قضايا و اراء

41404‏السنة 124-العدد2000ابريل16‏11 من المحرم 1421 هـالأحد

علي هامش المسار السوري الإسرائيلي‏(2)‏
بقلم : السفير نصر مهدى

يجد المراقب لتطور مباحثات السلام منذ بدايتها علي المسار الفلسطيني‏,‏ وفي ظل النظام العالمي الجديد وآليات العولمة‏,‏ ان منطق القوة هو صاحب الصوت الأعلي والآمر المطاع‏,‏ وان قوة المنطق هي سلاح صاحب الحق الذي لا يملك سوي السير في طريق الحلول الوسط‏,‏ التي عادة ما تنتهي بتوقيع اتفاقات وتقديم تعهدات لا تحترم عند التنفيذ‏,‏ لذلك نجد انه رغم جلوس الأسرائيليين والفلسطينيين علي مائدة مفاوضات واحدة‏,‏ الا ان افكارهم لا تلتقي مطلقا‏,‏ فنظرا لشعور الاسرائيليين بتفوقهم الساحق ليس علي الفلسطينيين فحسب‏,‏ بل علي كل العرب وتسليم العرب بذلك التفوق‏,‏ نجد ان فكر الاسرائيلين بالنسبة لعملية السلام‏,‏ ابعد ما يكون من قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية‏,‏ فهم يصرون علي ضم مستوطناتهم في الضفة الغربية‏,‏ وغور الأردن والمرتفعات المطله عليه‏,‏ وضم القدس الشرقية ورفض مبدأ عودة اللاجئين‏,‏ وان اقصي ما يمكن ان تسمح به اسرائيل كما يشاع هو توطين اللاجئين في العراق مقابل رفع الحصار عنه‏,‏ وفي الأردن ولبنان وباقي الدول العربية‏,‏ واعطاء حكم ذاتي موسع للفلسطينيين اي دولة لها نشيد وطني وعلم ومطار وجوازات سفر وفريق لكرة القدم‏,‏ اما المفاوضون الفلسطينيون وعلي رأسهم الرئيس عرفات‏,‏ فليس امامه سوي قرارات الشرعية الدولية‏,‏ بدءا من الانسحاب الي حدود الرابع من يونيو‏1967‏ والقدس وعودة اللاجئين وازالة المستوطنات‏,‏ وعلي ذلك يستبعد المراقبون ان يحل السلام بالشروط الاسرائيلية‏,‏ ولم يبق عندئذ لدي الرئيس عرفات سوي قوة المنطق‏,‏ التي تفرض عليه ضرورة اعلان قيام الدولة الفلسطينية‏,‏ ثم المطالبة الي ما شاء الله بما قررته الشرعية الدولية‏,‏ وهذا هو السيناريو المحتمل للخروج من هذا المأزق للسلطة الفلسطينية وبعض الدول العربية‏,‏ ويري اكثر المحللين السياسيين ان السلام العادل والشامل سيظل ابعد ما يكون طالما لم يحصل الفلسطينيون ولو علي الحد الأدني من حقوقهم‏,‏ في ظل الخلل الواضح في ميزان القوي بين العرب واسرائيل‏.‏
ان الأحداث المتعلقة بمفاوضات المسار الفلسطيني الاسرائيلي‏,‏ ماثلة تماما امام المفاوض السورس‏,‏ والرئيس الأسد يعلم تماما قيمة ومصير الاتفاقات والتعهدات الاسرائيلية والضمانات الأمريكية التي يقننها منطق القوة‏,‏ لذلك كان الرئيس الأسد حذرا في لقائه بالرئيس الأمريكي في جنيف‏,‏ حيث وجد في المقترحات الاسرائيلية حلا لمشاكل اسرائيلية داخلية علي حساب السيادة السورية‏,‏ وتم تحميل سوريا مسئولية فشل المؤتمر فاصبح واضحا حجم الضغط الواقع علي سوريا من جانب اسرائيل والادارة الأمريكية‏,‏ لكي تتنازل سوريا عن عدة أمتار من اراضيها في الجولان‏,‏ هذه الأمتار تمكن اسرائيل ليس فقط من الاحتفاظ باستغلال المياه السورية‏,‏ بل السيطرة علي مصادرها‏,‏ اي مطالبة سوريا بالموافقة علي تقنين سرقة مياهها‏,‏ التي تمثل‏40%‏ من احتياجات اسرائيل‏,‏ والتي تستغلها بالاحتلال منذ ثلاثين عاما‏,‏ واعتبار عدم موافقة الرئيس الأسد علي هذا الطلب افشالا للمؤتمر وبالتالي مسيرة السلام هذا هو منطق القوة الذي تنبطح له قوة المنطق‏.‏
وتصر اسرائيل وبدعم من الادارة الأمريكية علي ان المقابل الذي يجب ان تحصل عليه اسرائيل مقابل موافقتها علي الانسحاب من الجولان علي الآتي‏:‏
اولا‏:‏ ضرورة احتفاظ اسرائيل بالسيادة علي بحيرة طبرية كشرط اساسي لبدء مفاوضات السلام‏.‏
ثانيا‏:‏ ترتيبات امنية يتفق عليها الطرفان ترتكز علي تسريح نصف الجيش السوري والتخلص من الصواريخ السورية وسلسلة طويلة من اجراءات التطبيع
ثالثا‏:‏ الحصول علي تعويض مالي يصل الي نحو سبعة عشر مليار دولار تدفعها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج واليابان
رابعا‏:‏ اعادة تسليح جيش الدفاع الاسرائيلي بأحدث ما في الترسانة الأمريكية بحيث يتحقق حلم باراك شخصيا عندما كان رئيسا للأركان بأن يكون لدي اسرائيل جيش قادر علي كسب اي حرب دون خسائر في الأفراد او المعدات علي غرار ما حدث في حرب كوسوفا‏.‏
من اجل تحقيق الأهداف الاسرائيلية والأمريكية تتعرض سوريا والدول العربية المعنية وفي مقدمتها لبنان الي حرب نفسية شرسة تتمثل في النقاط التالية‏:‏
‏(1)‏ الايحاء بأن تصريحات باراك المتشائمة بشأن ضياع الفرصة الأخيرة لإمكانية تحقيق تسوية مع سوريا هي بمثابة تأكيد للقيادة السورية ان تنازل سوريا عن سيادتها علي بحيرة طبرية‏,‏ هي مربط الفرس للبدء في اي مفاوضات معها‏.‏
‏2)‏ استغلال قرار اسرائيل الخاص بانسحابها من جنوب لبنان الاحادي الجانب‏,‏ كعنصر ضغط علي كل من الحكومة السورية واللبنانية‏,‏ ومحاولة تضخيم الخلافات المتوقعة بين كل من سوريا ولبنان‏,‏ ومنها مطالبة كثير من اللبنانيين بضرورة الربط بين التسوية علي المسار السوري ـ اللبناني وبين خروج الجيش السوري من لبنان‏,‏ كذلك الصدام المتوقع بين السلطة الفلسطينية وحكومة لبنان بشأن اللاجئين الفلسطينيين وتسليحهم‏,‏ وكذلك بين حزب الله وحكومة لبنان‏,‏ وهي مشاكل تصب جميعها عند اثارتها في مصلحة اسرائيل وتعجل بالتنازل السوري‏.‏
‏(3)‏ التلويح للقيادة السورية بأن مصلحتها في اتمام التسوية وقبول الشروط الاسرائيلية‏,‏ خاصة اذا ما وضع في الاعتبار عنصر الوقت واثره السلبي بشأن صحة الرئيس الأسد وموضوع خلافته كما تشيع اجهزة الإعلام الإسرائيلية‏.‏
‏(4)‏ قيام وزير الدفاع الأمريكي بسلسلة من الزيارات لعدد من دول العالم العربي للاتفاق علي شراء صفقات اسلحة أمريكية وعرضه لمشروع بناء منظومه دفاع جوي ضد اسلحة الدمار الشامل لحماية دول الخليج‏,‏ وتزامن ذلك مع فشل مؤتمر جنيف حتي تشعر سوريا بعزلتها‏,‏ وتعرف الحجم الحقيقي للتضامن العربي في ظل الظروف الراهنة بالمنطقة‏.‏ سيناريو الأحداث كما تتصوره وتتوقعه اسرائيل والادارة الأمريكية للمسار السوري ـ اللبناني للسلام مع اسرائيل‏:‏
‏(1)‏ سيظل تصميم الحكومة الاسرائيلية علي رفض مبدأ الانسحاب من الجولان دون ان تقدم سوريا تنازلات في المقابل‏,‏ علما بأن الادارة الأمريكية علي اقتناع تام بهذا المنطق‏,‏ خاصة ان سوريا ليس لديها اي كروت للمساو مه سوي عمليات حزب الله‏,‏ والتي سيمكن ابطال تأثيرها ومبررها بالانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان‏.‏
‏(2)‏ تعتبر الحكومة الاسرائيلية ان التهديد التركي لسوريا والمواجهة علي الحدود بين الدولتين‏,‏ بسبب اوجلان زعيم الحزب الكردستاني‏,‏ وتدخل الرئيس مبارك لنزع فتيل الانفجار‏,‏ يعد مؤشرا علي ان الأوضاع في سوريا لا تحتمل اي مغامرات عسكرية وعلي ذلك فان التصعيد والوصول بالموقف في جنوب لبنان الي حافة الهاوية‏,‏ سيكون له اثر ايجابي لمصلحة اسرائيل‏,‏ وسيدفع القيادة السورية الي تقديم التنازل المطلوب‏,‏ والخاص بمياه بحيرة طبرية‏.‏
‏(3)‏ ستستمر محاولات الرئيس كلينتون لتحقيق تسوية علي المسار السوري‏,‏ قبل ان يترك مكتبه بالبيت الأبيض‏,‏ وهو يعتقد ان حالة سوريا الاقتصادية‏,‏ في حاجة ماسة لمساعدات اقتصادية امريكية واوروبية وعربية‏,‏ تمكنها من الانطلاق في عملية الاصلاح الأقتصادي المرتبط بالتسوية السلمية‏.‏
‏(4)‏ تقدر اسرائيل وتتفهم تماما‏,‏ التزام القيادة السورية وحرصها علي مدي ثلاثة عقود‏,‏ عدم اطلاق رصاصة واحدة علي جبهة الجولان‏,‏ وانها ستكون اكثر حرصا علي ألا تورطها المقاومة اللبنانية في اي مواجهة مع الجيش الأسرائيلي خاصة اثناء او بعد الأنسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان‏,‏ حيث سيكون الرد الاسرائيلي موجعا وفي العمق‏,‏ ومبررا دوليا خاصة بعد تنفيذ القرار‏4255.‏
وعلي ذلك فان احتمالات المواجهة قائمة وان كانت الادارة الأمريكية لا ترغب في حدوثها‏,‏ مراعاة لمشاعر عدد من الدول العربية الصديقة‏,‏ ولذلك ستجد ان كل الأطراف ستستمر في مساعيها السلمية لتجنب هذه المواجهة‏,‏ بأن تقدم سوريا بعض التنازلات تحت ضغط امريكي ـ اوروبي ـ عربي‏,‏ لا يملك اطرافه الثلاثة ممارسة هذا الضغط علي اسرائيل‏,‏ ولنا فيما يجري بشأن صفقة الاواكس الاسرائيلية الي الصين‏,‏ و عجز الادارة الأمريكية المخزي عن الضغط علي اسرائيل لوقف هذه الصفقة العبرة والمعني والمغزي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب