|
|
|
قضية مايكروسوفت
|
 | |
لم يكن النجاح الكاسح, والانتشار الواسع لشركة مايكروسوفت الأمريكية العملاقة التي غيرت وجه الاقتصاد في العالم, وأحدثت ثورة تكنولوجية في مجال الاتصالات والانترنت مست بل قلبت حياة كثير من الشعوب والمؤسسات رأسا علي عقب.. سببا في أن تتغاضي الحكومة الأمريكية عن تطبيق القوانين التي تمنع الاحتكار عليها ولا أن تعتبرها الدولة مؤسسة قومية تستحق أن توضع فوق القانون وفوق العدالة. ونحن قد ننتقد السياسات الأمريكية ونهاجم معاييرها المزدوجة, حين يتصل الأمر بتصرفاتها ازاء الدول الأخري, ونتهما باهدار قيم العدالة العالمية حين نتحدث عن مواقف امريكا من الشعوب العربية, ولكننا لا ندهش حين يعمد النظام الرأسمالي القابض علي زمام الدولة في امريكا الي الدفاع بكل حزم عن حرية التجارة وقوانين المنافسة الحرة داخل امريكا, وتمكين السلطة القضائية من اصدار احكامها في مواجهة أي محاولة لانتهاك قوانين مكافحة الاحتكار.. رغم ما ينطوي عليه ذلك من خطر تفكيك مؤسسة عالمية نالت هذا الحظ الهائل من الشهرة والنجاح مثل مايكروسوفت.. وهو ما يعتبر نموذجا قويا لأهمية الحفاظ علي استقلال السلطة القضائية في دولة ما بعد العولمة وما بعد الحداثة في العالم الذي يحيط بنا وقد نضطر نحن أحيانا الي مسايرته في الشكل دون الجوهر. وقد أثبت الحكم الذي أصدره القاضي توماس جاكسون ضد بيل جيتس ـ صاحب مايكروسوفت وأشهر وأغني شخصية أمريكية ظهرت في السنوات العشر الأخيرة علي قمة صناعة البرمجيات في عالم الاتصالات المثير الحافل الذي أحدث طفرة في تعامل البورصات وأسواق المال العالمية, وفي مجال التقدم التكنولوجي في مجال المعلومات والكمبيوتر ـ أن أحدا ـ لا يعلو علي المساءلة حتي ولو كان بيل جيتس نفسه. وكانت التهمة الموجهة اليه وإلي شركة مايكروسوفت أنها استحوذت علي سوق البرمجيات بالكامل, وأدت ممارساتها الاحتكارية ولجوؤها الي أساليب غير شرعية لقتل المنافسين وازاحتهم من السوق الي انفرادها بسوق برامج الانترنت ومنع الشركات الأخري من مزاحمتها في هذا المجال الجديد, وهو ما يمكن أن يضر بقيمة من القيم التي بنت المجتمع الأمريكي. واعتبر ذلك خرقا لقانون الاحتكار الذي يرجع تاريخه الي عام1890 خاصة بعد أن ادخل جيتس نظام الويندوز عام95 ثم طوره عام98 وأخيرا عام2000. وهو نفسه القانون الذي استخدم لضرب احتكار شركة روكفلر النفطية ستندارد أويل في بدايات القرن حين استحوذت علي80 في المائة من سوق النفط في امر يكا. وعلي الرغم من أن بيل جيتس استأنف الحكم الصادر ضده, وعلي الرغم من المخاوف التي ثارت بسبب احتمال تعرض التقدم التكنولوجي السريع الذي تحقق علي يد مايكروسوفت الي نكسة قد تؤثر علي التفوق الأمريكي الكاسح في هذا المجال, فإن المعركة لم تحسم بعد, ولكنها تدل في النهاية علي أهمية الدور الذي تقوم به الدولة وتمارسه العدالة للحيلولة دون سيطرة جشع رأس المال ورجال الأعمال علي مقدرات المجتمع وتطوره حتي في قلب قلعة الرأسمالية الأمريكية.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|