قضايا و اراء

41404‏السنة 124-العدد2000ابريل16‏11 من المحرم 1421 هـالأحد

خديعة الانسحاب
بقلم : إحسان بكر

سؤال مطروح يبحث عن إجابة‏,‏ لقد ظل العرب واللبنانيون ولسنوات طوال يطالبون بانسحاب اسرائيل من جنوب لبنان وكل الاراضي العربية‏..‏
والآن عندما يأتي رئيس وزراء اسرائيل ويعلن صراحة‏,‏ بل ويبلغ الأمم المتحدة أن اسرائيل قررت الانسحاب من جنوب لبنان في يوليو القادم‏,‏ يعترض البعض وكأن مصيبة أو كارثة ستحدث في لبنان بانسحاب جيش الاحتلال الاسرائيلي‏,‏ كيف يحدث ذلك؟
ثم إذا كان لبنان يطالب بانسحاب اسرائيلي من الجنوب‏,‏ فلماذا لا تعلن حركة المقاومة الوطنية اللبنانية تجميد كل عملياتها العسكرية ضد الاسرائيليين‏,‏ وضد جيش لبنان الجنوبي العميل الي حين تحقيق الانسحاب؟ ولماذا لا تقوم الحكومة اللبنانية خلال هذه الفترة القصيرة بتهدئة الأجواء لضمان تحقيق الانسحاب خاصة ان طلقات الكاتيوشا علي شمال اسرائيل لن تحقق هزيمة اسرائيل التي دام احتلالها للجنوب‏22‏ عاما بالتمام والكمال؟‏!‏
دعاة التهدئة مع اسرائيل يرون ـ وفق منطقهم ـ ان تجميد عمليات المقاومة سوف يحقق للبنان والعرب فائدتين‏:‏
‏*‏ يساعد لبنان علي كسب جولة سياسية ضد اسرائيل‏,‏ فهدف لبنان هو تحرير الأرض أولا وأخيرا وليس الانتقام او تعطيل المفاوضات فلا يجوز القتال والتفاوض في نفس الوقت‏,‏ والفلسطينيون انفسهم اصحاب القضية الكبري اوقفوا القتال بل حرموه وبدأوا التفاوض‏,‏ ثم ان قتل بضع عشرات من الاسرائيليين المحتلين لن يضير من اسرائيل الدولة‏,‏ فالمهم هو تحقيق الانسحاب‏.‏
‏*‏ ان استمرار عمليات المقاومة وقتل الجنود الاسرائيليين سوف يؤدي الي اضعاف موقف اولئك الذين يدعون الي الانسحاب من الجنوب اللبناني ومن هضبة الجولان السورية وعلي رأسهم رئيس الوزراء باراك‏,‏ ويؤدي في ذات الوقت الي تفوق معارضي الانسحاب من الجولان وعلي رأسهم زعيم الليكود الارهابي ايريل شارون‏.‏
بداية نقرر ان المقولات السابقة هي في مجملها مقولة حق يراد بها باطل‏,‏ فنظرة متفحصة وشاملة لعملية السلام منذ ان انطلقت في مدريد عام‏1991‏ نجد ان هناك ازمة كبيرة علي كل المسارات بل علي حد تعبير عمرو موسي وزير الخارجية فإن الموقف الآن أسوأ مما كان في عهد حكومة بنيامين نيتانياهو ـ وايضا وعلي حد تعبير ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية فانه يتوقع لباراك نفس مصير نيتانياهو‏,‏ فهو ـ اي باراك ـ انشأ في تسعة اشهر وحدات استيطانية اكثر مما بنته الحكومة الاسرائيلية السابقة في‏3‏ سنوات‏.‏
ان تركيز باراك علي لبنان مباشرة بعد قمة جنيف بين كلينتون ـ الأسد يعتبر محاولة بائسة للابتعاد عن مجمل عملية السلام ومتطلباتها وبالتالي جذب الانتباه الي ما يروج له من اعادة انتشار في الجنوب اللبناني المحتل‏,‏ وكأن الصراع العربي ـ الاسرائيلي بات محصورا في هذه النقطة‏.‏
ثم إن تركيز اسرائيل علي مأزقها في الجنوب اللبناني يندرج ايضا في اطار المحاولات السابقة لفصل المسارين السوري واللبناني والهادفة الي الاستفراد بكلا البلدين وفرض شروط الاستسلام وليس استحقاقات السلام علي كل من دمشق وبيروت‏.‏
ومنذ ايام كان فاروق الشرع في القاهرة لتسليم رسالة الي الرئيس مبارك من الرئيس الأسد‏,‏ وخلال لقاءاته في مصر اكد وزير الخارجية السوري عدة حقائق‏:‏
أولا‏:‏ بالرغم من الالغام التي تزرعها اسرائيل‏,‏ وبالرغم من عدم التزامها بكل ما وقعت عليه‏,‏
ـ فالمواعيد غير مقدسة حسب تعبير باراك نفسه ـ إلا أن سوريا متمسكة بالسلام الشامل والعادل‏,‏ لكن سوريا لن تفرط في متر واحد من اراضيها‏,‏ ولن ترضي بديلا عن العودة لخطوط الرابع من يونيو‏67,‏ فمن يفرط في متر أو مترين فليس صعبا عليه أن يتنازل عن عدة كيلو مترات‏.‏
ثانيا‏:‏ إذا كان الموقف السوري شديد الوضوح في قضية الأرض برفض أي تنازل عن اي شبر منها‏,‏ وإذا كانت سوريا لن تفاوض علي شيء الا بعد الانسحاب الكامل‏,‏ فإن موقف سوريا من قضية المياه ـ أي قضية بحيرة طبرية ـ يختلف عن ذلك‏.‏ فاسرائيل تريد السيطرة الكاملة علي بحيرة طبرية‏,‏ وتستكثر علي سوريا ان تطل علي ربع البحيرة‏,‏ وهذا موقف مجحف غير عادل‏.‏
والأمر الواقع هو ان الحدود السورية والأرض السورية تطل علي ربع مساحة بحيرة طبرية واسرائيل تسيطر علي ثلاثة الارباع الباقية‏,‏ لكنهم يريدون الان الربع السوري ايضا وهذا موقف غير مقبول‏.‏
لقد رفضنا افكار كلينتون الخاصة بالسيطرة الاسرائيلية علي ارض كل البحيرة وعلي كل مياهها وما يحيط بها‏,‏ فاسرائيل ـ وعلي حد تعبير فاروق الشرع ـ لا تريد السيطرة فقط علي الأرض او علي المياه السورية‏,‏ ولكنها تبعث رسالة لكل العرب وللسوريين بالذات‏,‏ أن ارجعوا الي الصحراء ولا تريد للمواطن السوري المجاور للمياه ان يشرب او يستخدم هذه المياه‏,‏ الأرض ليست موضوعا للتفاوض‏,‏ المياه فقط يمكن التفاوض حولها وفقا لقواعد القانون الدولي‏.‏
ثالثا‏:‏ حول انسحاب اسرائيل من لبنان فإن سوريا ليست ضد هذا الانسحاب بأي حال من الأحوال‏,‏ بل انها تعتبره مكسبا لها علي عكس ما يروجه البعض بشرط أن يمتنع الطيران الاسرائيلي عن اختراق الاجواء اللبنانية وأن تكف الزوارق الاسرائيلية من التعدي علي المياه الاقليمية اللبنانية‏,‏ نحن نطلب انسحابا اسرائيليا كاملا وشاملا من كل الاراضي اللبنانية‏.‏
لكن يبقي السؤال الحائر‏:‏ لماذا ظلت اسرائيل ترفض تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم‏425‏ الذي يقضي بسحب قواتها من جنوب لبنان‏,‏ وفجأة وبعد‏22‏ عاما تأتي لتعلن انها سوف تنسحب بلا اي شروط او ضمانات؟‏!‏
لقد بات واضحا للجميع ان اسرائيل هزمت في لبنان‏,‏ وهي الآن تحاول جمع فلول الهزيمة للانسحاب في يوليو المقبل‏,‏ لكن اسرائيل تريد ثمنا للهزيمة وثمنا للانسحاب‏,‏ وعلي سوريا ولبنان ان يدفعا الثمن‏,‏ وعلي دمشق وبيروت ان تتولي امر حماية امن اسرائيل‏,‏ واسرائيل تحاول الآن ان تستخدم الساحة اللبنانية لضرب سوريا وفك التلاحم الاستراتيجي بين البلدين الشقيقين‏.‏
ولن تقع سوريا ابدا فريسة لخديعة الانسحاب المزعوم‏,‏ وسيبقي تلازم المسارين السوري ـ اللبناني رمزا لتلاحم الشعبين‏,‏ ودعم موقف دمشق في هذه اللحظات امر عربي مطلوب فلقد بات واضحا للجميع ان الموضوع كله قد تخطي الصمود السوري‏,‏ فالقضية أصبحت قضية وجود لا قضية حدود ولا حل الآن امام العرب سوي أن يوجهوا رسالة واضحة لكل من اسرائيل وأمريكا‏.‏ فالعرب جميعا جبهة واحدة للسلام العادل والأمة العربية لن تسمح لاسرائيل بالتطبيع قبل ان يتحقق السلام القائم علي اعادة الارض وعلي كل المهرولين العرب ان يتريثوا‏,‏ فلا فائدة من الهرولة تجاه اسرائيل‏.‏ وابواب واشنطن لن تفتح أمام بعض العرب عبرد بوابة تل ابيب‏,‏ انها هرولة رخيصة لن تجدي شيئا‏,‏ فإذا ارادت اسرائيل سلاما وتطبيعا وأمنا فلا حل الا بعد تحقيق السيادة العربية الكاملة علي كل الأرض‏,‏ وبغير ذلك فهو الخديعة الكبري‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب