تحقيقات

41643‏السنة 125-العدد2000ديسمبر11‏15 من رمضــان 1421 هـالأثنين

علماء مصريون في أعماق الصحراء الغربية مهمتهم‏:‏
البحث عن جيش قمبيز الذي ابتلعته الصحراء
الغزاة هدفوا للقضاء علي معبد آمون‏..‏ ولكن عاصفة قضت عليهم

تحقيق: وجيه الصقار
مسلم شلتوت ـ على تعيلب ـ على بركات
أثارت رواية المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت الذي زار مصر في القرن الخامس قبل الميلاد ـ انتباه كثير من الباحثين علي مدي التاريخ حول واقعة قيام الجيش الفارسي بمحاولة غزو منطقة سيوة بنحو‏50‏ ألف جندي للقضاء علي عبادة الآلهة آمون رع بها إلا أن هذا الجيش تعرض لعاصفة رملية من بحر الرمال الأعظم بالصحراء الغربية قضت عليه بالكامل‏.‏ وقال هيرودوت في روايته إنه بعد أن احتل القائد الفارسي مصر في عام‏525‏ قبل الميلاد وفي عهد الأسرة‏27‏ الفرعونية وجه قواته للقضاء علي عبادة آمون بالأقصر وهدم معابد طيبة‏,‏ ثم توجه هذا الجيش نحو سيوه إلا أنه وفي منطقة البحرين التي تبعد عن سيوه نحو
‏150‏ كيلومترا اصل الجيش طريقه وفاجأته العاصفة التي قضت عليه وأزالت كل أثر له‏.‏
وعلي مر تلك العصور بذلت جهود فردية للكشف عن حقيقة هذه الواقعة حتي جاءت بعثة إيطالية من مركز بحوث الآثار الصحراوية بالشرق الأوسط بايطاليا برئاسة الدكتور الفريدكاستليح ينو رئيس المركز وشقيقه الدكتور أنجلو وتمكنت بجهودها بالتعاون مع باحثين بمتحف الجيولوجيا بالمعادي في ديسمبر‏1996‏ من اكتشاف أجسام معدنية خاصة ببعض الجنود منها سكين حديدي مغطي بطبقة سميكة من الصدأ‏,‏ وخنجر من البرونز وهو من الصناعات التاريخية في ذلك العصر‏,‏ وأربعة رءوس سهام من البرونز أيضا وحلق من الفضة إذ كان الرجال يرتدونه في ذلك الوقت‏,‏ وكذلك سوار من الذهب‏,‏ وعرضت هذه الاجسام علي هيئة الآثار المصرية التي أكدت ان هذه الأجسام تمثل بالفعل أدوات أثرية‏,‏ غير أن هذه الأثريات التي اكتشف معظمها الباحث المصري علي بركات والذي يعمل بالمتحف الجيولوجي تشير الي أنها آثار الجيش الفارسي‏,‏فشكلت الهيئة العامة للآثار برئاسة واشراف الدكتور جاب علي جاب الله رئيس المجلس الأعلي للآثار بعثة أثرية استكشافية لموقع الأثر تضم‏9‏ أثريين‏,‏ و‏9‏باحثين من المعهد القومي للبحوث الفلكية برئاسة الدكتور علي تعيلب رئيس المعهد بالاضافة‏4‏ سائقين مجهزين بثلاث سيارات بها كل الأجهزة المتطورة للكشف واكتشاف موقع اختفاء جيش قمبيز‏.‏

تاريخ الحملة الفارسية
ويجمع الباحثون من مجموعة هيئة الآثار والمشاركون في البعثة الكشفية أن الكتابات التاريخية حددت تاريخ الحملة الفارسية المتجهة نحو سيوة في عام‏524‏ قبل الميلاد أي بعد احتلال مصر بعام واحد وأكد الخبراء أن الموقع المقصود يوجد علي بعد‏18‏ كيلو مترا جنوب واحة البحرين وهي تقع بين واحة الفرافرة في الشرق حيث عبرتها الحملة الفارسية الي الغرب‏,‏ وواحة سيوة في الغرب وتبعد‏150‏ كيلومترا عن واحة البحرين‏.‏
وفي أواخر أكتوبر الماضي بدأت رحلة الألف كيلومتر وانطلقت السيارات الثلاث في طريقها الي مرسي مطروح علي بعد‏524‏ كيلومترا من القاهرة حيث التقت المجموعة برئيس فرق العمل الأثري عادل السعيد ومنها الي سيوة التي تبعد عن مطروح بــ‏306‏كيلومترات ثم اتجهت المجموعة بعد ذلك الي واحة البحرين التي تبعد‏18‏ كيلومترا عن سيوة‏,‏ وبعد رحلة مضنية شاقة حطت المجموعة رحالها في اليوم الرابع للرحلة‏,‏ وفي صبيحة اليوم التالي حاولوا المرور عبر المنطقة الكثبانية التي أكدت الدراسات الميدانية السابقة وجود آثار للحملة الفارسية بها إلا أنه استحال علي السيارات اجتيازها بسبب الرمال الناعمة الكثيفة وهي امتداد لبحر الرمال الأعظم‏,‏ فاضطر الباحثون والأثريون للمسير علي الأقدام أكثر من‏5‏ كيلومترات قام فيها الباحثون الجيولوجيون والأثريون بعمل مسح شامل سطحي نظرا لصعوبة احضار الأجهزة الخاصة بالكشف العلمي‏,‏ واضطر الباحثون للنوم في الصحراء ليلتين كاملتين دون استخدام لالخيام أوتوافر أي امكانات‏,‏ حتي الأجهزة التي تحملها السيارات المجهزة لعدم امكان نقلها يدويا‏.‏
وسجلت المجموعة اكتشافات تمت بالطرق البدائية شملت مقابر وعظاما آدمية وقطع فخار ووضعت احتمال أن تكون رحلة جيش قمبيز قد سلكت طريق القوافل من عين دالة الي الفرافرة‏,‏ وأن المنطقة جزء من طريق رالي الفراعنة بجانبه الكثبان الرملية الي ترتفع الي نحو‏10‏ امتار ويقع الي الشمال منها جبل البحرين وجبل الموتي‏,‏ وعثرت البعثة أيضا علي فخار أثري وجماجم آدمية متناثرة‏.‏

مخطوطات أثرية
جزء من العظام المتناثرة بالمنطقة
وتشير دراسات البعثة الي أن هناك مخطوطات أثرية تؤكد وقوع حوادث مماثلة لما حدث لجيش قمبيزمن الجنوب‏.‏
وأشارت البعثة الي أنه يجب أن يستخدم في المرحلة المقبلة نظام الاستشعار عن بعد وإعطاء امكانيات أعلي لنقل واستخدام الأجهزة الفائقة والمتوافرة‏,‏ ووضع بحوث دقيقة لتوفير جهود العلماء والأثريين وسرعة الكشف خاصة مع تكدس الرمال علي العصور بالمنطقة‏.‏
ويصف الدكتور مسلم شلتوت الباحث بمعهد بحوث الفلك منطقة واحة البحرين بأنها تقع علي الحواف الشمالية الشرقية لبحر الرمال العظيم فيما يعرف بمنخفض البحرين المحفور بفعل عوامل طبيعية في الحجر الجيري ويرجع اسمها الي وجود بركتين صغيرتين شرق وغرب المنطقة ويبلغ ارتفاع حافتها الجيرية نحو‏400‏ قدم عن مستوي سطح البحر وكانت الي وقت قريب مليئة بأشجار النخيل وبعض النباتات‏,‏ ولكنها انقرضت بسبب ارتفاع ملوحة البحيرتين وتشكيل الرمال السافية الآتية من الشمال الغربي خفورة كبيرة قضت علي مظاهر الحياة بالمنطقة حتي أصبحت واحة البحرين مهجورة‏,‏ وكهوفها المحظورة في حافة التل الحجري تؤكد أنها كانت آهلة بالسكان قديما‏,‏ وموقعها متوسط بين عين دالة وواحة سيوة كان يجعلها محطا للقوافل للتزود بالمياه العزبة‏,‏ وموقعها يجعل منها مكانا محتملا لوصول فلول جيش قمبيز عبر الصحراء في القرن السادس قبل الميلاد‏.‏

البعثة الإيطالية
راسان للسهام من البرونز
وقال‏:‏ إن البعثة الايطالية في عام‏1996‏ فتحت مجالا خصبا للبحث والتنقيب بالمنطقة لعثورها علي كسرات أوان فخارية وأجسام معدنية دعا لارسال البعثة المصرية لاستكشافية بعد ألفين و‏524‏ عاما من الواقعة المذكورة في كتب هيرودوت إلا أن الخلاف الدائر الآن يتحدد في طريق المسير للجيش الفارسي الي سيوة‏,‏ فالبعض يذكر أنه سار في طرق صحراوية مارا بالواحات الخارجة مخترقا الصحراء صوب واحة سيوة عبر الداخلة والفرافرة وعين دالة حيث هلك بعد ذلك ويري آخرون من العلماء أن الجيش سار نحو الغرب الي الجلف الكبير ومنها اتجه شمالا صوب سيوة وهلك‏.‏
وأشار الدكتور علي بركات الباحث بالمتحف الجيولوجي الي أنه برغم الروايات الكثيرة حول قضية جيش قمبيز وعدد قواته فإن هنان عدة دلائل تؤكد أن الكشف الأخير لبعض الأثريات بالموقع يعتبر دليلا ماديا علي واقعة هلاك جيش قمبيز بتلك المنطقة‏,‏ فالاجسام المعدنية التي تم العثور عليها تمثل في مجملها أدوات حربية تماثل عصر استخدامها في هذا الوقت ومن صناعة فارسية كما أن السوار والقرط وهما من معدن مستخدم في هذا العصر وكان يستخدمها الرجال‏,‏ كما أن وجود العظام الآدمية متناثرة علي سطح الأرض يؤكد أنها لأناس عابري سبيل‏,‏ وليسوا مستقرين فلو كانوا مستقرين لدفنوا في مقابر مثلما هو موجود بمقابر جبل البحرين حيث حفرت الكهوف لتكون مقابر تضم رفاة الموتي‏.‏ كما أن وجود هذه الأجسام بالقرب من طريق القوافل القديم والذي كان يربط عين دالة والفرافرة بواحة البحرين‏,‏ التي كان تمثل محطة للقوافل المارة بين سيوة والواحات الجنوبية‏,‏ بالاضافة الي ذلك‏,‏ فإن هذه الآثار التي تم العثور عليها لا تنتمي لسكان واحة البحرين المعروفة إذ أنها تبعد نحو‏10‏ كيلو مترات عن كهوفها المعروفة والمسجلة‏.‏ كما أن جميع الدراسات السابقة حول واحة البحرين لم تشر الي احتمال وجود بقايا أثرية بها‏,‏ وأنه بمقارنة أشكال رءوس السهام البرونزية المكتشفة مع مثيلاتها من العصر الفارسي لوحظ وجود تطابق واضح بينها‏.‏
خنجر من البرونز
‏*‏ أخيرا‏..‏ تثار أسئلة حائرة حول أبعاد قضية جيش قمبيز ومدي امكانية العثور علي آثار عنها بعد ألفين و‏524‏عاما مع وجود تحرك رمالي شبه يومي‏,‏ وهل تستطيع البعثات الأثرية استخدام أجهزة أكثر تطورا لكشف ما تحتفظ الرمال في باطنها علي أبعاد هائلة‏..‏ هذا ما ستكشف عنه جهود هيئة الآثار مستقبلا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب