|
|
|
|
|
عندما بدأت كل من سوريا وإسرائيل في الجلوس علي مائدة واحدة وفي مفاوضات مباشرة في شيبردز تاون, كان المطلب السوري واضحا وهو أن تكون هذه المفاوضات تحت إشراف مباشر من الإدارة الأمريكية وألا يقتصر الدور الأمريكي علي كونه مجرد راع بعيد عن ممارسة دور ايجابي, وقد جاء هذا المطلب باعتبار ما كان قد تلقاه الرئيس حافظ الأسد من تأكيدات أمريكية خلال المباحثات الهاتفية بينه وبين الرئيس الأمريكي وهو الأمر الذي دعا الأسد لأن يوافق علي بدء مثل هذه المفاوضات. وعندما توقفت المحادثات إثر ارتطامها بقضية الحدود والمياه أعلن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أنه غير متشائم إذ لم يبق من الاتفاق بين الطرفين سوي10% ليكتمل الاتفاق.. وما لم يقله الرئيس الأمريكي هو أن هذه النسبة التي تمثل عشر الاتفاق هي أهم نقاطه وهي مسألة حدود4 يونيو1967 والسيطرة علي مياه بحيرة طبرية وهو الأمر الذي جعل باراك رئيس وزراء إسرائيل يبدأ مناوراته باعترافه بأن هناك ما يسمي بوديعة رابين التي كان ينكرها, لكنه وفي خلال اجتماعه مع مجلس وزرائه والذي نشرت الصحف الإسرائيلية تفاصيله في حينها(28 فبراير الماضي) قال باراك إنه يقبل بالعودة إلي حدود4 يونيو ولكن بشرط تمسك إسرائيل ببحيرة طبرية كلها بحيث لا يكون في مقدور السوريين الوصول إليها. وهو ما اقتضي عدة اتصالات سرية بين السوريين والإدارة الأمريكية أسفرت عن الاعلان عن لقاء مباشر بين كلينتون والأسد في جنيف بعد أقل من شهر من الوساطات غير المعلنة لإعادة فتح الطريق أمام المفاوضات المباشرة بين الطرفين, وهو الأمر الذي جعل المراقبين يميلون إلي اعتماد نبرة التفاؤل. قد كان هذا التفاؤل نابعآ من اعتبارين أساسيين.. الأول هو أن الرئيس حافظ الأسد لم يكن ليتحرك من دمشق للقاء كلينتون في جنيف ما لم تكن الإدارة الأمريكية قد أكدت له امكانية نجاح مهمته.. أما الأمر الثاني فإنه لم يكن بمقدور الرئيس الأمريكي أن يلتقي بالأسد دون أن يكون بين يديه تأكيدات محددة من رئيس وزراء إسرائيل حول قضية الانسحاب إلي حدود يونيو1967 وقضية المياه ولأن الإدارة الأمريكية تعرف تماما أن زمام الأمر في سوريا مازال في يد الرئيس الأسد, وأن الرئيس الأسد هو أكثر الناس معرفة بما تريده بلاده, فقد كان المتوقع ـ منطقيا ـ أن يسفر لقاء كلينتون ـ الأسد عن انفراجه كبيرة تسمح باستئناف المفاوضات بين الطرفين وهو ما لم يحدث, إذ أن الرئيس الأمريكي لم يحمل في جعبته ما يقدمه للرئيس الأسد من جديد, فكل ما قدمه هو قديم تل أبيب والذي يمكن تلخيصه في عبارة واحدة.. كل الأرض للسوريين وكل المياه لإسرائيل وهو الأمر الذي رفضه الرئيس السوري بشدة خاصة أن كلينتون نقل إلي الأسد وجهة النظر الإسرائيلية التي تقول ما نختلف عليه نلجأ فيه إلي التحكيم الدولي وهو ما رد عليه الرئيس السوري بأن مجرد التفكير في اللجوء إلي محكمة العدل هو تشكيك في ملكية سوريا لأراضيها.. لقد خرج الأسد من هذا اللقاء ـ كما يقول السوريون ـ بإحساس أنه يناقش باراك وليس رئيس الدولة العظمي الراعية والوسيط. وإذا كان الرئيس الأمريكي قد غادر جنيف وهو يكرر عبارة الكرة الآن في الملعب السوري, فإن حكومة باراك أول من تلقف هذه العبارة لتسويقها واستغلالها ضمن مناورة تستهدف تحميل سوريا المسئولية الكاملة في فشل مفاوضات الطرفين وهو ما يتيح لإسرائيل ممارسة الضغوط سواء السياسية أو العسكرية لفصل المسار السوري عن المسار اللبناني بحيث يمكنها رفع العنصر الضاغط الذي تستخدمه سوريا في جنوب لبنان, ولعل اعلان إسرائيل انسحابها من الجنوب اللبناني قبل نهاية يوليو المقبل وإبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة بهذا الأمر هو بداية ممارسة هذه الضغوط. ولكن السؤال.. هل سوف تستطيع هذه الضغوط التي تحاول إسرائيل ممارستها وبشكل مبرمج أن تقضي علي التلازم بين المسارين السوري واللبناني؟ حقيقة الأمر والذي تعرفه كل الأطراف أن القبول بمنطق فصل المسارين سوف يشعل النيران في المنطقة, فعلي الرغم من أن إسرائيل قد عقدت اتفاقياتها مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية, فإنها بالقطع تضع في حساباتها ردود الفعل العربية إذا تعرضت لبنان أو سوريا لأية عمليات عسكرية, ولعل اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت بعد قصف الطائرات الإسرائيلية للمدينة كان مجرد إنذار مبدئي قد تعقبه أشكال أخري من ردود الأفعال العربية في حالة تكرار ما حدث من اعتداء علي الأراضي اللبنانية.. واللعبة في مجملها ليست سهلة في ظل المعطيات الآنية علي الساحة. ففي واشنطن كلينتون يسعي إلي لملمة بقايا أيامه في البيت الأبيض في محاولة لتحسين صورة سياسته وتعويض ما لوث ثوبه عبر عدة فضائح ليست آخرها مونيكا.. وحزب كلينتون يطلب ود اليهود في الولايات المتحدة من أجل أن يقفز آل جور إلي مكتب الرئاسة في البيت الأبيض. بينما باراك في إسرائيل يحاول اللعب علي كل الحبال.. يريد السلام بمفهوم خاص, بل ويريد ثمن انسحابه المنقوص أيضا. وباراك في تل أبيب يناور بالانسحاب من جنوب لبنان ويقدم لعبته بدهاء ومكر واضحين هروبا من المسار السوري من ناحية وضغطا من أجل تحقيق أهدافه التي ترضي الائتلاف الحاكم هناك من ناحية أخري. أما حافظ الأسد في دمشق فهو يمسك بزمام لعبته التي بدأها منذ23 عاما والتي تتلخص في عدم التفريط في شبر من الأرض مهما يكن الثمن. ففي دمشق يدركون أن من صبر علي احتلال أرضه قرابة ربع القرن يستطيع أن يمارس مزيدا من الصبر حتي لا تضيع الأرض والكرامة والكلمة الأخيرة هي الكلمة التي لم يفهمها الأمريكيون وفي مقدمتهم أولبرايت التي سألت الشرع عن معناها! أما اللبنانيون فهم يدركون تماما أن انفصال المسار اللبناني عن المسار السوري سوف يكون بمثابة كارثة لهم, وقد ظهر ذلك جليا في التصريحات اللبنانية التي تناثرت هنا وهناك والتي لم يكن آخرها ما قاله زعيتر وزير الدفاع اللبناني حول مشاركة سوريا في حماية حدود لبنان وهو التصريح الذي اعتبرته سوريا في أبسط تعبير تصريحا غير مسئول! هذه هي الصورة علي الساحة من واشنطن إلي قلب منطقة الصراع. وهي صورة لا توحي في مظهرها الخارجي بأي شكل من أشكال التفاؤل.. وإن كان باب العودة إلي مائدة المفاوضات بين الجانبين لم يوصد بعد.. ذلك أن كل ما حدث ويحدث هو مجرد أوراق ضغط من أجل العودة إلي التفاوض.. فالسلام بين كل الأطراف لن يبقي مجمدا إلي الأبد خاصة وهو يقترب من محطته الأخيرة.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|