قضايا و اراء

41655‏السنة 125-العدد2000ديسمبر23‏27 من رمضــان 1421 هـالسبت

معجم القرن الـ‏21‏
بقلم‏:‏ ثروت عكاشة

كان أول لقاء لي مع الدكتور مجدي وهبه أستاذ الأدب الانجليزي بكلية الأداب جامعة القاهرة وعضو بمجمع اللغة العربية‏,‏ حين دعوت مؤرخ الفن الفرنسي الجليل رينيه ويج الأستاذ بالكوليج ده فرانس وعضو أكاديمية الخالدين باسم البنك الأهلي المصري الذي كنت أتشرف برياسة مجلس إدارته في عام‏1965‏ ليلقي سلسلة محاضرات عن الفن والنور واللوحات المصورة وعن مصر ملتقي الشرق والغرب‏,‏ فرأيت أن أعهد الي الدكتور مجدي وهبه بالترجمة الفورية من الفرنسية الي الانجليزية‏,‏ وإلي الدكتور عبد الرحمن بدوي بالترجمة الفورية من الفرنسية الي العربية‏.‏ وقد طبعت هذه المحاضرات الثلاث في كتاب علي نفقة البنك الأهلي‏,‏ وصدر في طبعات ثلاث إحداهما باللغة العربية ترجمة د‏.‏ عبد الرحمن بدوي‏,‏ والثانية باللغة الانجليزية ترجمة د‏.‏ مجدي وهبة‏,‏ والثالثة باللغة الفرنسية‏.‏
وكانت هذه التجربة فاتحة صداقة ممتدة قائمة علي الاعجاب بشخصية مجدي وهبة والتقدير لما يتمتع به من ثقافة جد رفيعة وعشق عميق للانسانية‏..‏ وما أحسب امرءا ممن تعاملوا معه‏,‏ أو طالبا ممن تتلمذوا علي يدي هذا الأستاذ الجليل لا يعرف له الاخلاص العميق والعلم الوفير مع التواضع الجم والعطاء السخي دون من أو ترقب لجزاء‏.‏
ويشاء القدر مع ظروف سياسية قاسية أن يمتحن مجدي وهبة فتصادر أملاكه وأملاك أسرته فما هز له ذلك من كيان‏,‏ بل ظل علي شجاعته وثباته وانكبابه علي العلم والتأليف والعطاء‏.‏ بل لقد كانت هذه المحنة أكبر حافز له علي أن يصل العلم والتأليف والعطاء بجهد أجدي وطاقة أوسع‏.‏ وكم كان كريما الكرم كله‏,‏ يسخو بما يملك‏,‏ قل ثراؤه أو كثر‏,‏ بل كان مع قلة ثرائه أجود منه مع كثرته في سرية وكتمان‏,‏ وكم من أسر تحمل له الي اليوم رعايته لها وموالاته لأبنائها‏,‏ لا فرق عنده بين عقيدة وعقيدة‏.‏ عرفته يواسي الصديق وكان أولي به أن يواسي نفسه في تلك المحن التي توالت عليه‏.‏ كما عرفته يرد الاساءة دائما بالاحسان‏,‏ فما تركت إساءة في نفسه أثرا ما‏,‏ بل كان دوما الرجل السامح الغافر للخطيئة الذي يحمل الود للناس جميعا‏,‏ من أساء اليه قبل من أحسن اليه‏.‏
لذلك ما إن عدت لتولي مسئولية وزارة الثقافة للمرة الثانية عام‏1966‏ حتي سعدت بتلبيته دعوتي له للتعاون معي وكيلا لوزارة الثقافة لاتباع سياسة انفتاح ثقافي علي العالم في وقت شديد الحرج‏,‏ متوسما في قدراته المتعددة وخلقه النبيل وعلاقاته الطيبة ما يؤهله عن جدارة لتسيير دفة العلاقات الثقافية الخارجية التي هي اليد الممدودة بالصداقة بين شعوب العالم وبيننا‏,‏ وتقديم حضارتنا وقضايانا الي وجدان العالم وضميره‏,‏ ومن أجل التعبير عن أنفسنا عن طريق المعارض الدولية التي نقدم فيها ابداعنا الأدبي والفني الذي نطمئن الي حسن تمثيله لبلادنا‏.‏
وأشهد أن مجدي وهبة قد قام نائبا عن وزارة الثقافة بعقد اتفاقات ثقافية مع ما يربو علي مائة دولة أجنبية بكفاءة لا يدانيه فيها أحد‏,‏ وغدت ادارة العلاقات الثقافية مصبا للابداعات الفنية التي تبعث بها مختلف قطاعات وزارة الثقافة لتكون حلقة الاتصال الفني والفكري بيننا وبين جميع بلاد العالم‏.‏ وبالاضافة الي هذا كله وقبله وبعده فقد كان صاحب دور أساسي في تحقيق وتنفيذ ألفية القاهرة عام‏1969.‏

وبرغم الجهد الشاق الذي تكبده مجدي وهبة في أثناء عمله بالوزارة الا أن هذا لم يقصف قلمه‏,‏ بل استمر في تقديم أعماله العلمية باعداد المعاجم والدراسات في مختلف نواحي المعرفة الأدبية‏,‏ أذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر معجم مصطلحات الأدب‏,‏ ومعجم السينما‏,‏ ومعجم المصطلحات الأدبية في اللغة والأدب‏,‏ ومعجم العبارات السياسية الحديثة و المختار معجم انجليزي ـ عربي‏,‏ الي غير ذلك من الترجمات الأدبية عن الانجليزية‏.‏ غير أن الانجاز الضخم الذي كرس له بقية حياته حتي اختطفته المنية كان
معجم القرن الحادي والعشرين‏[‏ انجليزي ـ عربي‏]‏ الذي دعاه النفيس‏,‏ ونشرته أخيرا مكتبة لبنان ناشرون والشركة المصرية العالمية ـ لو نجمان‏.‏
وقد يتساءل البعض ـ كما يذكر مجدي وهبة في تمهيده لهذا العمل ـ عن جدوي الاتيان بمعجم انجليزي ـ عربي مع وجود كثرة من مثل هذه المعاجم‏.‏ ويرد علي هذا التساؤل بأن الدافع القوي الذي حمله علي هذا العمل هو الرغبة في الجمع بين مزايا هذه المعاجم‏,‏ وتقديم ثمرة مطالعاته فيها تقديما يتماشي مع روح العصر‏,‏ وذلك بخاصة فيما يتعلق بالانجليزية المتداولة التي يصعب أحيانا نقلها الي صيغ عربية مقبولة ذوقا ونحوا‏.‏ ومع احترامه لجهود السابقين آثرأن يبدأ من منطلق لا يصبو الي الشمول بقدر ما يتوخي الاستخدام المتداول العصري للغة أصبحت تتخذ سمات دولية في كثير من ميادين التواصل بين الشعوب وتبادل الأفكار لذلك كان اعتماده علي تصنيف مداخل انجليزية عمادها اللغة الانجليزية المستخدمة في بريطانيا‏,‏ مضافا اليها بعض الصيغ الامريكية‏,‏ كما أضاف أيضا بعض الكلمات والتركيبات التي انتشرت في السنوات الثلاثين الماضية بشرط أن يكون قد كتب لها الحياة بعد صكها بوقت كاف‏.‏ وبناء علي هذا الاختيار الذي تجنب فيه الغريب والحوشي قدر الامكان وضع نصب عينه ضرورة وضع المفردات في عبارات اصطلاحية وجمل مفيدة لتعين القاريء علي فهم معناها وترشده الي طريقة استعمالها‏.‏ هذا من ناحية المداخل الانجليزية‏,‏ أما نقلها الي العربية فقد اعتمد في المقام الأول علي اللغة العربية الفصحي في كل أنحاء الوطن العربي‏,‏ وذلك ايمانا منه بأن العربية علي عراقتها لغة تصلح للتواصل العصري‏,‏ كما أنها تسمح بالزيادة المستمرة عن طرق الاشتقاق والمجاز والنحت والتعريب‏,‏ مثلها في ذلك مثل أية لغة أخري تعتبر أداة للحضارة العصرية‏.‏

أما ترجمة الجمل والعبارات الاصطلاحية وبخاصة تلك التي اتسمت بالمعاصرة المألوفة فقد نقلها الي لغة عربية فصحي‏,‏ ولو أدي ذلك أحيانا الي اختلاف في الأسلوب من منطلق شبه دارج الي مستوي أكثر وقارا منه‏.‏
وفي هذه الحالات أضاف الي الترجمة العربية الفصحي بعض التركيبات العامية المصرية بين علامات التنصيص باعتبارها أوضح دلالة علي المناخ الأسلوبي والدلالي للأصل‏.‏
ومن ميرات هذا المعجم أيضا تزويد القاريء بنطق الألفاظ الانجليزية الصحيح‏,‏ وما ألحقه به د‏.‏ مجدي وهبه من ملحقات فريدة قد تعين القاريء علي المزيد من الألفة باستخدامات اللغة الانجليزية العصرية ومقابلاتها العربية‏,‏ من بينها وألطفها أسماء الله الحسني ومختارات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة‏.‏
وبكل فخر واعتزاز تضافرت جهود فريق التحرير المشكل من السيدة الفاضلة قرينة المؤلف الدكتورة جوزفين وهبة الأستاذة السابقة بالجامعة الأمريكية‏,‏ والأستاذ وجدي رزق غالي الببليوجرافي اللغوي المحقق بعد وفاة د‏.‏ مجدي وهبة علي إنتاج هذا العمل الكبير النفيس‏,‏ فتعاونا علي مدي سبع سنوات متواصلة علي تحرير المعجم وتدقيقه والاشراف علي صفه وتصحيح تجاربه الطباعية وإضافة الألفاظ والمصطلحات العلمية والفنية الحديثة اليه‏.‏

تحية واحتراما وشكرا لهذا الجهد الشامخ الذي انبري له الدكتور مجدي وهبه‏,‏ وانكفأ عليه قرابة ربع قرن‏,‏ وضمنه عصارة علمه الوافي الغزير‏.‏ وإني لأناشد السيد رئيس الجمهورية الاعتراف بخدمات هذا العالم الكبير‏,‏ لا عن طريق المكافآت المادية‏,‏ ولكن بمنح اسمه الخالد وساما رفيعا يتناسب مع قدره العالي في خدمة مصر والعلم والثقافة‏,‏ تشجيعا لغيره من أبناء الوطن علي الاقتداء به‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب