ملفات الأهرام

41576‏السنة 124-العدد2000اكتوبر5‏7 من رجب 1421 هـالخميس

ديوان الحياة المعاصرة‏[358]‏
الأهرام والحزب الشيوعي الأول‏!‏
الشبيبة أول جريدة يصدرها الحزب الشيوعي المصري
النائب العام يأمر بإعادة أربعة من الطلاب المصريين أرسلوا للتعلم في روسيا‏.‏
سلامة موسي‏:‏ الشيوعية حركة هوجاء جنونية‏!‏
بقلم‏:‏ د. يونان لبيب رزق

تكشف قراءة أهم الكتابات التي تناولت الحزب الشيوعي المصري الأول‏(1922-1924)‏ بالتأريخ عن حقيقة غريبة‏,‏ فهي أحيانا قد اعتمدت بشكل‏(‏ كامل‏)‏ علي الأهرام مما يبينه الفصل العاشر من العمل المرجعي للدكتور عبد العظيم رمضان عن تطور الحركة الوطنية في مصر‏1918-1936,‏ واعتمدت أحيانا أخري بشكل‏(‏ غالب‏)‏ علي جريدتنا فيما تنم عنه الدراسة الشاملة للدكتور رفعت السعيد عن تاريخ الحركة الشيوعية المصرية من‏1900-1940.‏
وأن تكون صحيفتنا هي المصدر الأساسي لمثل تلك الأعمال العلمية الرصينة إنما يتطلب تفسيرا‏..‏

أول الأسباب في تقديرنا ما تمتعت به الأهرام من درجة مصداقية عالية‏,‏ ومن وجود فاعل لمندوبيها في دوائر الشرطة وقاعات المحاكم‏,‏ الأمر الذي مكنها من الإلمام الواسع بالتطورات التي لاحقت أول وآخر حزب شيوعي علني علي أرض الكنانة‏.‏

يشهد علي ذلك أن النائب العام عندما أراد أن يستزيد من معلوماته حول الحركة الشيوعية المصرية استدعي مندوب الأهرام بالإسكندرية في‏24‏ مارس عام‏1924‏ الذي قدم له شهادة عامة عن تاريخ الحركة الاشتراكية التي تحولت إلي شيوعية لأننا رأينا تطورها وكتبنا عنها مرارا ونشرنا حقائق أخبارها في حين كان الجمهور لا يعرف إلا الشيء القليل عنها‏!‏

سبب آخر أن أغلب أعضاء الحزب اتخذوا من صحيفتنا منبرا للتعبير عن آرائهم ومواقفهم‏,‏ بالاتفاق أو الاختلاف‏..‏ المسيو روزنتال الأب الروحي للحركة الشيوعية المصرية‏,‏ سلامة موسي الاشتراكي المعتدل الذي أعلن عن تخوفاته من توجه الحزب إلي الشيوعية‏,‏ حسني العرابي الذي كان من أكثر المتحمسين لتحويل الحزب الاشتراكي لحزب شيوعي‏..‏ كل هؤلاء وآخرين كتبوا في الأهرام تعبيرا عن مواقفهم‏.‏

سبب ثالث أن الفترة التي نشطت فيها الحركة اليسارية‏(1921-1924)‏ قد تزامنت مع تطورات متلاحقة للحركة الوطنية‏..‏ النفي الثاني لسعد زغلول‏,‏ صدور تصريح‏28‏ فبراير عام‏1922,‏ وضع الدستور في العام التالي‏,‏ ثم الانتخابات التشريعية التي انتهت إلي قيام أول برلمان مصري حقيقي عام‏1924‏ وما تبعها من قيام حكومة الشعب برئاسة زعيم الثورة‏..‏ كل ذلك لم يفسح للصحف الأخري‏,‏ خاصة إذا ما كانت حزبية‏,‏ مثل السياسة والأخبار واللواء المصري وغيرها‏,‏ مكانا تخصصه لتلك التطورات المؤثرة‏,‏ علي عكس الأهرام التي كان تدلي بدلوها في بئر تلك الأحداث‏,‏ ولكن ليس إلي حد الغرق الذي يصعب معه إخراج الدلو مرة أخري‏!‏

يتأكد ذلك من إحصائية سريعة لحواشي فصل التيارات السياسية في الحركة الوطنية في كتاب الدكتور عبد العظيم رمضان‏,‏ ففي مقابل‏98‏ حاشية مصدرها الأهرام وجدت حاشيتان فحسب للسياسة وحاشية يتيمة مستمدة من الأخبار‏(!),‏ أما حواشي نفس الفترة من عمل الدكتور رفعت السعيد تاريخ الحركة الشيوعية المصرية ففي مقابل استعانته بالأهرام‏38‏ مرة لم يأت ذكر أية صحيفة أخري‏!‏

وقد تصورنا مع البداية أن ما درجت عليه الأهرام من الالتزام بأكبر قدر من الحياد كان وراء أن قصدها جميع الفرقاء يكتبون فيها‏,‏ بمن فيهم أصحاب المنابر الجاهزة‏,‏ كما حدث بالنسبة للدكتور محمد حسين هيكل الذي كتب في جريدتنا حول هذا الموضوع‏,‏ رغم أنه كان يرأس تحرير صحيفة من أقوي الصحف الحزبية وقتئذ‏,‏ هي صحيفة السياسة‏!‏

بيد أن متابعة ما كتبته جريدتنا حول تاريخ الحزب الشيوعي الأول في مصر لم يتسم بهذا الحياد‏,‏ فمنذ الوهلة الأولي كان واضحا أنها منحازة‏,‏ ولكن ليس له‏(!),‏ وهو الجديد الذي نزعم أنه يمكن تقديمه في هذه الحلقة من الديوان‏,‏ خاصة وأن الدكتور رمضان والدكتور السعيد وأترابهما ممن كتبوا عن هذا التاريخ لم يتركوا لنا جديدا نضيفه في هذا الشأن‏.‏

فقد كتب هؤلاء ما مفاده أن مصر قد عرفت في الفترة التي أعقبت الحرب العظمي حركة نقابية نشطة شارك فيها المصريون علي نطاق واسع‏,‏ خاصة لما ترتب علي هذه الحرب من حلول العمالة لمصرية محل الأجنبية بعد أن هاجر من البلاد عديد من الأوربيين بسبب ظروفها‏,‏ كتبوا أيضا عن انتشار الأفكار الاشتراكية بين نخبة المثقفين من أبناء الطبقة الوسطي‏,‏ خاصة بين هؤلاء الذين تلقوا نصيبا من تعليمهم في الخارج وتحولوا إلي دعاة لها خاصة في مجلة السفور التي كانوا يصدرونها خلال السنوات الأخيرة من الحرب‏,‏ الأمر الذي دعا جريدتنا إلي توصيفهم بأنهم خلاصة من الشبيبة المصرية المتعلمة تلقوا دروسهم العالية في أوربا‏.‏

المهم‏(‏ أولا‏)‏ أنه من بين هؤلاء تشكل في أغسطس عام‏1921,‏ وبناء علي دعوة من جوزيف روزنتال‏,‏ الحزب الاشتراكي المصري‏..‏ وروزنتال شخصية غريبة ترددت حولها قصص كثيرة‏..‏ الجنسية‏:‏ سويسري أو روسي أو إيطالي أو ألماني‏(!),‏ ورغم أن أجهزة الأمن صنفته علي أنه روسي‏,‏ خاصة بعد قيام الثورة البلشفية إلا أنه تمسك بكونه مصريا‏,‏ ويذكر ملفه في وزارة الداخلية أن أجهزة الأمن بدأت تتابعه منذ مطلع القرن‏,‏ واعتبرته في ملفاتها فوضويا منذ عام‏1913..‏ وقد انضم إليه كل من سلامة موسي وعلي العناني وعزيز ميرهم وآخرين ونشروا برنامجهم الذي اختلف عن برامج الأحزاب الأخري بما تضمنه من المبادئ الاشتراكية بالتوزيع العادل للثمرات علي العاملين طبقا لقانون الإنتاج والكفاءة الشخصية

المهم‏(‏ أيضا‏)‏ أن إعلان قيام الحزب قوبل بموجة هجوم من العناصر المحافظة من ناحية‏,‏ وبزيادة حركة الاعتصابات من ناحية أخري التي طال بعضها حتي وصل إلي‏113‏ يوما بين عمال تكرير البترول في السويس‏,‏ ثم أخيرا بانقسام بين أعضائه انتهي في يونيو عام‏1922‏ بطرد أغلب أعضائه من المثقفين المصريين علي رأسهم سلامة موسي‏,‏ والذين هجروه بعد أن وجدوا أن الحزب تحت تأثير روزنتال في طريقه إلي تغيير جلده في اتجاه أكثر يسارية ليصبح الحزب الشيوعي‏,‏ مما بدا في أول الشهر التالي حين أصدر المتبقون جريدة الشبيبة التي اتخذت شعارها المنجل والمطرقة وتضمن أول أعدادها مقالا للينين‏.‏

المهم‏(‏ ثالثا‏)‏ أن الحزب أعلن تغيير اسمه في‏21‏ ديسمبر عام‏1922‏ بعد أن تخلص من روزنتال بناء علي طلب الرفاق الروس‏,‏ وأعلن مبادئه وكان منها المطالبة بجلاء الجنود البريطانية عن مصر والسودان‏,‏ جعل قناة السويس ملكا للأمة‏,‏ إلغاء الامتيازات الأجنبية‏,‏ وألا تزيد ساعات العمل عن ثمان‏,‏ الاعتراف بحكومة السوفيت وجعل جميع الأملاك الخصوصية ملكا للأمة‏.‏

المهم‏(‏ رابعا‏)‏ أن الحزب أحرز نجاحا ملحوظا في نشاطاته بين الطبقة العاملة عام‏1923,‏ وأنه عندما عينت الحكومة لجنة للتوفيق بين العمال وأصحاب الأعمال كان أول من عرقل أعمال تلك اللجنة‏,‏ متذرعا في ذلك بأنه يرفض هذا الأسلوب الحكومي في معالجة المنازعات العمالية مع أرباب العمل‏.‏

المهم‏(‏ أخيرا‏)‏ أنه عندما تفجرت حركة اعتصابات جديدة في أوائل عام‏1924‏ بتشجيع من الحزب‏,‏ بعد أن تشكلت وزارة الشعب برئاسة سعد زغلول باشا‏,‏ فقد تحرك هذا الأخير من منطلق زعامته للأمة ووصف احتلال العمال للمصانع بأنه عملية اغتصاب‏,‏ واتخذ الإجراءات الحكومية المناسبة لوقف تلك الأعمال وتم القبض علي عدد من زعماء الحزب‏;‏ محمود حسني العرابي‏,‏ الشيخ صفوان أبو الفتح‏,‏ الشحات إبراهيم‏,‏ أنطون مارون ومحمود إبراهيم السكري وآخرين ووجهت إليهم تهمة نشر أفكار ثورية مخلة بمبادئ الدستور المصري ومغايرة له وتحبيذ تغيير النظم الأساسية في الهيئة الاجتماعية بالقوة والإرهاب والتهديد والتدابير غير المشروعة‏,‏ وكانت محاكمة هؤلاء بمثابة الضربة القاضية للحزب الشيوعي الأول خاصة بعد السياسات التي لجأ إليها الوفد بعد ذلك بتشكيل اتحادات عمالية تحت مظلته‏,‏ يتولي مسئوليتها واحد من أهم قياداته وهو عبد الرحمن فهمي بك‏.‏


‏***‏
ظلت الأهرام تتعامل مع الحزب الشيوعي علي أنه مجرد دعوة مثالية تعتنقها جمهرة من الأجانب والمثقفين المصريين‏,‏ أما وأن تتحول تلك الدعوة إلي عمل إيجابي فيما حدث في الإسكندرية خلال شهر فبراير عام‏1924‏ فقد دعاها إلي أن تسفر عن موقفها منها‏..‏ فيما وصفته في عددها الصادر يوم‏25‏ فبراير بقولها أن الحركة الاشتراكية المنقحة بالشيوعية انفجرت انفجارا قويا‏,‏ وعددت مظاهره‏..‏ احتلال عمال شركة الغزل لمصنعهم احتلالا مستمرا يشتغلون فيه نهارا وينامون ليلا‏,‏ انقسام عمال شركة إيجولين إلي فريقين يتناوبان احتلال المصنع في الليل والنهار‏,‏ وغيرها من الأحداث الأقل أهمية‏.‏

دعا ذلك الصحيفة إلي أن تنبه الحكومة لاتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكراره في بلد من بلدان هذا القطر وأن تقضي علي المذهب الشيوعي قبل انتشاره واستفحال أمره‏,‏ فإن تجارب روسيا وإيطاليا قد أظهرت للعالم أن تقدم هذا المذهب وتعميم مبادئه خطر علي المجتمع خاصة في البلدان التي تبلي به‏,‏ ففي الأولي وقع البلاء حين هدمت الشيوعية إمبراطورية بطرس الأكبر ومزقت دولة لم تر الأرض اكبر منها ضخامة‏,‏ كما وقع علي العمال والطبقة الصغيرة الضعيفة فمزقت جموعهم وحكمت بهم الغوغاء والأوشاب وعطلت القانون والعدالة وخربت العامر وتحكم‏600‏ ألف من حثالة الناس وأشرارهم بمائة وثمانين مليونا هم الأمة الروسية‏..‏ وفي إيطاليا دخل سم الشيوعية من نوافذ الاشتراكية فهددها بحياتها ووجودها فهبت الأمة باسم الفاشستي لدفع الوباء فانتعشت صناعتها وتجارتها وعادت إليها الحياة والقوة‏.‏

وتحاول جريدتنا أن تقلل من خطورة ما جري في الثغر بأن حملت مسئوليته للعمال من المهاجرين الروس ولا شك أن الحكومة قد علمت الآن أن هؤلاء اللاجئين ليسوا عالة علي مصر فقط بل أنهم خطر علي نظمها وعلي الأمن فيها وأن المصلحة تقضي بتطهير البلد منهم‏.‏

وقد عبرت الأهرام عن موقفها المعادي لتلك الحركة في مقالها الافتتاحي ليومين متتاليين والذي جاء تحت عنوان واحد‏..‏ رأس مال مصر‏-‏ حديث الشيوعية‏.‏

حاولت جريدتنا في هذين المقالين أن تؤكد علي الفروق بين طبيعة الاقتصاد في أوربا وطبيعته في مصر‏,‏ ففي الأولي لا يعتمدون علي اليد العاملة في قوام حياتهم كاعتمادهم علي العدد والآلات ففي قانونهم الاقتصادي أن‏(‏ غلو الحاصلات يقابله دائما تدني الصناعات‏)‏ لأن الحاصلات تتطلب جهدا يدويا وتربة خصبة وجوا صالحا ويدا عاملة‏,‏ أما المصنوعات فتطلب منهم إجادة العدد والآلات وكلما زادت الحاصلات ازداد عمل الآلات اتساعا فتقل نفقاتها ويزيد إنتاجها خلافا لما نحن عليه في بلادنا‏.‏

الوضع في مصر‏,‏ كما رأي محرر الأهرام‏,‏ أن قوة العمل في هذه البلاد هي من رأس المال فإذا قلت أو نقصت قل رأس مال البلاد ونقص‏,‏ ومتي نقص رأس المال علي هذا النحو استحال علي مصر أن تستعيض عنه كما تستعيض أوروبا بقوة العدد والآلات‏.‏ فالذين يحرضون العامل المصري علي الإضراب وتعطيل العمل إنما هم يدعون إلي تعطيل جزء من ثروة الأمة لا يذهب من يد طبقة إلي يد طبقة أخري أي من يد أصحاب الأموال إلي يد العمال ولكنه يضيع من ثروة الأمة وهذه الثروة هي ملك العمال أكثر منها ملك أصحاب الأموال‏!‏

تبنت جريدتنا في نفس الوقت موقف المعادين لتحركات العمال الشيوعيين التي وصلت إلي حد الصدام مع البوليس‏,‏ وأفسحت لهم مساحات واسعة بين صفحاتها لعل ذلك يفت في عضد العمال المعتصبين‏,‏ فقد نشرت في يوم‏4‏ مارس عام‏1924‏ بيانا طويلا من شخص اسمه عبد العال حسونة وصفته بأنه من رؤساء العمال حذر فيه من تدخل الشيوعيين‏,‏ ووصفهم بأنهم قوم اجتمعوا لا للإصلاح بل للإفساد بينكم وبين الشركات‏,‏ قوم هاربون من بلادهم وقد خربوا ديارهم‏,‏ فلو كانوا مصلحين لأصلحوا بلادهم‏..‏ جاء الشيوعيون من الخارج إلي بلادنا واحتالوا علي العمال واتفقوا مع بعض النقابات‏..‏ إخواني إن الشيوعيين قوم يحرضون العمال علي الإضراب فلماذا نسمع كلامهم‏!‏

وعنيت جريدتنا بنشر كل ما يصل إليها من مجالس إدارة بعض النقابات من بيانات تعلن تبرؤها من الشيوعية‏..‏ نقابة عمال الصناعات اليدوية رأت في بيانها أن ذلك المذهب لا ينيل العامل مأربا ولا يوصله إلي الغاية المقصودة‏,‏ أما عمال نقابات المتحدة للترام ومينا البصل والمياه ولاغوداكس وعلب الكرتون الذين كانوا في اجتماع للاحتفال بعضو مجلس النواب عن دائرتهم فقد أبرقوا إلي رئيس الوزراء يعلنون تأييدهم ويبرأون لله تعالي من الشيوعية ومن دعاتها‏,‏ نقابة موظفي وكتبة المصالح الأهلية بعثت بنداء للأهرام أكدت فيه استنكارها للحركة الشيوعية وأبدت دهشتها من أن يكون لها أنصار في مصر‏!‏

أكثر من ذلك فقد أعربت الأهرام عن مخاوفها من التأثير الذي سوف ينجم عن إرسال أربعة من الطلبة المصريين إلي الكلية الشيوعية في موسكو قبل شهور قليلة‏,‏ وأنهم إذا تركوا في المعهد الشيوعي بين البلاشفة مدة من الزمن إلي أن يتم تعليمهم فإنهم يتشربون مبادئ الشيوعية الروسية وتعاليمها ويعودون إلي مصر أساتذة في البلشفية‏!‏ وأنه من الأوفق اتخاذ التدابير اللازمة لعودة هؤلاء الطلاب‏.‏

ويبدو أن النائب العام قد شارك الأهرام مخاوفها فقد استدعي أهالي هؤلاء الطلاب وطلب منهم استرجاع أبنائهم علي وجه السرعة إلي البلاد‏,‏ فإذا هم فعلوا كذلك فبها وإلا فإن الحكومة تمنعهم من دخول البلاد في المستقبل‏,‏ لأن البلاد لا تريد أن يكون أناس من أبنائها من دعاة الشيوعية فيها‏.‏

وفي تلك الظروف رحبت الأهرام أيضا بأن تنشر للخارجين عن الحزب الاشتراكي بعد تحوله إلي حزب شيوعي‏,‏ باعتبارهم شاهد من أهلها‏,‏ وكان منهم الأستاذ سلامة موسي الذي نشرت له صحيفتنا مقالا طويلا تحت عنوان الاشتراكية والشيوعية وتاريخهما في مصر‏,‏ في عددها الصادر يوم‏8‏ مارس‏..‏

قال سلامة موسي أنه بعد مضي عام من تأليف الحزب الاشتراكي قام روزنتال ومجموعة الإسكندرية بضمه إلي الدولية الثالثة وتغيير اسمه إلي الحزب الشيوعي فرأيت من واجبي أن أنبه العمال إلي الخطر الناشئ من هذا العمل فكتبت نحو أربع أو خمس مقالات في الأهرام أوضحت فيها ضرر الشيوعية وما جرته علي روسيا من البلايا وأنحيت باللائمة علي روزنتال وحده لأنه هو الذي يدري خطر هذه الدعوة وأنها تنافي مصلحة بلادنا وتخيف جمهور الملاك الذين نعتمد علي عطفهم في إنهاض العمال وذكر الرجل أنه قد حاول مع علي العناني وعبد الله عنان أن يبقوا علي الحزب الاشتراكي غير أنهم لم يتمكنوا من المقاومة أمام هذه الحركة الهوجاء الجنونية المسماة بالشيوعية‏!‏

أخيرا فقد ظلت الأهرام تضرب علي نغمة العداء بين الشيوعية وبين زعيم الأمة‏,‏ سعد باشا زغلول‏,‏ الرجل فضلا عن إيمانه بالعمل السياسي قبل الاجتماعي قد رأي أن مثل تلك التحركات من جانب الشيوعيين إنما تحرج مركز حكومته في مواجهة خصومها‏,‏ الأمر الذي دفعه إلي اتخاذ موقف العداء منها فيما نلاحظه في القضية التي ترتبت علي أعمال الاعتصاب في الثغر‏,‏ وقد دفع في سبيل ذلك بعدد من أعضاء مجلس النواب الوفديين للعودة إلي دوائرهم والقيام بالدعاية المضادة المناسبة‏.‏

‏***‏
بنفس الروح المشربة بروح العداء للشيوعية تعاملت الأهرام مع التحقيقات والمحاكمات التي تعرض لها الشيوعيون من جراء عمليات الاعتصاب الواسعة التي قاموا بها في الإسكندرية خلال شهري فبراير ومارس عام‏..1924‏

فمثلا ظلت الجريدة تحذر من سعي الشيوعيين المحتجزين في سجن الحضرة من نشر مبادئهم بين بقية المسجونين‏,‏ فقد نجحوا في إقناع هؤلاء أنهم من طبقة العمال البائسين وفقراء الفلاحين المظلومين واندفعوا بعد هذا يبثون الدعوة بين المسجونين حتي كسبوهم جميعا وملكوا ألبابهم بالحجج والبراهين‏!‏

وقبيل إصدار الأحكام وتجنبا لما قد يثيره الحكم علي بعض الأجانب المقبوض عليهم في القضية من تعقيدات دولية بسبب نظام الامتيازات قررت الحكومة المصرية نفي بعض هؤلاء خارج البلاد كان منهم المسيو ساكيلارس بياكاكي تاجر الإسفنج في ميدان محمد علي‏,‏ ورغم أنه يوناني فإن القنصلية الإيطالية تدخلت لحمايته تأسيسا علي أن الجزيرة التي جاء منها الرجل وقعت بعد الحرب تحت حكم إيطاليا‏,‏ وقد رفض بياكاكي حماية حكومة روما‏,‏ وصمم علي أنه مصري انطلاقا من أن تلك الجزيرة كانت تابعة للدولة العثمانية عندما أتي منها إلي مصر‏.‏

غير أن الأهم كان المسيو جوزيف روزنتال الذي ظلت الأهرام تسوق أخباره تحت عنوان الشيوعي التائه‏,‏ وفي قصة أقرب إلي المغامرات البوليسية‏..‏ خبر أول في‏24‏ يوليو عام‏1924‏ باعتقال الرجل ووضعه تحت التحفظ في ثكنة كوم الدكة استعدادا لتسفيره في اليوم التالي رغم احتجاجه بأنه مصري ويقطن البلاد منذ أكثر من أربعين سنة‏,‏ ولكن دون مجيب‏!‏

خبر ثان بعد أكثر من شهر يشير أن الباخرة نمسيس التي وضع الرجل علي متنها عائدة في طريقها إلي الإسكندرية بعد أن رفضت سائر سلطات مواني البحر المتوسط قبوله‏,‏ وكان آخرها السلطات الرومانية‏,‏ وفي يوم‏9‏ سبتمبر وصلت نمسيس إلي الإسكندرية ولما انتهي الخبر إلي السلطة المحلية أرسلت المحافظة شرذمة من رجال البوليس لمنع نزوله من السفينة ومراقبته عليها‏.‏

صنعت قضية الشيوعي التائه مأزقا للحكومة المصرية بعد أن أبت سلطات الباخرة إعادته إلي متنها لأنها ليست مسئولة عنه وأنها لا تبرح الميناء قبل أن تستعيد الحكومة المصرية المسيو روزنتال‏,‏ وفي تلك الأثناء هرب الرجل من نمسيس ونزل إلي الإسكندرية‏,‏ وبعد بحث من جانب السلطات تم العثور عليه في أحد المستشفيات فأعيد إلي السفينة‏,‏ غير أنه نقل إلي المستشفي مرة أخري بعد أن ثبت أنه في حاجة لإجراء عملية جراحية‏.‏

وفي يوم‏3‏ نوفمبر عام‏1924‏ انتهت قضية الشيوعي التائه بعد أن كتب تعهدا علي نفسه بأنه لا يشتغل بعد ذلك ببث الدعوة الشيوعية في القطر المصري ولا يتدخل في شئون العمال علي أن يسعي السعي القانوني لإثبات جنسيته المصرية‏,‏ وفي مقابل ذلك تطلق الحكومة سراحه وتحله من الأمر الصادر بنفيه إلي الخارج‏,‏ وتعقب الأهرام علي ذلك بالقول بأن هذا هو خير حل للمسألة بعد أن تعقدت من عدة وجوه‏,‏ وتقول جريدتنا في عددها الصادر في اليوم التالي أنه قد تم إطلاق سراح الخواجة يوسف روزنتال وعاد إلي عمله في مخزنه في شارع شريف مطمئنا‏!‏

وبينما كان قارئ الأهرام يلاحق أخبار المغامرة البوليسية للمسيو روزنتال كان عليه في نفس الوقت أن يتابع قضية زملائه أمام محكمة جنايات الإسكندرية‏..‏ وأول ما لاحظه في هذا الشأن أن المتهمين لم يأتوا من الإسكندرية فحسب‏,‏ فقد جاء بعضهم من القاهرة وآخرون من بعض مدن الوجه البحري‏..‏ الزقازيق‏,‏ شبين الكوم‏,‏ المحلة الكبري‏,‏ طنطا‏,‏ بل إن أحدهم جاء من أبو قرقاص في الصعيد الجواني‏!‏

لاحظ نفس القارئ أيضا أن الأحكام التي صدرت لم تكن بنفس حجم الضجة التي أثيرت حول القضية‏..‏ ثلاث سنوات علي كبار الزعماء‏;‏ حسني العرابي‏,‏ أنطون مارون‏,‏ الشيخ صفوان أبو الفتح‏,‏ الشحات إبراهيم‏,‏ إبراهيم كاتسي وروزنبرج‏,‏ وستة شهور مع الشغل علي كل من عبد الحفيظ عوض‏,‏ محمد إبراهيم السكري‏,‏ شعبان حافظ ومحمد الصغير‏,‏ ولما كان الأخيرون قد قضوا أغلب المدة في سجن الحضرة فقد أطلق سراحهم بعد ثلاثة عشر يوما فحسب‏.‏

وقبل طي الصفحة الأخيرة من القضية جري حادث صغير كان مثارا لاهتمام الأهرام‏,‏ ذلك أنه بعد إعلان القاضي‏,‏ أحمد طلعت باشا‏,‏ للحكم وقف أحد الحضور وهتف بحياة الشيوعية‏,‏ الأمر الذي أدي إلي القبض عليه وأحيل الرجل واسمه حسين فوزي إلي محكمة جنح الإسكندرية التي قضت عليه بغرامة قدرها ثلاثة جنيهات علي أن يعتذر إلي القضاء عما فرط منه فاعتذر في الحال ووعد بأن لا يعود إلي مثل هذا الخطأ‏!‏

ويبدو أن كثيرين مثله قرروا عدم العودة إلي مثل هذا الخطأ بحكم ما عرفناه من تاريخ الحركة اليسارية في مصر والتي هدأت لوقت غير قصير حتي قيام الحرب العالمية الثانية‏,‏ وما كشفت عنه من نجاح النموذج السوفيتي‏,‏ مما ساعد علي ارتفاع مد الموجة الثانية للشيوعية في مصر‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب