قضايا و اراء

41601‏السنة 124-العدد2000اكتوبر30‏3 من شعبـان 1421 هـالأثنين

الدور المصري بين الحقائق والمزايدات
بقلم : جمال سلامة علي
باحث في شئون الشرق الأوسط

الي متي يظل البعض منا مستمرا في غيه لإجهاض كل بارقة أمل تبدو نحو إعادة الحد الأدني من التضامن العربي‏,‏ والي متي سوف يستمر أولئك في محاولتهم لوأد أي محاولة من شأنها تفعيل أي عمل عربي مشترك‏.‏
فمن المحزن أن نري أن تفاعلات الصراع العربي الاسرائيلي وخاصة في فلسطين المحتلة لم تعد تؤرق أو تشغل تفكير البعض من المزايدين علي الحقوق الفلسطينية‏,‏ بقدر ما أصبح الشغل الشاغل لهم الآن والذي بات يؤرقهم هو مسألة تعاظم الدور المصري علي الصعيدين الاقليمي والدولي‏,‏ من ثم نري محاولتهم اليائسة للنيل من هذا الدور أو علي الأقل محاولة تلطيخ الثوب المصري‏.‏

فعندما ننظر الي ردود الأفعال علي الساحة العربية فيما يتعلق بتداعيات الأمور فيفلسطين المحتلة نجد أن الموقف المصري قد تخطي تماما مرحلة النضال والمزايدة عبر الميكروفونات التي اثرت بعض الحكومات أن تسلكها نتيجة لحالة العجز التي تحيط بها أو التي قد تسلكها لأغراض الاستهلاك المحلي‏.‏
أما التفاعلات العملية والجهود التي بذلتها مصر في تناولها للأزمة والتي جاءت لتؤكد من جديد الاعتراف الدولي بالدور القيادي لمصر في المنطقة‏,‏ فمن الواضح أنها أصبحت تثير حسد البعض في موقف لايستدعي الحسد بطبيعة الحال‏,‏ وفي ظروف كانت تستدعي الالتفاف والتنسيق للخروج بموقف عربي موحد‏.‏
فمازال البعض لاينظر إلا الي نصف الكوب الفارغ‏..‏ فقمة شرم الشيخ لم ير فيها البعض الا محاولة لإخماد الانتفاضة بالرغم من أن الهدف المصري من عقد القمة علي أراضيها هو العمل علي وقف نزيف الدم الفلسطيني ـ خاصة في ظل ظروف المواجهة بين حجارة الأطفال والآلة العسكرية الصهيونية بكل شراستها وإجرامها‏.‏

‏..‏ ومن هذا المنطلق لم تكن مصر لتتخلي أو ترفض أي لقاء أو تتهرب من المسئولية حتي لو كانت تدرك مقدما أن القمة قد تفشل أو لن تحقق أهدافها‏,‏ وما قد ينتج عن ذلك من محاولات البعض تحميل مصر أبعاد فشل القمة وتوجيه الاتهامات‏,‏ وبطبيعة الحال فإن كل هذه الأبعاد كانت في ذهن صانعي ومتحدي القرار في مصر الا ان ذلك لم يمثل شاغلا كبيرا للقيادة المصرية بقدر ما كانت تشغله مسألة الحفاظ علي أرواح الفلسطينيين‏.‏
‏..‏ واذا انتقلنا الي قرارات مؤتمر القمة العربي‏,‏ واذا كان البعض مازال ينظر اليها من جانب نصف الكوب الفارغ فإننا سوف نفترض أن ذلك قد جاء نتيجة حسن نية انطلاقا من حماس تلقائي وطبيعي أو لعدم ادراك حقيقي لطبيعة الصراع العربي ـ الاسرائيلي‏.‏
لذلك فإنه قبل التعرض لبعض الجوانب الايجابية للقمة العربية فإننا سوف نتناول ما أخذه البعض علي قرارات القمة‏,‏ أوبمعني آخر لم تقرره القمة‏.‏
فقد كانت هناك مسألتان أحدثتا جدلا لدي البعض وهما مسألة قطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل‏,‏ ومسألة اعلان الحرب علي سرائيل‏,‏ ففي واقع الأمر لا يمكن فصل مسألة قطع العلاقات عن مسألة الحرب‏,‏ وخاصة في ضوء الظروف المعقدة والخصوصية الشديدة التي تمت في ظلها إقامة علاقات دبلوماسيين بين مصر واسرائيل والتي بطبيعية الحال تختلف اختلافا تاما عن مسألة أو قطع علاقات بين دولتين‏,‏ فإعلان مصر عن قطع علاقتها مع اسرائيل هو قرار يحمل ضمنا إعلانا للحرب في توقيت لم تختاره مصر‏,‏ وقرار مثل هذا قد يحمل معه آثارا خطيرة علي الأمن القومي العربي ككل وليس علي مصر وحدها وان كانت مصر بالطبع ستتحمل جل أن لم يكن كل التضحيات‏.‏

فضلا عن ذلك فإن مصر التي لاتزال هي الطرف العربي الأول والرئيسي في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي من المنطقي ان تكون لها حرية اخيار الاداة الأنسب من أدوات ادارة هذا الصراع‏,‏ ومن المنطقي ومن حق مصر أن تكون لها استراتيجيتها التي تتبناها دون الافصاح عنها لطرف هنا أو هناك إلا في الوقت والظروف المحتمة دون الانسياق لعوامل قد تبدو حماسية في الظاهر وتحمل سوء نية في الباطن‏.‏
ولنا أن نتساءل بدورنا كيف يتم اعلان حرب في ظل هذا التكك والتشرذم العربي الذي لم يسبق له مثيل؟
أيضا فإن عدم اتخاذ الحرب كأداة من أدوات الصراع في الوقت الحالي ليس معناه الخروج من مسألة الصراع‏,‏ فالحرب هي أداة من أدوات عديدة لإدارة الصراع‏,‏ وقد يكون التفاوض واستخدام وسائل الضغط المتاحة للوصول الي تسوية مقبولة هي أداة مناسبة للمرحلة الراهنة‏,‏ أيضا فإن استخدام دبلوماسية ما يطلق عليه البعض بالسلام البارد بين مصر واسرائيل والتي نسميها نحن بدبلوماسية الحرب الباردة ومحاولة وقف التغلغل الاسرائيلي داخل المنطقة لهي أداة من أدوات ادارة الصراع قد تكون مناسبة للظروف الراهنة‏.‏

‏..‏ أما اذا انتقلنا الي بعض الجوانب الايجابية التي حققتها القمة العربية‏,‏ نسنجد أنه لأول مرة منذ عشرة أعوام ينجح العرب في عقد اجتماع علي مستوي القمة‏,‏ بل الأكثر من ذلك نجد قرار القمة الذي يقضي بعقد اجتماع بصفة دورية سنويا‏,‏ وهذا في حد ذاته يحمل مؤشرا ايجابيا يمكن من خلاله حصر الخلافات العربية في نطاقها الأدني بما يصب في النهاية في صالح القضية الفلسطينية بشكل خاص‏,‏ وفضلا عن الدعم المالي التي أقرته القمة لانتفاضة الشعب الفلسطيني ولوقف محاولات تهويد القدس الشريف نجد مؤشرا ايجابيا في قرار القمة الذي يقضي باللجوء للأمم المتحدة لمطالبتها بإرسال قوات لحماية المدنيين الواقعين تحت سلطة الاحتلال‏,‏ فضلا عن مطالبة المجتمع الدولي ممثلا في الأمم المتحدة بتشكيل لجنة للتحقيق في الجرائم الاسرائيلية ومحاكمة المسئولين عنها باعتبارهم مجرمي حرب‏.‏
وبالفعل كثمرة فورية لقمة القاهرة انعقد مجلس الأمن بطلب من المجموعة العربية تنفيذا لقرارات القمة لبحث مسألة إرسال قوات دولية لحماية سكان الأراضي المحتلة‏.‏
‏...‏ ان المطلوب فقط من المزايدين هو لحظة صدق مع النفس لمحاسبة أنفسهم ومراجعة ما قدموه لأمتهم مقارنة بما قدمته وتقدمه مصر‏..‏
فبالصدق وحده سوف تجعلهم الحقائق يخجلون‏..‏ فمتي يصدقون؟‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب