ملفات الأهرام

41404‏السنة 124-العدد2000ابريل16‏11 من المحرم 1421 هـالأحد

رؤية استراتيجية
تركيا وحلم الانضمام للمجموعة الأوروبية‏(2)‏
دور الولايات المتحدة في تحقيقه
بقلم : طه المجدوب

يقول المراقبون ان تركيا هي اكثر الدول استفادة من قمة الأمن والتعاون الأوروبي التي عقدت في مدينة اسطنبول التركية في نوفمبر‏1999..‏ وحضرتها‏52‏ دولة‏.‏ في هذه القمة التي شهدتها الولايات المتحدة وشاركت فيها بفاعلية كبيرة‏..‏ رغم انها ليست دولة أوروبية‏..‏ ولعبت دورا مهما خاصة في إيجاد الحلول للمشاكل التي تواجهها تركيا‏..‏ بل واتخاذ خطوات عملية لدعم الوضع التركي‏..‏ وإبراز الأهمية الأساسية للدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا لصالح أوروبا وحلف شمال الأطلنطي‏..‏ فهي الوسيلة لمد ذراع الحلف الي مناطق حيوية خارج القارة الأوروبية‏..‏ كمنطقة آسيا الوسطي وبحر قزوين‏..‏ فلاشك في أن نجاح تركيا في التغلغل في منطقة مهة كالقوقاز ـ بدعم ومساعدات أمريكية وأوروبية ـ سوف تحقق هدفا له أهمية استراتيجية واقتصادية غربية كبري‏.‏ فضلا عن أبعاد كل من روسيا الاتحادية عن مناطق القوقاز وبحر قزوين‏..‏ والحد من دور إيران في ممارسة أنشطة ضارة بالمصالح الغربية في منطقة القوقاز في جمهوريات آسيا الوسطي الإسلامية‏..‏ بذلك يتحقق الصورة الأشمل التي تسعي إليها الجهود الغربية‏..‏ التي تستهدف إقامة ممر بري من دول موالية للغرب يمتد من تركيا حتي الصين‏.‏
ولاشك في النتائج التي تحققت لصالح تركيا في هذا المؤتمر كانت بفضل الدور المهم الذي لعبته الولايات المتحدة ـ بهدف إبراز مدي أهمية تركيا للتحالف الغربي‏..‏ ولحلف شمال الأطلنطي‏..‏ باعتبارها حلقة الوصل الضرورية لربط مناطق وسط وجنوب غرب آسيا والشرق الأوسط بالاتحاد الأوروبي وأن هذه الأهمية تؤهلها للانضمام الي الاتحاد الأوروبي وتحقيق الحلم التركي بالانضمام الي الأسرة الأوروبية‏..‏ في هذا الإطار بذل الرئيس كلينتون جهدا خاصا في دعم الموقف التركي العام‏..‏ والشد من أزر النظام التركي القائم من خلال زيارته لتركيا التي سبقت انعقاد المؤتمر‏..‏ وأكدت عمق الروابط التي تربط تركيا بالولايات المتحدة‏..‏ في وقت كانت تركيا في أمس الحاجة لهذا الدعم‏..‏ خاصة بعد ما أصابها من زلازل مدمرة وقعت في أغسطس‏1999..‏ وما سببته تلك الهزات الأرضية العنيفة من كوارث إنسانية وخسائر اقتصادية ودمار في البنية الأساسية‏..‏ وقد قدرت هذه الخسائر بمليارات من الدولارات‏.‏

الدعم الأمريكي والحليف التركي‏:‏
والواقع أن ما أبداه الرئيس الأمريكي كلينتون من اهتمام كبير بالجوانب الإنسانية المتعلقة بكارثة الزلازل‏..‏ وما قدمه من مساعدات ومن وعود بالمزيد‏..‏ لا يحجب حقيقة المحور الأساسي للزيارة والمتمثل في دعم تركيا ومدها بأسباب القوة كحليف كبير موثوق به‏..‏ شاء وضعه الجيواستراتيجي أن يقع في منطقة من أكثر المناطق أهمية وتوترا في العالم‏.‏ من هنا جاء التأكيد الذي أعلنه كلينتون في خطابه أمام البرلمان التركي حين قال‏:‏ إن مستقبل تركيا سيكون حاسما في صياغة القرن الحادي والعشرين‏.‏ وقد يبدو في هذا القول مبالغة مقصودة‏..‏ هدفها البرهنة علي مدي الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لأنقرة‏..‏ ولدورها في هذه المنطقة الحيوية‏.‏ وفي نفس الإطار دعا كلينتون الاتحاد الأوروبي بإلحاح إلي التعجيل بانضمام تركيا إليه‏.‏ من ناحية أخري كانت الضغوط الأمريكية حاسمة في إقرار مشروع إقامة خط أنابيب نقل بترول وغاز بحر قزوين من باكو إلي ميناء جيهان التركي‏..‏ والحصول علي موافقة أذربيجان وجورجيا وتركمانستان علي المشروع الذي سيمر في أراضيها‏..‏ ذلك بالرغم من اتفاق الخبراء المختصين علي اعتبار ذلك المشروع عالي التكلفة‏..‏ غير ان الرغبة في تقديم تلك الهدية إلي أنقرة علي حساب روسيا حظيت بالأولوية متناسية الاعتبارات المالية‏..‏
هكذا أمكن لتركيا أن تستقبل مؤتمر منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في نوفمبر الماضي‏..‏ وهي مستندة إلي دعم أمريكي قوي‏..‏ لابد أنه شد من أزرها سواء في استضافة آخر قمم القرن العشرين‏..‏ أو في المداولات والمحادثات التي شهدتها تلك التظاهرة الدولية الكبري‏..‏ إن الرابط بين ذلك الدعم الأمريكي الصريح لتركيا‏..‏ وبين انعقاد القمة المذكورة في اسطنبول‏..‏ يبدو بارزا وواضحا للعيان‏..‏ وهو نابع من عنصرين‏:‏ الأول بشأن موقع تركيا علي الخريطة الجيوبوليتيكية للمنطقة‏..‏ والثاني بشأن طبيعة القضايا التي استحوذت علي القدر الأكبر من اهتمام مؤتمر القمة‏..‏ وفي هذا الإطار نجد أن تركيا حاليا ـ بعد انتهاء الحرب الباردة وماخلفته من تداعيات ـ يعتبر نقطة متميزة للإطلالة الأمريكية علي ثلاثة من أهم مراكز التوتر وهي‏:‏ منطقة القوقاز ـ آسيا الوسطي‏,‏ ومنطقة البلقان‏,‏ ومنطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط‏..‏ الأمر الذي أعطي الحليف التركي بارتباطاته الإقليمية في هذه المناطق‏..‏ صفات خاصة من طبيعة جغرافية أو ثقافية أو عرقية أو دينية‏..‏ أو كل ذلك أو بعضه‏..‏ يحتل مكانة استراتيجية لا تقل عن تلك التي كانت لها أيام المواجهة مع الاتحاد السوفيتي قبل زواله وقت تفوقه‏.‏
واللافت للنظر حقا‏..‏ في المؤتمر الأخير لـ منظمة الأمن والتعاون الأوروبية‏..‏ أن القضايا الكبري التي استحوذت علي اهتمام المؤتمر واحتلت الصدارة في القضايا المطروحة عليه‏..‏ كانت إلي حد كبير مشاكل تلك المناطق الثلاث وأزماتها وأساليب مواجهتها‏.‏

إنجازات أمريكية لمصلحة تركيا‏:‏
هكذا‏..‏ من أجل دعم تركيا ومدها بأسباب القوة حضر كلينتون مؤتمر القمة‏..‏ وبجهد شخصي منه قامت واشنطن بتصفية الحسابات التاريخية المزمنة بين أرمينيا وتركيا‏..‏ ولما كانت أرمينيا تفصل بين تركيا وأذربيجان وباقي جمهوريات آسيا الوسطي الإسلامية ذات الأصل التركي‏..‏ فإن تصفية هذا النزاع سوف يساعد أنقرة علي تحقيق هدف الانفتاح علي منطقة القوقاز بسهولة‏.‏ ويبدو أن هذا الهدف الجوهري باحتمالاته المستقبلية‏..‏ كان هو العنصر الكامن وراء تبني كلينتون لمشروع مد خط أنابيب البترول والغاز الأذربيجاني والتركمانستاني إلي الأراضي التركية مرورا بأراضي جورجيا ثم أرمينيا مستقبلا‏..‏ وهو المشروع الذي تم التوقيع علي الاتفاقية الخاصة به في اسطنبول بمشاركة رؤساء الولايات المتحدة وجورجيا وتركيا وكازاخستان وتركمانستان وأذربيجان من أجل ضخ بترول وغاز بحر قزوين من باكو عاصمة أذربيجان إلي ميناء جيهان التركي علي البحر المتوسط‏.‏
من ناحية أخري نجح الرئيس كلينتون في التعامل مع النزاع المعقد القائم بين تركيا واليونان وتحقيق قدر جيد من الوفاق بينهما‏..‏ باعتبار أن حل هذا النزاع يعتبر ضروريا لتسهيل انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ولضمان امتناع اليونان عضو الاتحاد ـ عن معارضة هذا الانضمام‏.‏ فقد اتفق أجاويد رئيس الوزراء التركي مع سيميتس رئيس الوزراء اليوناني في لقاء علي هامش القمة ـ علي ضرورة استمرار الحوار بينهما لحل مجمل القضايا المعلقة‏.[‏ ومن أبرز الملاحظات اللافتة للنظر‏..‏ علي قمة اسطنبول للأمن والتعاون الأوروبي‏..‏ ما حدث من تجاهل متعمد من معظم الوفود المشاركة‏..‏ لقضية الأكراد التركية والموضوعات المتعلقة بحقوق الإنسان في تركيا‏..‏ والتي كانت طوال العام الماضي حديث كل العواصم والمؤسسات الأوروبية بسبب قضية الزعيم الكردي عبد الله أوجلان والحكم عليه بالإعدام‏.‏ ومع ذلك لم يتفوه ممثلوا العواصم الأوروبية في المؤتمر بكلمة واحدة حول هذه الأمور‏.‏
وقد أتاح انعقاد المؤتمر في مدينة اسطنبول التركية ـ والتي تم اختيارها بجهود أمريكية مقرا للمؤتمر ـ فرصة لا تعوض أمام الأتراك في إجراء العديد من الاتصالات واللقاءات والحوارات الإيجابية مع زعماء دول الاتحاد الأوروبي‏..‏ من أجل دعم موقفهم في أوروبا‏..‏ ولاسيما بعد أن أكد كلينتون في خطابه أمام القمة حول أنقرة في الانضمام الي الاتحاد الأوروبي الذي كانت جميع دولة مشاركة في قمة اسطنبول‏.‏
وهكذا فإن القول بأن تركيا كانت الدولة الأكثر استفادة من مؤتمر قمة الأمن والتعاون الأوروبي‏..‏ والذي لعبت فيه واشنطن دورا مركزيا مهما أثناء انعقاده في اسطنبول‏..‏ الأمر الذي اعتبره العديد من الأوساط السياسية بداية حاسمة لدعم أمريكي مطلق سياسي‏..‏ استراتيجي‏..‏ اقتصادي لتركيا‏..‏ وقد جاءت زيارة كلينتون ـ التي سبقت انعقاد القمة بثلاثة أيام ـ لتثبيت مدي الأهمية التي توليها واشنطن لتركيا ولدورها المستقبلي سواء تجاه آسيا الوسطي والشرق الأوسط أو تجاه أوروبا‏.‏

واشنطن وحقوق الإنسان في تركيا‏:‏
من المعروف تماما أن قضية حقوق الإنسان في تركيا‏..‏ كانت قضية محورية شغلت الرأي العام العالمي والأوروبي‏..‏ وشكلت في الوقت نفسه عائقا جوهريا أمام موافقة الاتحاد الأوروبي علي ترشيح تركيا للانضمام إليه‏..‏ ومن أجل الإقلال من تأثير هذه القضية علي القرار الأوروبي‏..‏ لم يكتف الرئيس كلينتون في خطابه الذي ألقاه أمام البرلمان التركي‏..‏ بذكر الخطوات التي تقوم بها تركيا من أجل تكريس حقوق الإنسان‏..‏ بل أضاف قوله‏:‏ إن تركيا هي التي تحدد مستقبلها بالطريقة التي تراها‏..‏ مطالبا تركيا بألا تسمح لأي طرف سواء كان أوروبيا أو حتي الولايات المتحدة نفسها‏..‏ بأن يحدد ما تفعله تركيا وحتي تكون الرسالة واضحة‏..‏ عبر كلينتون في خطابه عن مدي إعجابه بمؤسس الدولة التركية مصطفي كمال أتاتورك مضيفا أن الشعب الأمريكي يصف أتاتورك بأنه جورج واشنطن الثاني‏..‏ مؤكدا مقولة مؤسس تركيا الحديثة وهي إن السيادة مطلقة وليس هناك أي قيد أو شرط عليها‏.‏ إنها نفس المقولة التي تعتنقها الرؤية السياسية للمؤسسة العسكرية التركية‏..‏ والتي عبر عنها الجنرال التركي السابق تشفيك بير‏..‏ حين أكد في محاضرة له بواشنطن أهمية السيادة المطلقة‏..‏ وحق الدولة في ادارة شئونها الداخلية‏..‏ الأمر الذي يعني رفض رؤي الاتحاد الأوروبي حيال قضية حقوق الإنسان في تركيا من ناحية ودور المؤسسة العسكرية التركية في الحياة السياسية من ناحية أخري‏.‏
والواقع أن الولايات المتحدة قد لا تكون راضية عن انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا‏..‏ ولكنها علي استعداد لأن تتقبل بعض المبررات التي تسوقها أنقرة في هذا الخصوص‏..‏ وتحاول تركيا ـ في نفس الوقت ـ تحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان بقدر يتفق مع أوضاعها الداخلية‏..‏ وبالتالي كان من المنتظر أن تسعي قمة اسطنبول الي ايجاد صيغ تكون اكثر قبولا‏..‏ وتكون في نفس الوقت صالحة للتطبيق‏.‏
وأخيرا يمكن القول إن قمة اسطنبول قد اعطت تركيا جرعة معنوية هائلة جعلتها تعيش في جو من التفاؤل طوال الأسابيع القليلة التي فصلت بين انعقاد مؤتمر قمة الأمن والتعاون الأوروبي الذي عقد في اسطنبول خلال شهر نوفمبر‏99..‏ وانعقاد مؤتمر هلسنكي للاتحاد الأوروبي الذي عقد في ديسمبر‏1999‏ م‏..‏ وكان السبب الأساسي لهذا التفاؤل التركي الحجم الكبير الذي ميز الدعم الأمريكي الذي حظيت به تركيا في مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي باسطنبول‏..‏ والذي ساعد كثيرا في تمهيد الطريق الوعر لتحركها نحو الاتحاد الأوروبي‏.‏
وقد عبر المسئولون الأتراك عن هذا التفاؤل في كلمات اتسمت أحيانا بالمبالغة‏.‏ فقد أشار إسماعيل جيم وزير الخارجية التركي في معرض حديث له الي ان التاريخ والجغرافيا يؤكدان ان تركيا جزء من أوروبا منذ‏700‏ عام‏..‏ وأنه ينبغي علي الاتحاد الأوروبي أن يعامل تركيا بالقوانين والشروط التي يعامل بها الدول الأخري دون تفرقة‏..‏
وألا يطالبها بشروط لم يطلبها من غيرها‏.‏ أما رئيس الوزراء التركي أجاويد فقد أعلن في ثقة الواثق أنه لا يمكن التفكير باتحاد أوروبي دون تركيا‏!‏ وأن بلاده هي المفتاح الذهبي لأوروبا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب