|
|
|
نهاية مؤرخ
|
 | |
حالة من النشوة العارمة اجتاحت بريطانيا صباح الأربعاء من الاسبوع الماضي.. اذ خرجت الصحف اليومية الرصينة بعناوين رئيسية علي ثمانية أعمدة من بينها أحدها يقول عنصري يلوي عنق الحقيقة وصورة ضخمة لمن ادعت الصحف انه عنصري. وبتفحص الصفحة الأولي الذاخرة بهذا الحدث الجلل نكتشف ان المناسبة صدور حكم من المحكمة العليا في بريطانيا بعد مداولات استمرت لأكثر من32 يوما يدين المؤرخ البريطاني ديفيد ايرفنج باعتباره ضد السامية وناكر لواقعة الهولوكوست الخاصة بدفع اليهود للمحرقة في فترة النازي وانه متعاطف ومروج لأفكار النازي ولم تقتصر حالة النشوة علي الصفحات الأولي للصحف, وانما أمتدت إلي كثير من الصفحات الداخلية, وإلي افتتاحية صحيفة مثل التايمز, وإلي الملحق الذي أفردت فيه3 صفحات لحوار مع ديفيد ايرفنج نفسه, وفي رد فعل علي حكم المحكمة العليا الذي ذكر ان ايرفنج تلاعب وشوه الأدلة التاريخية عن عمد لأسباب عقائدية قال رابي مايكل مليخور الوزير الإسرائيلي لشئون المجتمع والتجمعات اليهودية ان الحكم بمثابة رسالة للجميع, ودعا إلي تدريس الحكم في المدارس في جميع انحاء العالم, أما لورد جانير أوف برونستون رئيس هيئة تعليم الهولوكست فقد قال: ان قضية ايرفنج توضح الأهمية القصوي لتعليم الشباب ما حدث من دراما الهولوكوست وانها تعد رمزا لخطورة السماح لديكتاتور عنصري بأن يصل إلي الحكم.. ونعود إلي البداية حيث رفع المؤرخ ديفيد ايرفنج قضية ضد البروفيسورة الأمريكية ديبورا ليستات وناشر كتابها بنجوين للنشر لاتهامه في كتاب صدر أخيرا بأن انكاره الهولوكوست المحرقة هو في حد ذاته تجني علي الحقيقة والذاكرة, وانه منحاز لهتلر لأنه أنكر وجود غرف الغاز في اوشفيتز بالمانيا, وذكرا ايرفنج أنه رفع القضية في الدفاع عن سمعته العلمية, وأكد في دعواه ان انتقاد اليهود لايعني انه ضد السامية, ونفي انه ضد السامية. وعلي الرغم من ان القاضي قال: انه لايدخل في نطاق وظيفته ان يعبر عن رأي فيما يتعلق بما حدث خلال فترة النازي, الا أن صحيفة التايمز البريطانية قالت: ان منطوق الحكم سوف يشكل مقياسا ومعيارا لمؤرخي تلك الفترة ولمستر ايرفنج نفسه الذي يواجه مستقبلا سوف يكون فيه منبوذا أكاديميا. وقد اندلعت القضية منذ عدة أشهر وأصبح ايرفنج نفسه في بؤرة اهتمامات وسائل الاعلام ومنها محطات التليفزيون العالمية مثل سي.إن.إن التي خصصت برنامجا كاملا في شهر فبراير الماضي لتغطية ردود فعل ماذكره ايرفنج قبل وبعد رفع القضية. من بين ماقاله المؤرخ البريطاني وتسبب في إقامة الدنيا ضده: ان هتلر لم يأمل بقتل يهود أوروبا وانه كان يجهل مصيرهم حتي عام1943 ولم تكن هناك خطة نازية في هذا الصدد, وان ضحايا النازية كانوا فقط مليونا, وليسوا6 ملايين كما ادعي البعض, وان غرف الغاز في أوشيفتز بالمانيا لم تكن موجودة. الغريب ان تبادر صحيفة التايمز الوصيفة لتذكر في افتتاحيتها ان ديفيد ايرفنج يستحق هذا الحكم القاسي. خسران ايرفنج للقضية معناه دفع تكاليفها التي تبلغ2,5 مليون جنيه استرليني, وارهاب كل من تسول له نفسه حتي ولو كان مؤرخا أو استاذا جامعيا من الاقتراب من قضية الهولوكوست.. وهكذا تخلت الصحف البريطانية عن رصانتها التي اشتهرت بها واستخدمت حكما قضائيا كسلاح سياسي يضع قيودا علي حرية التعبير والبحث العلمي, كما تدخلت باعتبارها طرفا في ادانة المؤرخ الذي شهد يوم الأربعاء الماضي نهايته باعتباره منبوذا أكاديميا, كما ذكرت صحف بريطانيا!
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|