الكتاب

41389‏السنة 124-العدد2000ابريل1‏26 من ذى الحجة 1420 هـالسبت

صباح السبت
إعلان الحرب‏..‏ وإعلان الحب
بقلم : عادل حمودة

كان يرفض أن يبقي في المنطقة الرمادية‏..‏ الوسطي‏..‏ المنطقة الحرام التي لا يعرف فيها الإنسان هل يوافق أم يرفض؟‏..‏ هل يحب أم يكره؟‏..‏ هل يقبل علي شخص ما أم يعرض عنه؟‏..‏ هل يعيش سليما قادرا مكتملا أم يرحل الي العالم الآخر بكامل إرادته وكرامته؟‏.‏
وقد وجد محمد نسيم نفسه وهو في غرفة العناية الفائقة بالدور الأول من مستشفي وادي النيل في حالة الاختيار الأخيرة‏..‏ فرفض أن يعيش نصف انسان‏..‏ يتنفس ولكن لا يتحرك‏..‏ يأكل ولكن لايعمل‏..‏ يبتسم ولكن لا يتكلم‏..‏ لقد هاجمته أربع جلطات بشراسة وسدت شرايين القلب والمخ‏..‏ فكان قراره الأخير‏..‏ الرحيل‏..‏ الرحيل‏..‏ لقد تعود أن يحمل الوطن والناس علي كتفه فكيف يتحمل ما هو عكس ذلك؟‏..‏ إنه معدن نادر من الرجال في زمن سادت فيه اللدائن الصناعية والأخلاق البلاستيكية
في آخر مكالمة تليفونية وجدته يتعجب مما سمع عن مسئول سابق كان يتصور أن زملاءه في الحكومة يدبرون له السحر والشعوذة للقضاء عليه وعلي نفوذه‏..‏ فقلت له‏:‏ يبدو أن مهنتك القديمة كرجل مخابرات تطاردك‏..‏ يموت الزمار ولكن أصبعه تظل تلعب‏..‏ قال‏:‏ إننا في أيام لم يعد فيها سر‏..‏ ولم تعد المعرفة حكرا علي أحد‏..‏ أليست هذه هي العولمة التي تحدثوننا عنها ليل نهار؟‏..‏ فقلت له ضاحكا‏:‏ لقد جاء الزمن الذي أصبح رجال المخابرات يطلبون فيه وظائف في إعلانات الصحف المبوبة‏..‏ وأصبحت فيه أجهزة المخابرات العالمية تطلب الجواسيس علنا وكأنها تطلب أطباء أو مهندسين أو خبراء في العلاقات العامة‏..‏ قال‏:‏ لكن‏..‏ رغم ذلك سيظل لهذه الأجهزة دورها‏..‏ مهما تغير هذا الدور‏..‏ ومهما تغيرت ظروف الدنيا‏..‏ إنها المهنة الثانية في التاريخ‏..‏ وستظل تجتذب أقوي العقول‏..‏ فميدانها هو الذكاء‏..‏ وثمنها قد يكون فادحا‏..‏ مصلحة الوطن بأكمله‏.‏
قلت له‏:‏ لكن‏..‏ هذه الأجهزة كثيرا ما تتجبر‏..‏ وتنفلت من عقالها‏..‏ وتتجاوز حدودها‏..‏ هل نسيت أنك كنت واحدا من اثنين كلفهما جمال عبدالناصر بالتحقيق في قضية انحراف المخابرات في الساعة الثامنة من صباح يوم‏28‏ أغسطس‏1967..‏ وقد استمر حتي الساعة الحادية عشرة من مساء يوم‏14‏ أكتوبر من العام نفسه‏..‏ هل نسيت أن التحقيق كان يدور حول سوء استعمال النساء والأموال السرية‏..‏ وهو ما جعل من الضروري استدعاء‏44‏ سيدة وفنانة و‏9‏ أفراد من خارج الجهاز بخلاف‏14‏ فردا من قوة الجهاز‏..‏ حسب اعتراف شريكك في ادارة التحقيقات الوزير حلمي السعيد في مذكراته التي نشرت اخيرا‏.‏
كذلك دارت التحقيقات حول مبلغ الستين ألف جنيه التي استلمها صلاح نصر وعباس رضوان‏..‏ والسموم التي استلمها صلاح نصر ومنها سم الأكونتين وأمر بوضعها في كبسولات الريتالين وتسلمها منه المشير عبدالحكيم عامر‏..‏ ثم دارت التحقيقات حول ما عرف بقضية التعذيب‏..‏ وكانت النتيجة الحكم علي صلاح نصر بالسجن لمدة‏40‏ عاما‏..‏ ثم كان ما كان‏..‏ حسب ما نشره أمين هويدي في كتابه الفرص الضائعة‏.‏
وسارع محمد نسيم بالرد‏:‏ هذه أرقام دقيقة‏..‏ لكن‏..‏ التحقيقات انتهت بإدانة رئيس الجهاز في ذلك الوقت صلاح نصر ونائبه حسين عليش الذي كان رئيسا لهيئة الأمن القومي وثلاثة ضباط فقط من داخل الجهاز وثلاثة أفراد أيضا من خارجه‏..‏ وهي إدانة شديدة التواضع اذا ما قيست بحجم الضجة التي أثيرت أو قيست بحجم الدور الوطني الكبير الذي لعبه الجهاز في وقت كان الصراع فيه شرسا بيننا وبين إسرائيل‏..‏ وإن كنت معك في النهاية أن الانحراف يبقي انحرافا مهما كان حجمه‏..‏ ويبقي سببه الرئيسي يستحق الانتباه والتأمل‏..‏ وهو البقاء في مواقع أو مراكز القوة طويلا بلا حساب‏..‏ أو كأنه ـ كما قرأت لك مرة في الأهرام ـ لابد أن تقع مصيبة أو هزيمة حتي يكون التغيير ضرورة‏.‏
كانت المرة الأخيرة التي أحاور فيها محمد نسيم‏..‏ لكنها لم تكن المرة الأولي‏..‏ حدث مرة أن رأيته غاضبا‏..‏ بل ربما كانت المرة الوحيدة التي رأيته فيها غاضبا‏..‏ كان السبب الحملة التي شنتها جريدة معاريف الاسرائيلية علي رأفت الهجان أو رفعت الجمال بعد أن تحولت قصة اختراقه لدائرة صنع القرار في إسرائيل لمدة‏25‏ سنة مسلسلا تليفزيونيا جن به الناس‏..‏ وحرك فيهم مشاعر الزهو والكبرياء الوطنية التي تصور هواة التطبيع مع العدو أنها أصيبت بالشلل‏.‏
ادعت معاريف أن رأفت الهجان الذي جاء إلي إسرائيل في عام‏1955‏ باسم جاك بيتون قد قبض عليه في ليلة ممطرة وهو في الفراش مع إمرأة صغيرة في بيته في شمال تل أبيب‏..‏ وتحت وطأة التعذيب اعترف بكل شيء‏..‏ قال إنه ولد عام‏1927‏ في القاهرة‏..‏ أسرته مسلمة‏..‏ متدينة‏..‏ وعندما أنهي دراسته الثانوية التحق بمدرسة البوليس لكنه لم يكمل دراسته فيها‏..‏ ثم عمل في مهن مختلفة‏..‏ منها جرسون في مقهي يملكه والده‏..‏ وهناك جندته المخابرات السرية لنقل أخبار اليهود المصريين الذين يترددون علي المقهي‏..‏ وأخيرا قرروا ارساله الي اسرائيل بهوية مزورة وشخصية مختلفة‏..‏ وسافر الي روما‏..‏ ومن هناك الي حيفا‏..‏ ومنها الي تل أبيب‏..‏ لكن‏..‏ بعد القبض عليه تعاون مع الموساد‏..‏ وبدأ استغلاله عميلا مزدوجا بين مصر واسرائيل‏..‏ وكان يحصل علي المال من الطرفين وينفقه علي اللهو والنساء‏.‏
لم يحتمل محمد نسيم هذه الرواية التي روجتها الصحيفة العبرية الشهيرة‏..‏ لم ينم يوم قرأها‏..‏ فقد شعر أن كرامته قد جرحت‏..‏ وكان رده الذي نشرته علي لسانه وقتها‏..‏ أنه لو كانت هذه الرواية حقيقية لكشفت عنها اسرائيل في الوقت المناسب‏..‏ أو علي الأقل كانت قد كشفتها بعد هزيمة يونيو‏1967..‏ والمؤكد أن اسرائيل لم تعرف بقصة ذلك البطل المصري رفيع المستوي إلا بعد أن أذاعتها المخابرات المصرية بنفسها‏..‏ ولو كان الهجان عميلا مزدوجا فلماذا ظل في إسرائيل؟‏..‏ لما ذا لم ينتقل للاقامة في مصر أو في أي دولة عربية؟‏..‏ كيف يكون عميلا للموساد ويظل في إسرائيل؟‏..‏ إنها أسئلة تحدي محمد نسيم المخابرات الاسرائيلية أن تجيب عليها‏..‏ ولم تقبل المخابرات الإسرائيلية التحدي المنشور علنا‏.‏
واستطرد محمد نسيم‏:‏ ثم أنها ليست عادة الموساد‏..‏ هذا الانتظار الطويل قبل الكشف عن العملاء المزدوجين‏..‏ والدليل علي ذلك قصة الجاسوس المصري كيفوركي يعقوبيان الذي كشفوه في الستينات وحولوه الي مهرجان دعائي صاخب ونشروا عنه كتابا بعنوان الذئب الوحيد‏..‏ كان كيفوركي مصريا أرمينيا تم تجهيزه لمدة سنة ونصف السنة وعرف باسم زكي سليم كيتشوك‏..‏ وقد أحب فتاة إسرائيلية شقيقها ضابط في الأمن‏..‏ وكانت هذه هي نقطة ضعفه‏..‏ وبعد عام ضيقوا عليه الخناق‏..‏ وبعد التحقيقات سارعوا بنشر التحقيقات‏..‏ وأغروه بالعيش في إسرائيل مقابل أن يكون جاسوسا لهم‏.‏
والمقصود‏..‏ أن إسرائيل لا تتأخر في كشف العملاء المزدوجين‏..‏ أو العملاء الذين يسقطون في شباكها‏..‏ وقد كان الهجان في اسرائيل قبل كشف قضية كيفوركي بسنوات طوال فلماذا لم تعلن قصته وتكسفه‏..‏ كذلك فإن إسرائيل تفضل كشف العملاء عن استعمالهم علي الوجهين‏..‏ إن إسرائيل لا تحتمل الهزيمة‏..‏ وقد كانت قضية الهجان هزيمة‏.‏ وفضيحة‏..‏ وكارثة زادت بعد أن كشفت مصر القضية‏..‏ ولو كانوا قد جندوا الهجان وحققوا معه فلماذا لم يذيعوا علي العالم ذلك‏..‏ ليحسموا الأمر؟‏.‏
كان محمد نسيم يتكلم بحماس وهو يدافع عن رأفت الهجان وكأنه يدافع عن ابنه أو يدافع عن نفسه‏..‏ إن علاقة ما غريبة تربط بين الجاسوس وضابط تدريبه وتشغيله‏..‏ لقد قابل الهجان أول مرة في روما لإعادة تقويمه بعد أن تضاربت الأقوال حوله‏..‏ وكان قراره أن يستمر‏..‏ ولكن بعد التدريب علي جهاز إرسال لاسلكي‏..‏ وعندما رفض الهجان هدد محمد نسيم بأنه سيقتله ويدفنه في الفيلا التي التقيا فيها‏..‏ وكان مقررا أن يستمر الهجان في إسرائيل خمس سنوات فقط‏..‏ لكنه بقي فيها أكثر من‏20‏ سنة‏..‏ وهو ماجعل إسرائيل تكف عن ترديد عبارتها الشهيرة‏:‏ إن لديها أقوي جهاز مخابرات في العالم‏..‏ فقد تحولت العبارة القوية التي تنم عن الثقة والشراسة الي نكتة ساخرة‏.‏
وقابلت محمد نسيم بعد ذلك صدفة في الأقصر‏..‏ كان قد ترك المخابرات وتحول الي السياحة‏..‏ كان القمر يلقي بخيوطه الفضية علي سطح النيل الذي ضاق قليلا ليمنح الفرصة لجبال البر الغربي ورماله وحقوله الخضراء ـ للكشف عن مشهد ساحر يندر وجوده في مكان آخر‏..‏ وخطر ببالي أن أسأله سؤالا لا أتصور أنه توقعه‏..‏ هل فكرت يوما في أن تكتب شعرا؟‏..‏ هل في تاريخ المخابرات في العالم من كتب رسالة غرامية أو قصيدة عاطفية؟‏..‏ وابتسم‏..‏ وأخذ صوته نبرته المميزة وقال‏:‏ لا أعتقد‏..‏ إننا ندرب علي لمس أصغر الأشياء حتي الذرات‏..‏ ولو حلقنا في فضاء الخيال والشعر تحولنا الي وهم ودخان وعصافير يسهل اصطيادها‏..‏ ولكن ذات يوم بعد أن تركت الخدمة كنت مسافرا‏..‏ وتوقفت عند كشك بيع الصحف والكتب في المطار‏..‏ ووجدتني أمد يدي واشتري ديوان شعر لنزار قباني لفت نظري عنوانه‏..‏ أعلنت عليك الحب‏..‏ لقد عشت طوال عمري وأنا أعرف عبارة إعلان الحرب‏..‏ فها هي في الدنيا إعلان آخر مختلف‏..‏ إعلان الحب‏..‏ ولم أصدق أن في الدنيا كلمات عذبة بهذه الروعة‏..‏ وشعرت في تلك اللحظة أن كثيرا من متع الحياة لم نتذوقها‏..‏ الشعر‏..‏ المتاحف‏..‏ الرواية‏..‏ السينما‏..‏ الموسيقي‏..‏ الطرب‏..‏ بل إننا لم نمارس متعة الاسترخاء والتسكع والجلوس في الشمس علي المقاهي‏.‏
لم يكن في العمر وقت ليعيد محمد نسيم صياغة حياته من جديد‏..‏ النسيج لم يعد يقبل خيوطا جديدة‏..‏ والشخصية لم تعد قادرة علي تهجي حروف أبجدية جديدة‏..‏ ولكن‏..‏ تبقي للشخصية سحرها الخاص‏..‏ وجرأتها المميزة‏..‏ وهي صفات قد لاتتوافر في بعض المثقفين‏..‏ وبعض الذين نصفهم بالمبدعين‏..‏ لقد أجمع كل من عرفوا محمد نسيم علي أنه رجل بمعني الكلمة‏..‏ يتحمل المسئولية‏..‏ ولا يتخلي عن مساعديه حتي لو كلفه الموقف حياته‏..‏ يمكن أن يموت في سبيلهم‏..‏ في سبيل ألا يصفه أحد بالنذالة ولو لم يسمع الوصف بأذنيه‏..‏ ثم أنه كان سترا وغطاء علي كل ما عرفه بحكم عمله‏..‏ فقد عاش محترفا للصمت‏..‏ ومات مكفنا به‏..‏ ثم إنه لايعرف المستحيل‏..‏ لو قبل مهمة فلابد أن تنفذ‏..‏ وقد كان ذلك يشعره بالاكتفاء والامتلاء‏.‏
لقد ظل أكثر الناس قربا له والتصاقا به لايعرفون دوره في تدريب المعارضين لشاه ايران في ضاحية أنشاص في سنوات حكم جمال عبدالناصر تنفيذا لطلب من الإمام الخوميني‏..‏ لم يعرف أحد ذلك لمدة تزيد علي‏30‏ سنة حتي كشفه الوزير في رئاسة الجمهورية فتحي الديب في كتابه المفاجأة عبدالناصر وثورة إيران‏..‏ وقد قال لي فتحي الديب‏:‏ إنك كلما حفرت في التربة الوطنية وجدت أثرا له قيمة يشير لمحمد نسيم‏..‏ فما نعرفه عنه أقل بكثير مما فعل‏..‏ لكنه قدره وقدر كل الذين احترفوا الخفاء والظل والكتمان والسرية‏..‏ نعرف أعمالهم ولا نعرفهم‏..‏ نشعر بهم ونطمئن لوجودهم ولا نراهم‏.‏
لكن‏..‏ أهم عمل نعرف أن محمد نسيم قام به هو تدمير الحفار كيتينج ـ أو الجزيرة العائمة ـ الذي استأجرته إسرائيل للتنقيب عن البترول في خليج السويس‏..‏ وقد عرفت من محمد نسيم أن جمال عبدالناصر لجأ لبعض حكام العالم من أصدقائه ـ وعلي رأسهم الرئيس اليوجوسلافي جوزيف بروس تيتو ـ للضغط علي اسرائيل للتراجع عن فكرة الحفار‏..‏ ولكن إسرائيل أصرت‏..‏ وركبها الغرور والعناد‏..‏ بل إنها كونت شركة متعددة الجنسيات من كنديين وبريطانيين وأمريكيين لتضاعف من صعوبة الأزمة‏..‏ وكانت المشكلة أن مصر لم تكن مستعدة لضرب الحفار بالطيران عند دخوله خليج السويس لان معني ذلك التورط في حرب لم تكن مستعدة لها في وقت كانت فيه تعيد تنظيم قواتها المسلحة بعد ما جري في هزيمة يونيو عام‏1967..‏ فكان لابد من تدميره بعيدا عن المنطقة الملتهبة والجاهزة للاشتعال‏.‏
وتلقي محمد نسيم أمرا مباشرا من جمال عبدالناصر‏..‏ لقد استقبله في شرفة ملحقة بغرفة نومه‏..‏ وكان بالروب والبيجاما وسأله الأسئلة التقليدية المعتادة عن صحته وأولاده‏..‏ ولم يقل محمد نسيم إن ولديه هشام وفؤاد مصابان بالحصبة‏..‏ وانما أجاب الاجابة التقليدية‏:‏ الحمد لله يافندم‏..‏ وبعد أن انتهي من الشاي‏..‏ ووصل الي الباب‏..‏ قال له جمال عبدالناصر كلمة واحدة‏..‏ الحفار يانسيم‏..‏ فرد نسيم‏:‏ حاضر يافندم‏..‏ وعندما نفذت العملية‏..‏ وتوالت التفجيرات أرسل برقية من أبيدجان بالشفرة تقول‏:‏ مبروك الحاج‏..‏ عرفت قيادته في القاهرة أن عملية الحفار أو الحاج قد تمت بنجاح‏..‏ ورد عليه أمين هويدي ـ الذي كان قد أصبح مسئولا عن المخابرات العامة بعد غروب شمس صلاح نصر ـ ببرقية أخري تقول‏:‏ الأولاد بخير وبيسلموا عليك‏..‏ ولم تكن البرقية هذه المرة بالشفرة‏..‏ كانت برقية حقيقية‏..‏ فقد برأ ولداه من المرض الذي تركهما عليه‏.‏
وقد سألته ذات مرة‏:‏ ألا تشعر بالخوف وأنت معرض للكشف والخطر في أي لحظة‏..‏ واعترف أنني احترمت إجاباته‏..‏ احترمت ما بها من إنسانية‏..‏ قال‏:‏ كل إنسان يخاف‏..‏ ولا تصدقني لو قلت لك غير ذلك‏..‏ الخوف شعور انساني طبيعي‏..‏ مانرفضه هو الجبن‏..‏ فالجبن يجعلك لاتجيد التصرف في المواقف الخطيرة وأنت علي الحافة‏..‏ أما الخوف فيدفعك للحرص والحذر‏.‏
والأمنية الوحيدة التي لم يحققها محمد نسيم هي أن يتقاعد ويزرع قطعة الأرض التي اشتراها في الريف‏..‏ لقد ظل مثل جواد أصيل‏..‏ وأصر علي أن يموت واقفا‏..‏ أصر علي أن يختار اختيارا حاسما‏..‏ الحياة بالكامل‏..‏ أو الرحيل في عربة الموت الخاطفة‏..‏ الباردة‏..‏ المؤلمة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب