قضايا و اراء

41404‏السنة 124-العدد2000ابريل16‏11 من المحرم 1421 هـالأحد

تراث ومأثورات
التراث البحري الفينيقي
بقلم : شوقي عبد الحكيم

اتهمت الشعوب والكيانات البحرية في لبنان والشام وفلسطين بإخفاء ما توصلوا إليه من علوم بحرية متفوقة عن جيرانهم ومعاصريهم‏,‏ وذلك بسبب تجارتهم الواسعة‏.‏ والغريب أن هؤلاء الفينيقيين احتفظوا بهذه العلوم وحجبوها عن جيرانهم القدماء بتسترهم وتكتمهم لما توصلوا إليه من علوم وخبرات بحرية احتكروا معرفتها وحجبوها عن بقية جيرانهم المصريين والبابليين والأشوريين وغيرهم‏.‏
ولقد عبرت الشعوب الكنغانية الفينيقية عشتر بإعتبارها آلهة بحرية طوفت في كل أنحاء العالم الفينيقي البحري أو الساحلي‏,‏ رفقة بوصيدون ـ نبتون ـ وبشكل محدد فإن هذه الحضارة الساحلية البحرية الفينيقية‏,‏ خلقت آلهتها البحرية‏,‏ ومن هنا أصبحت بيروت مركزا هاما لتأليه البحر‏,‏ فكان الكبيران الهين بحريين كما أن عشتروت نفسها آلهة خرجت من زبد البحر‏.‏ وينسب البوصيدون بكر كنعان أنه أول من تسلط علي البحر بأمر من أبيه ايل أوكرونس‏.‏
ونظرا لأن هذه المجموعة من الأقوام والقبائل الكنعانية‏,‏ كانت شبه مبددة‏,‏ أي أنها لم تصل إلي الدرجة من التوحد والالتئام الذي سارت فيه حضارات الشعوب الزراعية او حضارات والات الانهار المتحافة في دلتا مصر والعراق وفارس والهند‏,‏ فهي لم تتخط حضارات المدن الدول‏,‏ وهو ما كانته الحضارة السومرية التي ترجع إلي الألف الرابعة ق‏.‏م‏,‏ أو ما أصبحته الحضارة المينوية الموكونية والتي توارثتها حضارات المدن الهلينية الدول في اثينا وآرجوس‏,‏ وطروادة‏,‏ وعلي هذا فلقد كان لكل مدينة من المدن الفينيقية تراثها الأسطوري المتميز والمتوحد ـ إلي حد متميز ذات الوقت‏.‏
وكما ذكرنا فإن الفينيقيين ما هم إلا الشعوب البحرية في إطار البنية الكنعنانية ـ سوريا لبنان فلسطين الأردن ـ التي تكونت في العصور التاريخية المبكرة من الهجرات السامية‏,‏ والتي نزحت واستقرت فيما بين بادية الشام أو الصحراء الأدومية‏,‏ وشواطئ البحر المتوسط‏.‏
لذا فإن المثيولوجيا الفينيقية التي ظلت لفترة طويلة مستغلقة بالنسبة لنظيراتها الاشورية البابلية‏,‏ أو المصرية الفرعونية‏,‏ أو الايرانية الفارسية‏.‏ إلي جانب الاكتشافات إلي أن جاءت الاكتشافات الحفائرية الأخيرة فأجلت وأوضحت الكثير من الغموض‏,‏ خاصة حفائر بيبلوس أوجبيل لبنان‏,‏ ورأس الشمر اقرب اللازقية ـ بسوريا‏,‏ وأخيرا اكتشافات مدينة ايبلا‏.‏
وأقدم النصوص الفينيقية المكتشفة تتعاصر مع الدولة القديمة في مصر أي منذ مطلع الألف الثالث ق‏.‏م اكتشفها في فينيقيا الحفر الفرنسي بيبر موتيه في حفائر بيبلوس الإغريقية والتي لا تزال تسمي إلي اليوم جبيل بشمال بيروت‏.‏
وأهم ما أوضحته نصوص جبيل هذه هو مدي الارتباط الشديد بين التراث الفينيقي والتراث المصري الفرعوني‏.‏ أما المجموعة الثانية من النصوص الأسطورية العامة‏,‏ فأضطلع بها العالمان الأثريان شافيروشيني عام‏1929‏ بخرائب أوجاريت وهو ما يعرف موقعها اليوم برأس الشمرا بالقرب من اللاذقية وترجم نصوصها غورلو التي نشرت بدوريات سوريا المختصة ودوريات تاريخ الأديان السابية‏.‏
أما المصدر الثالث للمعرفة بالتراث الأسطوري والفولكلوري الفينيقي فكانت كتابات وأعمال فيلو الجبيلي او البيبلوسي ـ أو الدمشقي ـ بالمقارنة طبعا للمصادر التوراتية‏,‏ والأشورية والفرعونية‏,‏ ثم قرطاجة التونسية التي استطونها الفينيقيون منذ أقدم العصور ـ وتؤيد الكشوف الحفرية في هذه الجزيرة قرطاجة ـ أنه كان للفينيقيين سكان مدينة صيدا‏,‏ إله يسمي صيدا‏,‏ وآخر يعرف بصيدون كان يكتب اسمه علي نقود المدينة الدولة صيدا‏:‏ وهو من نسل صيدون إبن أجبت أي الاجيبتيين أو المصريين كما يقال أن صيدون هدا جاء من مصر إلي فينيقيا أول ما جاء‏,‏ وهزم القبائل الكنعانية التي تسمي بأرض فلسطين‏,‏ واستوطنها وبني فيها مدينة صيدا‏.‏

الرأي العام العالمي وعودة الوعي
يبدو أن صحوة جديدة أصبحنا نشهدها ونتنسم هواءها الذكي المشبع بالحرية التي طال انتظارها‏,‏ تجيئنا هذه المرة من جانب الرأي العام العالمي الذي اعتقدنا في السنوات العشرين الأخيرة أنه تلاشي مندثرا إلي حد الموات في مواجهة الأحداث العدوانية الظالمة الباطشة التي جاء بها النظام العالمي الجديد بل ومن قبله في عدوانه المتكرر علي بيروت منذ عام‏82,‏ وفي الأناضول والعراق والصومال‏,‏ دون أن نسمع صوتا عريضا لشعوب العالم يعادي هذا العدوان وقصف البشر الآمنين في أوطانهم وديارهم في ردة مظلمة إلي الغابة‏,‏ دون أذي رادع حتي من المنظمات الدولية الحامية لحقوق الانسان‏.‏
إلا أن طاقات الأمل واشعاعاته تجئ هذه المرة من صفوف شعوب العالم ورأيه العالم العالمي من بسطاء وكادحين استنفزهم الظلم والعدوان‏,‏ وكانت البداية الحقة منذ بضعة أسابيع ومن أين من موطن الظلم والبطش ذاته من أمريكا‏,‏ حين تصدي الرأي العام في سياتل لافشال وسحق مؤتمرها المؤامرة الي حد لم يصدر عنه قرار وكأنه لم يكن‏,‏ لقد وضع المتظاهرون الذين جاءوا من كل ولايات أمريكا وخارجها القيود والجنازير والحجلات الحديدية في أقدامهم منعا للفرار من مواجهة القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي لتفريق مظاهرات سياتل العارية التي قوضت مولد نظام عالمي استعماري اقتصادي جديد ضد الأغلبيات من شعوب العالم‏.‏ التي يطحنها طحنا الجوع والمرض والبطالة وعوز لقمة العيش‏,‏ فكانت أن تحركت الجموع الجوعي في أكثر من عاصمة لتلقي بذلك المؤتمر المشبوه في زوايا النسيان‏,‏ ونفس الشئ حدث منذ أيام في سويسرا‏.‏
إلي أن جاءت الصحوة الكبري واستيقاظ الرأي العام وضميره اليقظ‏..‏ وأين في الكونجرس الأمريكي ومجلس شيوخه ومن جانب الحزبين الكبيرين الديمقراطي الحاكم ومعارضه‏,‏ لم تجئ من فراغ بل فرضها فرضا الرأي العام لايقاف الابادة ضد الشعب العراقي الذي يطحنه العدوان منذ عشر سنوات متصلة‏,‏ مما أودي بحياة مليون ومائة ألف طفل‏,‏ وأصاب بالعقم بضعة مئات الألوف من الأمهات العراقيات‏,‏ مضافا إلي هذا القتل والتشريد والعجز الذي شمل رحاب العراق وشماله ووسطه وجنوبه من القصف الهمجي لمنشآت البنية التحتية الحياتية للعراقيين‏.‏
فاستجابة للرأي العام الأمريكي هذه المرة ـ وليس العربي طالب النواب بوقف العدوان‏,‏ ورفع الحظر المبيت علي العراق بما يذكرنا بدوره أيام حرب فيتنام‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب