيان ليلتقي بالصحفيين والي جانبه باراك وشيمون بيريزليلقي عليهم هذا التصريح وابتسامة الرضا والامتنان لما يقوله رئيس وزراء كندا ترتسم علي مضيفين الاسرائيليين.. قال كريتيان علي أن شروط سوريا لانهاء حالة الحرب التي تزيد عن خمسين عاما مع اسرائيل, والتي تنص علي استعادة المياه العذبة الوحيدة التي لدي اسرائيل, هي في الواقع شروط غالية الثمن لتحقيق السلام فمن الواضح أن اسرائيل في أمس الحاجة للاحتفاظ بهذه المياه.. وواصل كريتيان شرح وجهة نظره المدمرة للعلاقات العربية الكندية فقال: إن بحيرة طبرية تحت سيطرة حكومة وشعب اسرائيل, وانني أجد أن من حقهم الاحتفاظ بها! وليس هذا التصريح الذي أعلنه كريتيان, ولقي بسببه اطراء من شيمون بيريز مجرد زلة لسان, وهو السياسي المحترف, والذي وراءه تجربة طويلة في العمل السياسي تزيد علي37 عاما. وبالرغم من أنني لا أريد أن أشارك في الحملة الاعلامية والسياسية التي تقودها ضد رئيس وزراء كندا أحزاب المعارضة داخل بلاده, وكنت أتمني أن يوفق في رحلته, وأن تحقق زيارته الأولي الي الشرق الأوسط مزيدا من التقارب والتعاون في العلاقات العربية الكندية, إلا أن كريتيان لم يترك حتي لأقرب أصدقائه بصيصا من الضوء الخافت الذي يقوده للدفاع عنه. والسؤال الآن هو: ماذا سيقول كريتيان للرئيس السوري حافظ الأسد, عندما يلتقي به يوم الثلاثاء القادم, طبقا لبرنامج الزيارة المطبوع..؟ لقد طالب بعض ممثلي أحزاب المعارضة في مجلس العموم كريتيان أن يقطع رحلته, ويعود فورا الي أوتاوا بعد أن أساء الي العلاقات بين العرب وكندا, وبعد أن ألقي ببقع من الحبر الأسود علي الصورة المضيئة التي احتفظت بها العلاقات العربية ـ الكندية علي مدي التاريخ, وبالرغم من أنني لا أوافقهم علي طلبهم وأرجو له أن يواصل رحلته في سلام إلا أنني في الوقت نفسه أخشي أن يصيب هذه العلاقات الطيبة مزيدا من الضرر, فاذا كانت الأيام الثلاثة الأولي من الرحلة, قد أحدثت كل هذه العاصفة من الغضب العربي, فماذا سوف يصيب هذه العلاقات اذا انتظرنا تسعة أيام أخري, حتي ينهي كريتيان رحلته؟ انني أخشي عليه بعد زيارته للدول العربية الخمس الأخري أن تصيبه حرارة الشرق الأوسط التي لم يعتد عليها بنوع الحمي التي قد تؤثر علي مستقبله السياسي بعد عودته الي أوتاوا, بحيث تكون رحلته الي الشرق الأوسط هي آخر رحلاته خارج كندا. ولكن حتي لا نظلم كريتيان, فرئيس وزراء كندا لا يمكن أن نضعه في المعسكر المعادي للعرب, أو أنه يقف في صف المساندين لاسرائيل بلاوعي, لكنه يحاول بسبب عدم خبرته بشئون الشرق الأوسط وبحقيقة الصراع العربي الاسرائيلي, أن يجامل جالية يهودية يمكن أن تسانده في الحملة التي يواجهها داخل حزب الأحرار ليترك قيادة الحزب لبول مارتن, أو تقف الي جانبه في المعركة الانتخابية التي تجري في العام القادم, وهي في الواقع الكندي تعد الجالية التي تنفرد بالصوت العالي, والنفوذ القوي في أجهزة المال والاعلام الكندي, وأفرادها هم أكثر يهود العالم ارتباطاوانتماء باسرائيل ويقدمون لها جميع المساعدات. تصريحات كريتيان تعبر أيضا بصدق عن غياب الجالية العربية التي يقترب عددها من عدد اليهود, لكنهم هاجروا الي كندا دون أن يتركوا في أوطانهم الأولي كل الأمراض والأخطاء التي تفرق وتمزق العالم العربي. ان كريتيان في النهاية يستحق الشفقة, فقد حاول أن يقرب من المسافات التي تفصل بين الشرق الأوسط وكندا, وانتهز فرصة رحلته الي الدول العربية واسرائيل, ليهرب من الحملات التي تطالبه داخل حزبه بالتقاعد وتسليم مفاتيح قيادة الحزب لوزير مالبته بول مارتن, لكنه أبعد المسافات السياسية بين كندا والعالم العربي, وقرب بول مارتن من مقعد قيادة حزب الأحرار وحكومة كندا.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|