الكتاب

41366‏السنة 124-العدد2000مارس9‏3 من ذى الحجة 1420 هـالخميس

مــع الأيـام
في الواحـات البحريـة‏
بقلم : سكينة فؤاد

في كتابه الانتصار بواسطة عقد الأمصار أطلق إبن دقماق علي الواحات البحرية واح الخاص وقال إن خراجها كان يبلغ ثلاثة عشر ألف دينار‏!!‏ بينما القلقشندي في صبح الأعشي بداية القرن‏15‏ يطنب في وصف جمالها وأنها الأكثر سكانا ووفرة وحلاوة تمرها الذي يتصدر صادراتها مع زيت زيتونها‏..‏ فكيف تغيب اليوم عن خرائط التنمية ويصرخ أولادها من البطالة‏,‏ بينما واحد من أكثر تقارير مجلس الشوري أهمية يتناول قضية الأمن الغذائي ويقول إن مصر تدفع كل يوم‏35‏ مليون دولار لاستيراد مواد غذائية ويطرح أرقاما خطيرة لحجم ما تنفقه من أجل استيراد القمح سنويا في الوقت الذي نجد فيه ووفق بيانات مركز المعلومات بالمحافظة لعام‏1997‏ أن مساحة الأرض المنزرعة بالقمح في البحرية‏1580‏ فدانا فقط‏!!‏
وفي كتاب المحافظة ـ الواحات أمل المستقبل وكذلك في دليل معلومات المحافظة لعام‏1997‏ أن إجمالي الزمام المنزرع‏11650‏ فدانا ـ بينما يسجل أطلس المعلومات الصادر عام‏1995‏ أن إجمالي مساحة الزمام المنزرع‏16843‏ فدانا‏..!!‏ ـ وبالزيادة التي تختلف معها أرقام‏1997‏ في كتاب المحافظة ووثائق دعم اتخاذ القرار تصل نسبة المساحة المنزرعة إلي‏0,59%‏ من مساحة الأرض الصالحة للزراعة‏!!‏ بينما يتكفل عدم وجود نظام للتسويق بانعدام الاستثمار الاقتصادي لمنتجها من البلح وموت أغلبه مخزونا في بيوت أهلها وتقضي الآفات والعطش علي مجموعة من أشهر منتجاتها الزراعية وتحرث الأرض بمحصولها من الطماطم‏!‏ وتتراجع كم وجودة جميع المنتجات بسبب مشكلات الآبار وبقاء أنظمة الزراعة والري دون تحديث أو تطوير‏.‏
في المجلد الثاني من موسوعته النادرة عن الصحروات المصرية يكشف أ‏.‏ د‏.‏ أحمد فخري أستاذ الآثار وعاشق ودارس الصحراء أن أشهر نظام للري هناك عرف ومازال كان علي زمن الأسرة‏26‏ في نص جميل يقول‏:[‏ من بين واحات الصحراء الغربية كلها لا يشعر الزائر بفتنة الواحة كما يشعر بها في البحرية‏,‏ حقا ان سيوة ساحرة وفي غاية الأهمية ولكن في كل ركن من أركانها يشعر الزائر بأن حضارتها ليست خالصة ولا عربية خالصة ـ في حين أن البحرية مصرية تماما ولعل أجمل عين في الصحراوات المصرية هي عين البشمو في الباويطي‏]..‏ وأتفق مع العلامة الكبير في مصرية الواحة وفي الجمال الخلاب لعين البشمو‏..‏ وإن كان كما رآها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي‏..‏ وكما رأيتها في مطلع الألفية الثالية‏..‏ مازال الأطفال يلعبون في مياهها وأهلها يغسلون ملابسهم فيها‏.‏ وبالطبع ليس ذنب الناس الذين لم تتغير معطيات وظروف حياتهم ولم تحول كنوزهم الطبيعية إلي مصادر إثراء وتنمية وتطوير للبيئة‏,‏ يقول د‏.‏ فخري إن الواحات لا تعتمد فقط في ريها علي العيون الطبيعية وعلي الآبار المحفورة في الأرض‏.‏ فهناك نوع ثالث من الآبار الأسطوانية التي تنحت منحرفة حتي تتقابل عند نقطة عميقة في الصحر حيث تتجمع كميات كبيرة من المياه التي تنساب باستمرار كما تنساب مياه العين الطبيعية ويعاني هذا النظام من خطر انهيار الصخور في أي مكان من الممر ويتسبب في إغلاقه‏..‏ وهذا هو السبب وراء قطع الآبار الرأسية التي تسمي منافس للعثور بسهولة علي المكان المغلق وكل بئر يغطي بكتلة من الحجر وتحفر علي جانبيها درجات تستخدم في الصعود والهبوط‏..‏ وفي البحرية تمثل عين الحباجة نموذجا لهذا النظام المائي الذي نسب للرومان وقبلهم للفرس ويسجل د‏.‏ فخري أنه خلال أبحاثه الأثرية في البحرية وجد دليلا علي أنه في الأسرة‏26‏ بينما كان يجري حفر إحدي المقابر في الصخر اعترض الحفارين واحدة من هذه الآبار‏..‏ مما يدل علي أن هذا النوع من مصادر المياه عرفه الفراعنة‏.‏
‏*‏ هذا الكتاب وهذه المعارف والصور والأخيلة والحقائق والرسوم والدراسات الانثروبولوجية من أمتع ما قرأت في السنوات الأخيرة‏,‏ وإن كان في نسخة ميسرة ومبسطة عن الموسوعة الأصلية وقد تفضل وأهداني إياه نجل العلامة الكبير وهو السفير ودارس الآثار أ‏.‏ علي فخري‏,‏ أما الموسوعة الأصلية فقد عرفت أنها من قطع كبير ووزن ثقيل لا تحمل باليد‏..‏ تمتلئ بدراسات موثقة بالرسوم والخرائط عن صحارينا وواحاتها‏..‏ وما بين يدي علي تبسيطه متعة للعين وللعقل ويسهم في مد جسور الصداقة والتعارف بين القارئ وأغوار وأسرار صحارينا‏..‏ ولا أعرف إذا كنا مقبلين علي بناء حضارة جديدة هناك وفتح أجنحة للحياة فيها كيف لا ننشر ثقافة مرئية ومسموعة ومكتوبة تقرب المسافات بين أجيالنا الصغيرة والشابة وبين الآفاق الجديدة لحياتهم‏..‏ كيف لا تكون هذه الدراسات بين أيديهم؟‏!‏ أقولها قبل أن نسمع عن استقدام خبراء أجانب ليقدموا لنا دراسات عن صحارينا فإحدي كوارث اللحظة عبادة الخبرة الأجنبية والاستهانة بالخبرة والعلم والعلماء المصريين‏.‏ وأتفق مع العلامة الكبير فيما ذهب إليه من أن الأكثر أهمية ـ رغم ما تمتلك البحرية من مقومات ثراء ـ هو الإنسان وما يتميز به من دماثة وتهذيب رغم أن ما ترك إليه من إهمال جعل ظاهر الأمور يبدو كأنه يركن إلي راحة ودعة وخمول‏,‏ والحقيقة أنها افتقاد قوي التحريك والتفاعل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وفي فصول الكتاب الخاصة بالتاريخ والتراث تقرأ عجبا ـ وكيف أنه عندما لم تكن هناك طرق ممهدة وكانت قوافل الحمير بحماية دوريات حراسة هي وسيلة الاتصال الرئيسية كانت منتجات البحرية تغمر الوادي‏,‏ وكيف أنه مع الأسرة الثامنة عشرة اهتم تحتمس الثالث بجميع الواحات ـ وكان مسئول الواحات يحمل اسم حري ـ تب ـ وحات إذن اسم الواحات فرعوني والمسئول عنها علي قدر عال من الأهيمة‏,‏ وتكشف الرسوم عن ازدهار في الزراعات والتجارة وسجلت البحرية كمصدر للمعادن الخام منذ الأسرة‏19‏ وفي قائمة المناجم الشهيرة بمعبد الأقصر منذ عهد رمسيس الثاني‏.‏
لقد وضع د‏.‏ فخري آمالا كبيرة عما سيحدثه وصول الخط الحديدي إلي البحرية من تغيير جذري بعد أن كانت الرحلة تقطع في أسابيع فوق ظهور الجمال أو في أيام بسيارات النقل التي كانت تعاني الكثبان الرملية الوعرة‏..‏ ومن أسف أن أمنيات وتوقعات أستاذ الآثار لم يتحقق الأغلب منها‏..‏ فالخط الحديدي اقتصر علي خدمة المناجم التي بدأ يعاني رصيدها الضخم التكدس نتيجة أزمات المصنع في حلوان ولم يستطع الخط الحريري المسفلت أن يحقق آمال أهلها نتيجة غيابها عن خرائط التنمية الاقتصادية والسياحية وتركها استثمارا خاصا وفرديا لكثير من الأجانب الذين جنوا بجمالها ومقوماتها الطبيعية والعلاجية وعاشوا فيها وطلبوا أن يدفنوا في أرضها‏.‏ أما بيتر الألماني‏,‏ فلم يجد مكانا للاستثمار أرخص ولا أسهل من البحرية حيث أقام فندقا صغيرا ومركزا صحيا يعتمد علي مناخ الجبل ومياه العين الكبريتية الطبيعية التي أصبحت ملكا خاصا للفندق بعد أن أقام موتيلاته حولها ورواد فندقه من الأجانب‏..‏ والأعداد كاملة دائما‏..‏ لا يكفون عن الغطس للاستشفاء في المياه المعدنية وشبابنا من أبناء الواحة من حملة الدبلومات عاطلون لا يعرفون ماذا يفعلون‏..‏ تعوزهم التجربة والتوجيه والتدريب والإرشاد والمدد الاقتصادي والتسهيلات‏..‏ أكرر السؤال‏:‏ أين وزارة الشباب من هذا النموذج لمئات النماذج وأين الصندوق الاجتماعي؟‏!‏
‏*‏ يقوم د‏.‏ فخري بمهمة تاريخية وهو يسجل ويرسم ويوثق التراث الأثري الذي اكتشفه هناك وكذلك في تتبع وتوثيق أطلال ما هدم مما سبقه إليه مستكشفو صحارينا من الأجانب ومن خلال حفائره واكتشافاته لمجموعة من أهم مقابرها توقع اكتشافات عديدة لمقابر مزخرفة‏..‏ وصدقت توقعاته وواحد منها ما تم في منطقة الشيخ سوبي وقد أشرت إليه في مقالي السابق‏,‏ وكيف أنه منذ عام‏1994‏ يطل الأثر من فوهة حفرة بدائية والمعارك دائرة بين المحليات والآثار والسكان الذين يطلبون تعويضهم عما امتلكه آباؤهم بوضع اليد والمحليات تريد عقود ملكيتهم غير الموجودة أصلا لتعوضهم مع أنهم بقانون الدولة أصبحوا ملاكا وما تحت البيوت من آثار يتلقي جميع المخلفات البشرية‏..‏ فالواحة بلا صرف صحي‏..‏ علي سلم خشبي متهالك نزل الابن محمود عبد الغني من شباب المحافظة ليصور ما بداخلها‏..‏ جاءتني الصور المذهلة تصور ما بقي من رسوم ملونة رائعة علي الجدران شهادة حية علي ما ترتكبه من جرائم تبديد وإهدار في حق ثراء وتراث وتاريخ‏..‏ ثم نتحدث عن أزمة ميزاننا التجاري ونتغني بفرص مصر في الصادرات غير المنظوره خاصة في السياحة‏.‏ وبينما تمثل السياحة أكثر الصناعات في العالم توسعا ونموا ونصيبنا منها ـ علي كل ما نمتلك من ميزات تنافسيه بالغ التواضع ـ ونتكفل بالقضاء علي عناصر ثراء وتنمية للسياحة الثقافية أول وأهم أنواع السياحة التي يقصد السائح مصر من أجلها‏.‏ ونفكر في متحف قومي للآثار بتكلفة ملياري جنيه‏,‏ بينما نترك متاحفنا الطبيعية المتوافرة في المقابر والأودية والمعابد‏,‏ يحذر العلماء من تعرضها لجميع عوامل الفناء‏!!‏ وإذا كنا لم نستطع إنقاذ ما اكتشف في‏1994‏ وبقاياه في الحفرة البدائية تتلاشي مساحات الرسوم وسط بقع السواد والماء التي تواصل الزحف عليها ووادي المومياوات علي حاله كما اكتشف يبدو أنه لا يجد الميزانيات لاستكمال حفائره وصيانته وعرضه ولا لإقامة مخزن متحفي بدلا من المبني الأسمنتي المخجل في فقره وتجهيزاته والذي ينام فيه خمس مومياوات عارية من غطاء التقنيات الحديثة والجمال فيما وصف بمتحف تم انشاؤه علي مساحة‏500‏ متر‏!!‏ وكان الأمل والإنقاذ أن تكون المصلحة الوطنية والرؤية العلمية المتخصصة والتنمية الثقافية والسياحية وصيانة هذه الكنوز وحفظها بالترميم والتوثيق وحسن العرض والصيانة والتعاون والتكامل مع سائر الأجهزة المسئولة للإسراع بعمليات الإنقاذ بدلا من المسئولية الضائعة والانهيار المحقق للتراث والأثر ولركائز التنمية‏!‏
‏*‏ لي حكاية مع أم بكري ـ تحكي نوع البشر الجميل هناك وما أرسلته ورائي للقاهرة ولي رسالة إلي أهل البحرية‏..‏ كما وعدتكم لجنة التنمية البشرية ورئيستها العالمة أ‏.‏ د‏.‏ فرخندة حسن وسائر أعضائها الذين شرفت بمشاركتهم الزيارة‏,‏ تكونت جماعة أصدقاء الواحة‏..‏ وجاء محافظ الجيزة إلي مجلس الشوري‏,‏ ووضعت خطط مستقبلية للعمل ومواجهة المشكلات وتحقيق الأمنيات وتعظيم ثروات الواحة ـ وسأوافيكم بالتفاصيل لنخوض تجربة تنموية ميدانية برلمانية تشارك فيها الجهود الشعبية مع الرسمية مع الاستثمار الوطني مع العمل الأهلي لنقدم نموذجا لتحول الفكر والزيارات الميدانية إلي عمل فوق أرض الواقع‏..‏ فإلي أهل البحرية أقول إن أصدقاء الواحة قادمون‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب