الكتاب

41607‏السنة 124-العدد2000نوفمبر5‏9 من شعبـان 1421 هـالأحد

رحلة عمر‏..‏ عالم مصري
بقلم : ألفريد فرج

استمتعت بقراءة مذكرات الدكتور رشدي سعيد أستاذ الجيولوجيا‏,‏ والبرلماني‏,‏ وأحد الذي أشرفوا علي مؤسسات القطاع العام الصناعي في الستينات والسبعينات‏.‏
وأنا من هواة قراءة التاريخ‏,‏ وامتع كتب التاريخ عندي هي المذكرات‏.‏ والمكتبة العربية قد اهدتنا في عشرات السنين الماضية بمذكرات نافعة ورائعة لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين والقادة العسكريين ورجال السياسة والصحافة بما أثري حياتنا الثقافية ودعانا في الواقع للاجتهاد في استخلاص الحكمة والفائدة والعظة منها‏.‏
وانفع المذكرات وأمتعها دائما واجدرها بثقة القاريء هي المشاهدات اللمباشرة والتجارب الشخصية للكاتب‏.‏

ولعل من أمتع كتب التاريخ التي يتداولها المثقفون منذ أجيال‏,‏ كتاب الشيخ عبدالرحمن الجبرتي‏:‏ عجائب الآثار في التراجم والاخبار الذي كتبه أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر‏.‏
بالاضافة الي ما في الكتاب من فائدة فإنه شيق وجذاب لما يتميز به أسلوبه من توازن التقارير الموضوعية بالمذكرات الشخصية واليومية‏,‏ وتوثيق المعلومات بالمشاهدات‏.‏ فالمذكرات والمشاهدات الشخصية لها دائما جاذبية خاصة حتي لو خالف القاريء أحيانا رأي الكاتب وتعليقه علي مشاهداته‏.‏
وقد بدأ الدكتور رشدي سعيد رحلة المذكرات بالبحث عن الجذور‏..‏ وفي هذا الفصل قصة طريفة إذ قرر الدكتور أن يزور مسقط رأسه في الصعيد وهي بلدة السراقنة بأسيوط بعد عودته من البعثة بأمريكا‏..‏ حيث استقبله عمدة البلدة بحذر خشية أن يكون قادما للبحث عن ميراث مفقود أو للثأر‏(!)‏

وللقصة كما فهمتها دلالة كبيرة عيدة‏,‏ حيث اعتاد المصريون هجرة المتعلمين من الريف‏,‏ فإذا ما أتموا تعليمهم في المدن أو في بلاد العالم‏,‏ فمن غير المألوف أن يعودوا الي مسقط رؤوسهم والي جذورهم‏,‏ فزيارتهم في مثل هذه الأحوال تثير التساؤل والدهشة والريبة‏(!)‏
وهذه ربما من القضايا التي يجب أن تكون موضوع بحث ومراجعة شاملة‏,‏ لأن الفوارق الحضارية والمدنية بين الريف الذي يدفع إلي المدينة أنبغ أبنائه للتعلم والتوظف وبين المدينة التي تحظي بخير العقول الريفية ويقوم عمرانها ورقيها علي خلاصة ذكاء وعقول الريف‏-‏ هذا التفاوت وهذه الفوارق لا تقل ضررا عن الفوارق الطبقية الواسعة وعن التفاوت الكبير في الدخل وما الي ذلك‏.‏
ولعل جيلنا يذكر أن أوائل القرن العشرين يختلف عن أواخره في علاقة المتعلمين بجذورهم الريفية‏-‏ فقديما كان زملاؤنا في الثانوية والجامعة حريصين علي قضاء اجازات الصيف بقراهم‏,‏ وحريصين علي قضاء الأعياد والاجازات في الريف‏..‏ فلم يكن الساحل الشمالي ومصايف أوروبا قد استولت علي اجازات المصريين الموسرين والمتعلمين وأصحاب الأعمال والمناصب كالحال اليوم‏.‏

ولعل الفائدة الثانية الهامة التي يستخلصها القاريء لمذكرات الدكتور رشدي سعيد الشيقة هي القلق الذي يعانيه الكثير من غير المتميزين بالكفاءة إزاء أصحاب الكفاءة‏(!)‏
وقد ذكر الدكتور رشدي كيف عاني أحيانا من التقارير الكيدية التي كتبها في حقه زملاء أو رؤساء أو مرؤوسون له سواء في الجامعة أو في مؤسسة التعدين التي رأسها مدة ثماني سنوات‏.‏
والواقع أن مصر تعرضت كثيرا للحصار من الدول الغربية في الخمسينات والستينات‏,‏ واعتمد نظام الحكم أكثر مما يجب علي التقارير السرية في مسألة أمن النظام وأمن البلاد‏..‏ فكان للتقارير الكيدية شأن أدي الي الايقاع بكثير من الابرياء وإلي حصار المتميزين أو نفورهم الاختياري وميلهم للسلبية وللعزلة تقية من كيد الحاسدين‏.‏

ولقد عاش الدكتور رشدي النصف الثاني من القرن العشرين وهي سنوات الحروب مع اسرائيل والانقلابات السياسية في المنطقة كلها والظروف الصعبة التي نجمت عن الصدامات الصامتة للحرب الباردة بين الشرق والغرب وظروف التنمية الاقتصادية والاجتماعية الصعبة‏.‏
هي سنوات الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة التي تعرضت لها البلاد‏,‏ وفي هذه السنوات تعرض أهل الامتياز في العلم والفكر والانجاز لكثير من آثار التقارير الكيدية‏.‏
وقد اختير د‏.‏ رشدي سعيد عضوا في اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني العام‏1962‏ ثم عضوا في المؤتمر الذي صاغ الميثاق الوطني وأقيم علي أساسه الاتحاد الاشتراكي وتحالف قوي الشعب العامل‏..‏

ثم اختير الدكتور رشدي عضوا بمجلس الشعبب في ثلاث دورات من‏1964‏ الي‏1976‏ فشهد وشارك في العمل السياسي من موقع رفيع‏..‏ وروي في مذكراته عن أحداث هزيمة‏1967‏ وتنحي جمال عبدالناصر وعودته بإلحاح الجماهير ثم أحداث نصر‏1973‏ وقوانين الانفتاح الاقتصادي‏.‏
ومما يثير أقصي الاهتمام شهادة الدكتور رشدي عن أيام نشاطه في إطار الاتحاد البرلماني الدولي من‏1964‏ الي‏1976‏ ممثلا للشعبة البرلمانية المصرية في مجلس الاتحاد‏..‏ وهي الشعبة التي لم تتوقف جهودها لحظة في إيضاح القضية الفلسطينية ودفعها الي الأمام حتي استطاعت هذه المجموعة البرلمانية ضمان عضوية منظمة التحرير الفلسطينية في الاتحاد البرلماني الدولي بصفة مراقب‏..‏ وجهود الكاتب في هذا المجال أشاد بها الدكتور جمال العطيفي في مقال صحفي‏.‏
وقد كان من نتائج جهود الشعبة المصرية في الاتحاد البرلماني الدولي أن كثيرا من الدول الافريقية قطعت علاقاتها باسرائيل بعد‏1967,‏ وكان لهذا صدي عالمي بعيد الأثر‏.‏

وشهد الدكتور رشدي اهتمام جمال عبدالناصر بالصناعة وبالوادي الجديد‏,‏ ثم ذكر أن الصناعة أهملها القطاع الخاص الذي تكون تحت مظلة الانفتاح الاقتصادي‏,‏ واحتفي الاستثمار بالخدمات والقطاع التجاري أكثر مما اهتم بالصناعات‏.‏
ولاحظ الدكتور رشدي ملاحظة مهمة مغفولا عنها‏,‏ وهي أن الولايات المتحدة استقبلت بعد الحرب آلاف الأفواج للمهاجرين من العمال والحرفيين والأيدي العاملة من أوروبا اللتي حطمتها الحرب ودمرت اقتصادها‏..‏ ثم شرعت منذ الستينات في موازنة هذه الهجرة العريضة للعمال بهجرة منتخبة من العقول الذكية من الخبراء والعلماء وأهل المهن الرفيعة‏.‏
هذا حدث في وقت كان فيه العالم الثالث والبلاد المستقلة حديثا قد بدأت عمليات التنمية والدخول في العصر الصناعي‏,‏ فكانت سياسة الهجرة الأمريكية منذ‏1960‏ من العوامل المهمة التي كان لها تأثيرها علي مشاريع التنمية في العالم الثالث‏,‏ وطالت حتي أوروبا كما طالت البلدان المستقلة حديثا‏,‏ وهو ما تعارف عليه العالم باسم النزيف العقلي والعلمي الذي عاني منه العالم الثالث خاصة‏.‏

وقد بدأت رحلة الدكتور رشدي بميلاده سنة‏1920‏ غداة ثورة‏1919‏ ونشأ في مناخ دستور‏1923‏ والصراع السياسي بين الملك من جهة وحزب الوفد من جهة والمحتل البريطاني من جهة ثالثة‏.‏
ثم عاصر قيام الثورة‏1952,‏ وحروب اسرائيل واعتداءات‏1956,‏ فهو يرصد هذا كله من خلال انفعاله بالأحداث وتحليلها‏.‏
ولكن الدكتور رشدي سعيد عالم قبل كل شيء‏.‏ ومساهماته العلمية علي جانب كبير من الأهمية‏,‏ وله كتاب عالمي ترجم الي كثير من اللغات بعنوان جيولوجيا مصر يعتبر من أهم المراجع في موضوعه‏.‏ كما أن له كتابا مهما آخر هو نهر النيل يعتبر أيضا من المراجع العلمية المهمة في موضوعه‏.‏

وللدكتور رشدي أبحاث علمية كثيرة‏,‏ وقد تخرج في كلية العلوم بجامعة القاهرة‏1941‏ وكان من أول دفعة مبعوثين الي جامعة هارفارد الأمريكية الشهيرة بمستواها العلمي الرفيع حيث حصل علي الدكتوراه وعاد ليساهم في تطوير البحث العلمي بالجامعة‏.‏
وفي سنة‏1962‏ و‏1963‏ قام مع زميله الأمريكي الدكتور وندورف والدكتور البهي عيسوي في رحلة واسعة وشاقة في النوبة للبحث الجيولوجي والبحث عن آثار ما قبل التاريخ في أراضي النوبة الشاسعة التي ستغرقها بحيرة السد‏..‏
ثم انتقل بالبحث الجيولوجي الي دراسة النيل والفيوم والصحراء الغربية والواحات‏..‏ ثم نظم الدكتور رشدي وهو رئيس مؤسسة التعدين فرقا علمية للكشف الجيولوجي في صحاري مصر وواحاتها‏..‏
ولم تكن هذه الرحلات بالنزهات السهلة فهو يضف ظروفها في كتاب مذكراته بقوله‏:‏ وكان موسم العمل الحقلي يمتد مابين عشرة واثني عشر اسبوعا نقضيها في الصحراء في معسكرات‏(‏ اسبرطية‏)(‏ يعني متقشفة‏)‏ لم تكن بها ثلاجات أومياه كافية للاستحمام المتكرر‏,‏ ومع ذلك فقد كان الذهاب إليها متعة اتطلع إليها في كل عام‏.‏

وقد قابلت الدكتور رشدي سعيد وعرفته في هذه السنوات بالقاهرة وشاقني حديثه عن الرمل والصخور والطبقات الجيولوجية وطرق البحث العلمي في مستويات الأرض السطحية والعميقة‏.‏
فأحببت أن أداعبه مرة بقولي‏:‏ يادكتور رشدي‏..‏ كلنا نردد اننا نحب تراب الوطن وأرض الوطن‏,‏ ولكننا ربما لا نستطيع أن نحب أرضنا مثل حبك لها‏,‏ فأنت أكثر منا معرفة بطبيعة الأرض التي تحبها‏..‏ نيلها وضفافه‏..‏ صحراءها ورملها وصخورها وما تطويه وتخبئه من أسرار لا نعرفها نحن‏.‏
والواقع أن وطنية الدكتور رشدي سعيد كانت حافزه الأكبر للتعلم والتفوق في العلم والجلد علي الدراسة وعلي البحث والخدمة العامة في مجال الجامعة وفي مجال التعدين وفي المجال البرلماني والسياسي‏.‏
ومع أنه مقيم في الخارج‏,‏ فهو يكرس كل كتاباته العلمية والفكرية للصحف المصرية وللقاريء المصري‏,‏ ولا يفكر بعد أن بلغ الثمانين في عزلة أو راحة أو اعتكاف علي النفس‏.‏
هو دائما شعلة من النشاط والذكاء والولاء للجامعة وللوطن والشغف بالمساهمة في العلم عن تراب مصر ومياهها وتاريخها‏,‏ وبالرأي في مختلف الجوانب للتنمية والتصنيع‏.‏

يكتب عن رحلته الي لندن سنة‏1948:‏
دخلت المتحف البريطاني في مبناه العتيد‏,‏ وتوجهت الي القسم المصري مباشرة لأري آثار مصر التي نقلت الي بريطانيا وعلي الأخص حجر رشيد الشهير‏.‏ وتوقفت أمام آثار الدولة القديمة‏,‏ فوجدت سيدة انجليزية من زوار المتحف تنظر لي بعيون فاحصة بعد أن توقفت فجأة فحص الآثار‏,‏ مما سبب لي الارتباك وعدم الارتياح إلا أنها سرعان ما تقدمت نحوي لتقول لي‏:‏ أنت مصري بلا شك‏,‏ فلما أظهرت دهشتي قالت وهي تشير الي تمثال وراء زجاج العرض‏,‏ ألا تري الشبه بينك وبينه؟ وعدت أنظر للتمثال وكان لأحد أشراف الأسرة الرابعة‏,‏ فاذا به يتشابه بالفعل معي‏.‏ واثار هذا الحادث فضولي لمعرفة سكان مصر الأقدمين‏.‏
وتذكرني هذه الواقعة الطريفة العابرة‏,‏ وأنا أحد الذين سافروا كثيرا في أنحاء الدنيا‏..‏ بأن المرء يستطيع في الخارج أن يميز المواطن المصري والملامح المصرية بسهولة‏.‏ فالمصري له ملامح مميزة وكثيرا ما كنت أداعب من أصادفهم في أصغر القري بألمانيا أو فرنسا بمبادرتهم بقولي‏:‏ أنت مصري فيضحك بمرح ويقول لي‏:‏ أنا من دكرنس بلد أم كلثوم‏,‏ واسمي عبدالرحيم‏..‏
وألاحظ فوق ذلك أيضا أن عدد العلماء والفنانين والمبدعين المصريين في الداخل والخارج يلفت النظر بحيث لا يقاربه عدد المبدعين في شعب له مثل ظروفنا‏.‏
فهل للمصري ميل طبيعي أو وراثي للإبداع؟ أو هل للمصري ذاكرة تاريخية تؤهله للتحصيل وتلهمه مباهج الفن؟‏!‏ أو القدرة علي التفكير العلمي؟
هذه أسئلة تبادرت الي ذهني في أثناء قراءة مذكرات الدكتور رشدي سعيد التي صدرت حديثا بعنوان رحلة عمر في مناسبة بلوغ المؤلف سن الثمانين‏..‏ أحب أن يهدي انطباعاته للأجيال الحديثة عن تجربة مصر وتجربته مع الديمقراطية‏,‏ والتنمية القائمة علي العلم‏,‏ ومع الحياة البرلمانية في الداخل والخارج وعن مشاهداته في شركات القطاع العام‏,‏ في مجالات التعدين‏,‏ وعن البعثات العلمية الجيولوجية في صحاري مصر‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب