الكتاب

41618‏السنة 124-العدد2000نوفمبر16‏20 من شعبـان 1421 هـالخميس

أوراق ثقافية
المساءلة النقدية للممارسات العربية
بقلم: السيد يسين

حاول الفكر العربي المعاصر تأسيس تقاليد النقد الذاتي السياسي علي وجه الخصوص منذ عام‏1948,‏ تاريخ هزيمة الجيوش العربية أمام القوات الاسرائيلية‏,‏ في العام الذي شهد اعلان الدولة الصهيونية‏.‏ وكانت البدايات الأولي لهذا النقد متواضعة حقا‏,‏ لأن الهزيمة أو النكبة كما أطلق عليها ذلك المؤرخ اللبناني المعروف قسطنطين رزيق ـ وهو أهم من مارس النقد الذاتي في هذه الحقبة بكتابه معني النكبة ـ تمت في وقت كانت فيه أغلب البلاد العربية مازالت تعاني الاستعمار وافتقارها للسيادة الوطنية‏,‏ بحيث كانت حريتها في الحركة بالغة الضيق‏.‏ وكانت الجيوش العربية تعاني من قلة التسليح ومن ضعفها التنظيمي‏.‏ كل ذلك بالاضافة الي أن الجماهير العربية لم تكن قد نضج وعيها السياسي الذي يسمح لها بالتأثير علي الأحداث‏,‏ أو التحكم في الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد العربية‏.‏
غير ان كل هذه العوامل التي أدت الي هزيمة‏1948,‏ والتي كانت في ذاتها مبررا لحركات ثورية كبري في العالم العربي‏,‏ لعل أهمها علي الاطلاق ثورة‏23‏ يوليو‏1952,‏ انتفت في حرب عام‏1967,‏ علي أساس ان التغيرات الثورية البالغة العمق التي أصابت بنية المجتمعات العربية في ظل ماكان يطلق عليه الدول التقدمية قد قضت عليها‏.‏
وفي يقيننا أن جسامة الصدمة التي أصابت الوجدان العربي نتيجة للهزيمة عام‏1967‏ ترد الي عاملين أساسيين‏:‏ أولهما تضخم صورة الذات العربية نتيجة للأوهام التي زرعت في أذهان الجماهير العربية عن القوة التي لاتقهر للقوات المسلحة العربية‏,‏ وثانيهما المحاولات الدعائية المنظمة التي شارك فيها فريق من المثقفين العرب والتي حاولت بدأب الاقلال من خطر العدو الاسرائيلي والاستهانة بقدراته ورسم صورة مزيفة لحقيقته أ الاجتماعية والسياسية والعسكرية‏.‏
وحين رجعت الي دراسة قديمة لي نشرتها في مجلة الكاتب عام‏1972‏ بعنوان الفكر العربي في مواجهة الهزيمة وكنت أقصد هزيمة عام‏1967‏ ـ أوردت نصا حافلا بالنقد الذاتي العربي للشاعر المعروف أدونيس‏,‏ نشره بعنوان بيان‏5‏ حزيران‏1967(‏ في مجلة الآداب‏,‏ يوليو ـ أغسطس‏1967).‏

يبدأ أدونيس البيان كما يلي‏:‏ من أنا؟ هل أعرف نفسي؟ دخل غيري عصر الكهرباء والالكترون والذرة‏.‏ يصلون الي القمر‏.‏ يفتحون صفحة جديدة في سفر التكوين الانساني‏.‏ سرت قليلا‏.‏ تعلمت قليلا‏.‏ أمتلك ثروة كالبحر‏,‏ وأنا الآن واضع يدي علي أرض يجري فيها الذهب أنهارا‏.‏ حاولت ان أخرج من بدائيتي الزراعية الي عالم الصناعة والآلة‏.‏ حاولت ان أدخل عالم الفكر‏...‏ لكن هل استخدم السيارة حقا أم انني استخدم فرسا من حديد؟ هل أقود الطائرة حقا أم أنني أقود احدي أعاجيب الفضاء ـ شيئا غريبا نصفه طير ونصفه بشر‏..‏؟؟ هل تعلمت الهندسة حقا‏,‏ أم أنني أخذت شهادة تزينت بها كالوسام؟ هل أستخدم الطاقة الكهربائية‏,‏ أم أنني أستخدم شموع الزجاج ومصابيح تشتعل بلا زيت؟ هل أن سيري تقدم حقا‏,‏ أم أنه صخب ورايات؟ هل الدولة التي أبنيها نظام حقا‏,‏ أم هي قبيلة ثانية؟ هل ماأسميه نهضة أو ثورة أو انقلابا‏,‏ نهضة أو ثورة أو انقلابا بالفعل؟
لعل هذا النص يكشف بوضوح عن عمق النقد الذاتي العربي بعد هزيمة يونيو‏1967.‏
غير انه يلفت النظر حقا انه قامت بعد حرب اكتوبر المجيدة عام‏1973‏ موجة ثانية من النقد الذاتي العربي تحت شعار أزمة التطور الحضاري في العالم العربي‏.‏ ومن تحليلنا لأعمال الندوة التي انعقدت في الكويت لمناقشة هذا الموضوع‏,‏ يمكن القول انها تدل علي ادراك عميق لمنظمي الندوة والباحثين الذين شاركوا فيها‏,‏ علي أن حرب اكتوبر رغم انجازها الكبير‏,‏ لاتدل بذاتها‏,‏ علي أن الوطن العربي قد خاض بنجاح اختبار التحديث‏,‏ وان هناك حاجة شديدة لمناقشة الأسباب التي تمنع الوطن العربي من الانطلاق في المسيرة الحضارية المعاصرة‏.‏ وفي الموجة الرابعة للنقد الذاتي التي برزت في المناقشات الخصبة التي أدارتها صفحة الحوار القومي في الأهرام عام‏1986,‏ كان الحديث عن المأزق العربي‏,‏ الذي كشف عنه بوضوح عجز الوطن العربي عن تحقيق أهدافه السياسية في الوحدة وفي التحرر من الهيمنة الأجنبية وفي المواجهة الفعالة للتهديد الاسرائيلي في نفس الوقت‏.‏

مشكلة واحدة وتيارات ثلاثة
المشكلة الأساسية التي تواجه الوطن العربي منذ عام‏1948‏ حتي الآن‏,‏ هي الاحساس بأن الوطن العربي لم يستطع ـ بالرغم من كل المحاولات الجسورة التي قامت بها بعض النظم العربية الثورية ـ ان يتحرر من أسر الهيمنة الأجنبية‏,‏ سواء في مجال العلاقات الدولية أو السياسية أو الاقتصادية‏.‏ وهذه الهيمنة اتخذت عبر الزمن صورا شتي‏,‏ فانتقلت من الاستعمار التقليدي‏,‏ الي الاستعمار الجديد‏,‏ وهي في الوقت الراهن تتمثل في هيمنة الدول العظمي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية علي اتخاذ القرار الدولي‏,‏ ويكفي ان نشير الي المواقف الأمريكية في حالات حصار العراق وحصار ليبيا وحصار السودان‏.‏ كل ذلك بالاضافة الي سطوة المؤسسات الدولية الكبري كالبنك الدولي‏,‏ وصندوق النقد الدولي‏,‏ ناهيك عن الهيمنة الكبري الاقتصادية للشركات متعددة الجنسيات‏,‏ وفي تطورات العولمة الأخيرة‏,‏ انشاء منظمة التجارة العالمية‏,‏ وسيطرتها علي مجمل تفاعلات التجارة الدولية لمصلحة الدول الصناعية المتقدمة في المقام الأول‏,‏ وهذه المشكلة الأساسية التي يواجهها الوطن العربي والتي اتخذت شكل الهزيمة الصريحة في حرب‏1948,‏ وحرب‏1967,‏ وتمثلت في العجز العربي عن المواجهة الفعالة للعدوان الاسرائيلي المستمر علي لبنان والشعب الفلسطيني بعد حرب اكتوبر‏1973‏ وحتي الآن‏,‏ وخصوصا بعد الهجمة البربرية علي الضفة الغربية وغزة‏,‏ واجهتها تيارات فكرية ثلاثة‏,‏ يمكن اجمالها في التيار العلماني الليبرالي‏,‏ والتيار الديني المحافظ‏,‏ والتيار التقدمي الثوري الذي يضم الماركسيين والاشتراكيين والقوميين في نفس الوقت‏.‏ أما التيار العلماني الليبرالي فرائده ولاشك هو المؤرخ اللبناني قسطنطين زريق الذي فتح مبكرا في الواقع باب النقد الذاتي العربي بكتابه الشهير معني النكبة الذي نشره عام‏1948,‏ وعاد ليعيد صياغته مرة أخري في ضوء هزيمة‏1967‏ ونشره بعنوان معني النكبة مجددا‏.‏
ويبدأ زريق هذا الكتاب بالتذكير بالقضايا الأساسية التي أثارها في كتابه الأول‏,‏ الذي ذكر فيه أن للنكبة أسبابا قريبة وأخري بعيدة‏.‏ وأن المعالجة المفروضة هي أيضا قريبة وبعيدة‏.‏

أما المعالجة القريبة فتقوم علي خمسة أركان‏:‏
ـ تقوية الاحساس بالخطر وشحذ ارادة الكفاح‏,‏ والتعبئة المادية في ميادين العمل كلها‏.‏ وتحقيق اكبر قسط من التوحيد الممكن بين الدول العربية‏.‏ واشراك القوي الشعبية في النضال‏.‏
ـ استعداد العرب للمساومة والتضحية ببعض المصالح لدرء الخطر الأكبر‏.‏
أما المعالجة البعيدة أو الحل الأساسي فسبيلها تبدل أساسي في الوضع العربي‏,‏ وانقلاب تام في أساليب تفكيرنا وعملنا وحياتنا بكاملها‏.‏
يكفل قيام كيان عربي متقدم قادر علي أن يدرأ الخطر الصهيوني‏,‏ بل أي خطر أجنبي ويتغلب عليه‏,‏ وأهم مقومات هذا الكيان العربي المنشود هو‏:‏ الاتحاد والتقدم الصحيح‏.‏

ويستطرد زريق قائلا انه ينبغي لبلوغ هذا التقدم ان نلحق بركب العالم المتقدم الذي نعيش فيه‏,‏ ولتحقيق هذا الهدف هناك عدة خطوات لابد من قطعها هي‏:‏
ـ اقتباس الآلة‏(‏ ويعني التكنولوجيا بمختلف صورها‏)‏ واستخدامها في استثمار مواردنا علي أوسع نطاق ممكن‏.‏
ـ فصل الدولة عن التنظيم الديني فصلا مطلقا‏.‏
ـ تدريب العقل وتنظيمه بالاقبال علي العلوم الوضعية والتجريبية
ـ الابتعاد ماأمكن عن الخيال المخدر والرومانطيقية المانعة
ـ فتح الصدر واسعا لاكتساب خير ماحققته الحضارات الانسانية من قيم عقلية وروحية اثبتت صحتها الاختبار الانساني الجاهد لبناء الحضارة‏.‏

ويكشف زريق عن طابع فكره الليبرالي الذي لايرتضي الثورة سبيلا للتغيير الاجتماعي‏,‏ حين يحدد ضمان اتخاذ هذه الخطوات في فكرتين اساسيتين ترددتا في كل تراث الفكر الليبرالي‏,‏ وهما ان يتم ذلك عن طريق الاصلاح التطوري في مختلف نواحي الحياة‏.‏ ويعترف بأن هذا الاصلاح بطبيعته طويل المدي بطئ الأثر‏.‏ وان يعتمد الاصلاح علي مبادرة القادة والصفوة الذين يدفعون الاصلاح دفعا‏,‏ شرط ان يكونوا انفسهم تقدميين‏.‏
ويجابه زريق المشكلة الأساسية في الصراع العربي الاسرائيلي من وجهة نظره وفكرته الأساسية التي يصدر عنها هي ان المجتمع العربي والمجتمع الاسرائيلي ينتميان الي حضارتين مختلفتين‏,‏ أو الي مرحلتين متفاوتتين في مراحل الحضارة‏.‏ ويعني بالحضارة هنا أساسا الحضارة الحديثة التي تفوقت بانجازاتها العلمية النظرية والتطبيقية وما وراء هذه الانجازات من عقلانية متطورة‏.‏
مشكلة التخلف العلمي العربي هي المشكلة الرئيسية في نظر زريق‏,‏ غير ان المشكلة الأخري مايسميه الضعف النضالي العربي‏,‏ والذي ينبغي مواجهته بتقوية النضال الفلسطيني والدعم العربي لهذا النضال‏.‏ وكل هذه الأهداف لايمكن ان تتحقق الا من خلال الوحدة العربية‏,‏ وعن طريق ثقة الشعوب بقادتها‏,‏ ولن يتحقق هذا كله الا بتدعيم الديمقراطية العربية‏.‏
غير ان هناك تيارات اخري حاولت ان تواجه العجز العربي من منظورات مختلفة وهي تستحق ان نتأمل منطلقاتها وسياساتها المقترحة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب