|
|
|
|
 | | د. عاطف عبيد |
أثارت قضية هدم القصور والفيلات تساؤلات كثيرة في الأيام الأخيرة, حيث ظهرت بوادر جديدة تحمل نيايا خفية ربما عادت بنا الي نذابح من نوع آخر لثروتنا المعمارية.. وكانت هذه المخاوف والظنون ترجع في الأساس الي إعلان الحكومة أمام مجلس الشعب إلغاء الأوامر العسكرية الخاصة بالضمانات التي كان هدفها حماية ثروة مصر المعمارية.. والحقيقة أن هذه الضمانات كان هدفها الأساسي يتركز في أربع نقاط مهمة: أولا: وضع ضمانات كافية لعدم هدم القصور والفيلات التاريخية. ثانيا: تحديد ارتفاعات المباني علي شواطيء النيل بصورة تضمن وقف المخالفات الصارخة التي شوهت صورة النيل واخفت ملامحه. ثالثا: منع البناء علي الأراضي الزراعية في ظروف غاية في الصعوبة حيث نسعي كل يوم لزيادة الرقعة الزراعية من أجل الأجيال القادمة. رابعا: تحديد ارتفاعات المباني في بعض المناطق السكنية المتميزة مثل المعادي وجاردن سيتي والزمالك وهي المناطق التي شهدت مخالفات جسيمة في السنوات الماضية. ولأننا نخاف من مذبحة جديدة للقصور.. ولأننا نحاول التصدي لكل محاولات الاعتداء علي مابقي من تراثنا المعماري.. انزعجنا بشدة من إلغاء الأوامر العسكرية التي كان هدفها وقف كل ألوان الاعتداءات الصارخة علي قصور مصر وفيلاتها.. وقد تصورنا أن مجلس الشعب في طريقه لأن يناقش قانونا جديدا بديلا للأوامر العسكرية.. وتصورنا أن الحكومة قد انتهت بالفعل من إعداد هذا القانون.. ولكن اتضح لنا أن القانون مازال يجري إعداده.. وان مجلس الشعب سوف يجمع أوراقه ويرحل بعد أيام قليلة.. وأن القانون الجديد لايمكن بأي صورة من الصور أن ينتهي إعداده ومناقشته والموافقة عليه خلال هذه الفترة القصيرة.. وهنا ثارت تساؤلات أخري.. كيف تلغي الحكومة ضمانات تضع بها قواعد تحكم قضية معينة ثم تلغيها دون أن توفر بدائل رادعة لها؟.. وماذا يحدث الآن في ظل غياب الأوامر العسكرية.. وعدم صدور قانون جديد يحكم عملية هدم القصور والفيلات.. وكيف نحمي أراضينا الزراعية من هجمة شرسة يمكن أن تتعرض لها الآن؟.. إن أمامنا سبعة أشهر كاملة حتي يتم انتخاب مجلس نيابي جديد بحيث تقدم له الحكومة مشروعها المقترح.. فماذا سيحدث في هذه الأشهر.. هل سنفتح الباب لكل من هب ودب لكي يهدم قصرا هنا.. أو فيلا هناك.. أو يقطع أشجار حديقة يحولها في يوم وليلة كأراض بناء.. أو أن يعبث المغامرون بشواطيء النيل مرة أخري.. ولانني مهموم بهذه القضية التي أخذت منا أكثر من خمس سنوات كاملة.. ولأنني أخشي أن تكون هناك أياد خفية تحاول العبث في الظلام.. ولان مابقي لنا من العمارة الجميلة قليل قليل.. طرحنا في الأسابيع الأخيرة قضية هدم القصور والفيلات ربما للمرة الثالثة خلال خمس سنوات.. وكان لابد أن نضع كل هذه التساؤلات أمام رئيس الحكومة.. وفي حديث طويل مع د. عاطف عبيد رئيس الحكومة شرح لي الرجل كل مادار في ذهنه حول هذه القضية وهو يتابع كل ماكتب عنها وما سوف تتخذه الحكومة من إجراءات حاسمة, وقال صراحة: انني لن أسمح بأي تجاوزات تمس تاريخ مصر وتراثها المعماري وان الحكومة سوف تتصدي لذلك بقوة.. وشرح الدكتور عاطف عبيد موقف الحكومة في مجموعة نقاط أساسية: أولا: أن الأمر العسكري الخاص بهدم القصور والفيلات سوف يبقي ساريا حتي تتقدم الحكومة لمجلس الشعب القادم بمشروع قانون متكامل يحمي ثروة مصر المعمارية ويصون أراضيها الزراعية ويمنع التجاوزات علي شواطيء النيل.. والهدف من ذلك كما أكد رئيس مجلس الوزراء أن القانون له صفة الثبات وانني شخصيا أفضل وضع الضوابط في ظل قواعد قانونية ثابتة.. وما تم إلغاؤه في الأمر العسكري هو عقوبة الحبس فقط, ولكن لايجوز الاعتداء علي الأراضي الزراعية أو القصور والفيلات ومازالت الإجراءات الادارية القانونية سارية. ثانيا: ان الحكومة تقوم الآن بحصر جميع القصور والفيلات التاريخية في مصر كلها بحيث يتم وضع هذه الأماكن التاريخية في سجلات مصورة علي أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالدولة, وسوف تتضمن هذه السجلات كل البيانات حول القصر أو الفيلا كأثر تاريخي من حيث المساحة.. وتاريخ البناء.. وما يحتويه المبني بالتفصيل من الغرف والنقوش والأثاث والطراز المعماري الذي ينتمي اليه المبني.. وبعد أن يتم تصوير وحصر هذه القصور والفيلات سوف يصدر قرار شامل بمنع هدمها علي الاطلاق, وسوف تدخل بذلك في دائرة الحماية الكاملة من الدولة بحيث لايجوز علي الاطلاق هدمها أو تغيير طرازها أو الاعتداء عليها بأي صورة من الصور. كما أن ذلك يضمن عدم المساس بهذه القصور أو العبث برسوماتها ووثائق تسجيلها كمواقع تاريخية. وأضاف د. عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء في حديثه معي: من هنا يمكن أن نحدد المباني التاريخية التي لايجوز هدمها أو الاعتداء علي قدسيتها.. وماعدا ذلك من المباني الأخري سواء كانت قصورا أو فيلات عادية سوف نضع لها قواعد ادارية تنظم عمليات الهدم أو التغيير بحيث تقوم أجهزة الدولة بتنفيذ هذه القواعد في ظل قانون متكامل يفصل تماما بين القصور والفيلات التاريخية التي ينبغي أن تتوافر لها الحماية والقصور والفيلات العادية التي يحق لأصحابها التصرف فيها. ثالثا: بالنسبة للأراضي الزراعية فإننا نقدر تماما أهمية كل شبر منها.. إن الاعتداء علي الأراضي الزراعية اعتداء علي مستقبل أجيالنا القادمة.. كما ان مساحة الأراضي الزراعية في مصر تمثل أغلي ثرواتها, ولهذا لن نفرط في شبر منها.. ومازال الأمر العسكري الخاص بمنع البناء علي الأراضي الزراعية ساريا وسيبقي حتي ننتهي من إعداد القانون الجديد.. ولكن هناك أفكارا كثيرة نناقشها الآن.. هكذا يؤكد رئيس الوزراء.. أولي هذه الأفكار أننا لانستطيع أن نتجاهل مشكلة الزيادة السكانية والزحام الشديد في القري وما يتطلبه ذلك من التوسع في المباني وهذا هو السبب الأساسي الذي يهدد الأراضي الزراعية.. ولهذا فإن الحكومة تدرس الآن إعداد نماذج حديثة للقري بحيث تتكون البيوت فيها من أكثر من طابق.. وسوف تعرض الحكومة هذه النماذج المعمارية علي الخبراء والمختصين والمواطنين قبل أن نبدأ تنفيذ هذا المشروع الكبير الذي يهدف الي تغيير شامل في عمارة وطراز القرية المصرية.. وقد انتهينا بالفعل من إعداد نموذجين لهذه القري والتي تتكون البيوت فيها من أكثر من طابق وعلي مساحات مناسبة.. ولدينا في الحقيقة ـ كما يؤكد د. عبيد ـ مشكلة المحافظات التي لاتتمتع بحزام صحراوي.. أي ان مساحاتها بالكامل من الأراضي الزراعية, ومن أبرز هذه النماذج محافظة الغربية.. وسوف نحاول تطبيق النماذج الجديدة للقرية في هذه المحافظات في بداية التجربة. رابعا: أننا بدأنا بالفعل في إعادة النظر في التخطيط العمراني للمناطق العشوائية بحيث نبدأ في تخطيطها من جديد لأنها تمثل عبئا سكانيا ضخما علي الكثير من المدن الرئيسية من حيث كثافة السكان.. وتلوث البيئة.. وسلوكيات الناس التي تغيرت بسبب التكدس والزحام.. ومن هنا فإننا نبحث الوسائل التي نعيد به ترتيب هذه المناطق العشوائية بحيث يمكن أن نستفيد منها ونطورها ونحل من خلالها مشاكل الزحام السكاني. وقال د. عاطف عبيد.. إن مشروع القانون الجديد سوف يضع ضوابط كافية لحماية تراث مصر المعماري وهو من أغلي الأشياء عندنا.. وأضاف رئيس مجلس الوزراء ان القضية غاية في الأهمية لأنها تتعلق بالأجيال القادمة.. إن الأراضي الزراعية جزء من تاريخنا.. وحاضرنا.. ومستقبلنا.. وتراثنا المعماري صورة من صور الماضي الذي نفخر به.. والحاضر الذي ينبغي أن نحافظ عليه.. والمستقبل وهو أمانة في أعناقنا. ولهذا أؤكد لك.. أن الحكومة لايمكن أن تتخذ موقفا ضد تراث مصر المعماري بكل ثرائه وعبقريته, بل اننا سنصدر قانونا كاملا متكاملا يضع كل الضمانات لحماية هذا التراث.. وأنا شخصيا أساند كل رغبة صادقة تسعي لصيانة هذا التراث وتدعو لحمايته.. شكرا.. لرئيس الحكومة د. عاطف عبيد
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|