الكتاب

41586‏السنة 124-العدد2000اكتوبر15‏17 من رجب 1421 هـالأحد

مسرح المستقبل في رؤية ناقد إنجليزي
بقلم : الفريد فرج

الناقد الانجليزي هو بندكت ناتينجيل رئيس قسم المسرح بصحيفة التايمز‏,‏ والناقد المسرحي السابق لصحيفة نيويورك تايمز الامريكية‏..‏ وقد أصدر أخيرا كتابا صغير الحجم لكنه كبير الأهمية لأن كاتبه قد تابع المسرح الامريكي والمسرح الانجليزي خلال أربعة عقود سابقة‏,‏ وعايش النجاح والفشل في أكبر المسارح في العالم‏,‏ وتجاربها مع الدراما والاخراج‏,‏ وتطور الصورة المسرحية واستجابة الجمهور في ثلاثة أجيال‏,‏ كما تأمل علاقة المسرح بسائر الفنون وبحياة الناس في زماننا‏.‏

ودار النشر الانجليزية أصدرت الكتاب الصغير المهم في مناسبة بداية الألفية الثالثة ضمن سلسلة من أربعة وعشرين كتابا خصصتها لما اسمته التوقعات‏(‏ أو تصورات المستقبل‏)‏ وكلفت بكتابتها عددا من الثقاة والمتخصصين في مجالات علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والجغرافيا والتكنولوجيا والفن ليقدموا تصوراتهم حول المستقبل في مجال اختصاص كل منهم‏.‏

والكتاب الذي نتحدث عنه مستقبل المسرح هو أحد كتب السلسلة‏..‏

وقد عرضنا في حديثنا السابق بعض جوانب رؤية الناقد وتصوره للمسرح في عشرات السنين القادمة ـ حيث يتوقع الكاتب للمسرح مزيدا من الازدهار برغم منافسة التليفزيون والقنوات الفضائية له‏,‏ وذلك لما يتميز به فن المسرح من قوة وجاذبية الاتصال الانساني المباشر بين الفنان‏,‏ والمشاهد بما لايقارن بجاذبية الفن الالكتروني‏,‏ وأفلامه المعلبة والمصورة‏,‏ وحيث تنوب صورة الفنان عن الفنان نفسه في اللقاء بالمشاهد‏..‏ لقاء غير مباشر يتم من خلال وسيط ثالث هو الكاميرا التي تقدم الصورة بديلا عن الفنان نفسه‏(!)‏

ثم توقع الناقد أن يتجه المسرح إلي تزكية معمار المسرح الصغير لا المسرح الكبير‏,‏ وقدم مثلا علي ذلك بمسرح لينلتون القومي البريطاني ذي الأربعمائة مقعد‏,‏ بديلا عن مسارح الألف مقعد وما فوقها‏..‏

وذكر الناقد أن صالة المسرح الكبيرة تضعف حميمية اللقاء بين الفنان والمشاهد واتصالهما المباشر‏..‏ بينما تحقق صالة المسرح الصغيرة تلك العلاقة السحرية الخاصة بينهما‏..‏ وهي العلاقة التي سماها كاتبناالكبير الراحل يوسف إدريس بحالة التمسرح التي تشمل الفنان والمتفرج معا في موجتها السحرية‏.‏

ثم لفت الناقد الانجليزي انظارنا إلي أن المسرح برغم رواجه مازال متعة الخاصة ولم تنتشر أضواؤه ليصبح فنا قوميا بعد‏(!)‏ وذكر أن المسرح الانجليزي باع خمسة وعشرين مليون تذكرة في السنة‏(1995),‏ وهذا معناه أن معتادي ارتياد المسرح ومحبيه الذين يترددون عليه أكثر من مرة في السنة عددهم أقل من هذه الملايين‏..‏ وتنبأ الناقد أن العدد قابل أن يتضاعف بتطور التعليم وازدهار الاقتصاد‏.‏

وقد انتقل الناقد بعد ذلك إلي موضوع اثار الجدل منذ السبعينات في العالم ووصل إلينا بمصر جانب من الجدل حوله‏.‏ وهو الموقف بين المسرح التجريبي والطليعي وبين المسرح التقليدي‏..‏ فكتب عن ذلك‏:‏

القول بأن المسرح ليس مرادفا طبيعيا للدراما‏(‏ أي للنص الأدبي‏)‏ لم يكن دائما من الحقائق البديهية

ويقصد الناقد أن ينقض دعاوي المسرح بلا نص أدبي‏..‏ أن يؤكد مكانة النص الأدبي المسرحي‏.‏

يكتب‏:‏ في الستينات كان الضيق بالاشكال التقليدية للمسرح والسخط عليها‏..‏ قد نشر التمرد ضد المسرح التقليدي‏,‏ ودعا بعض الفنانين والنقاد إلي الاقتناع بأن النصوص المسرحية أصبحت موضة قديمة‏(!).‏

وكانت فرقة المسرح الأمريكي الحي قد ذاع صيتها في العالم بما كانت تبديه به من شتائم وإهانات للبورجوازية المنحلة‏(!)‏ وبما كانت تصوغه من شكاوي مثل لا يستطيع أحدالسفر بلا باسبور‏..‏ إلي جانب خروجها عن الآداب والأعراف

والمسرح الحي الذي يشير اليه الناقد الانجليزي هو فرقة انشأها الفنان جوليان بك‏(1925‏ ـ‏1985)‏ وزوجته الفنانة جوديث مالينا‏(1926)‏ وذلك في سنة‏1948,‏ وكانوا أول من انشأ ما يسمي اليوم بحركة المسرح خارج خارج برودواي‏(OFFOFFBeoadway),‏ وكانت فرقتهم رائدة المسرح التجريبي في العالم‏,‏ وهو المسرح الذي ازدهر في الستينات وكان رائدا للمسرح السياسي وقد بدأت فرقة المسرح الحي في أول الأمر بتقديم مسرحيات الشاعر الاسباني جارسيا لوركا‏(1898‏ ـ‏1936)‏ والكاتب الايطالي لويجي بيراندللو‏(1867‏ ـ‏1936)‏ والفرنسي جان كوكتو‏(1889‏ ـ‏1963)‏ والالماني برتولد بريخت‏(1898‏ ـ‏1956)..‏ في صورة مسرحية ضد الواقعية‏,‏ وحققت نجاحا في الستينات في جراج للسيارات بنيويورك حولته إلي مسرح‏,‏ ثم نقلت المسرح إلي المصنع والشارع‏,‏ وعمدت الفرقة الي التأليف الجماعي والتجريب في أسلوب الاداء والصورة المسرحية والموضوع السياسي‏.‏

وقد دخلت فرق كثيرة في الستينات مجال التجريب والمسرح السياسي تبحث عن جماليات فنية مستحدثة وسحر مسرحي مختلف‏..‏

ويكتب الناقد الانجليزي بندكت نايتنجيل‏:‏ هذه المحاولات دفعت المسرح إلي عالم خيالي فقدت فيه الكلمات وظيفتها الدرامية المألوفة‏.‏ وكانوا يصفون مسرحهم بأنه فن العرض المسرحي وأنه من فنون الأداء‏(PerformingArt)..‏ وبأنه مسرح الأدوات الممتزجة أو المتداخلة أو المتضافرة ـ التي تقرن فن المايم‏(‏ التمثيل الايمائي الصامت‏)‏ بالرقص بألعاب الاكروبات بمهارات العاب السيرك بالدمي‏(‏ العرائس‏)‏ بالاحداث السيريالية والدادية‏(‏ المتحررة من الشكل التقليدي‏)‏ بالمؤثرات الموسيقية والاضائية والسينوجرافية الغريبة

وقد عرفنا هذا المزج بين المؤثرات المسرحية في مصر أحيانا باسم المسرح الشامل‏(‏ في الستينات‏)‏ وباسم المسرح الوثائقي أو السياسي‏(‏ في السبعينات‏)‏ ثم باسم المسرح التجريبي‏.‏

يكتب الناقد في كتابه مستقبل المسرح‏:‏ ولكن هذا اللون الفني للمسرح لم يحقق انتشارا وذيوعا كما كان المأمول والمنتظر منه في الستينيات‏,‏ ولم يكن له الا أقل الأثر علي المجري الرئيسي للمسرح ـ وذلك المجري الرئيسي أو التيار الرئيسي للمسرح هو ألوان انطيف المسرحي في شارع المسارح بنيويورك برودواي وتخومه بمسارحها الصغيرة المسماة مسارح خارج برودواي وما يقابل ذلك في لندن وهي مسارح الوست إند‏(‏ حي المسارح‏)‏ وخارج الوست إند‏...‏

يكتب الناقد الانجليزي مستطردا‏:,‏ وهذا لا يدهشني‏..‏ لأن معظم الألوان المسرحية التي سماها الناس بمسرح الطليعة‏(AvantSarde)‏ والمسرح التجريبي‏(4*Perimental)‏ تناقض نفسها حين تحتاج ألا تنأي عن التيار الرئيسي للمسرح أو‏(‏ عن الجمهور‏)..‏

يقصد الكاتب أن هذه الألوان المسرحية الحديثة لم تستطع خلال عشرات السنين الماضية أن تقتحم مسارح الجمهور العريض وأن تجتذبهم ليضعوها بديلا طبيعيا للمسرح التقليدي في برودواي الامريكي والوست إند الانجليزي‏.‏

ولكنه لم يختم هذا الفصل إلا بعد أن قدم استثناءات لأحكامه‏.‏ وعدد من ضمن هذه الاستثناءات التي كان لها أثر كبير علي المسرح تتمثل في تجارب وإبداع المخرج مصمم المناظر البولندي تاديوز كانتور‏(1915‏ ـ‏1990)‏ فنان مسرح الحدث‏,‏ والفنان الكاتب والممثل والمخرج الانجليزي ستيفن بركوف‏(1937)‏ الذي قدم المسرح القومي الملكي البريطاني بعض أعماله‏,‏ والفنان أندريه سيربان الأمريكي‏(1943)‏ والفنان الأمريكي روبرت ولسون‏(1941)‏ الذي كان من المدعوين لمهرجان المسرح التجريبي المصري في دورة قريبة‏.‏

هذه الأسماء استثناها الناقد الانجليزي واعتبر هؤلاء المبدعين مؤثرين في المجري العام للمسرح وتياره الرئيسي‏.‏

كما نوه الناقد بأعمال الفنان الكندي روبرت ليباج‏(1957)‏ ومسرحيته سبعة روافد لنهر أوتا التي قدمها بمهرجان أدنبرة‏,‏ ومسرحية سالومي ستيفن بركوف التي قدمها المسرح القومي البريطاني‏,‏ ومسرحية المحاكمة للكاتب التشيكي فرانزكافكا‏..‏

وقد حرصت علي تعداد أسماء الفنانين وإبداعهم التجريبي الذي ذكر الناقد أنه كان ابداعا مؤثرا في التيار العام للمسرح لكي تعمل مسارحنا علي تقديمهم للجمهور واستضافتهم اذا أمكن ذلك وإيضاح تفاصيل ابداعهم وأثره علي المسرح الجماهيري‏.‏

ولعلكم تلاحظون معي أن الناقد الانجليزي لم يقصد نفي المسرح التجريبي ويحدد فائدة وجدوي التجريب المسرحي بما يستطيع به هذا الابداع أن يقتحم المسرح الجماهيري ويضيف إليه ويؤثر فيه‏.‏

وربما أوافقه علي هذا التقييم‏,‏ وربما يخالفه غيري من الفنانين المصريين وبعضهم يطلب فن المسرح لذاته ولا يحسب أن الجمهور هو الطرف الثاني للمعادلة المسرحية وهي‏:‏ الفنان والجمهور‏..‏ وبدون أحد طرفي المعادلة لا يكون المسرح‏,‏ ويصبح الفنان كأنه يمثل أمام المرآة ويصفق لنفسه‏..‏ والمرآة أبعد من أن تكون طرفا للمعادلة الفنية بديلا عن الناس‏..‏

المسرح بلا جمهور حقيقي من دافعي ثمن التذاكر يصبح مجرد جهدمبدد ونفقة بلا عائد وهواية النفس لا للفن‏.‏

يعود الناقد للحديث عن النص المسرحية والدراما‏,‏ وتأكيد أن المسرح هو المرادف الطبيعي للدراما‏,‏ فيقول أن النصوص المسرحي قد تأتي في أساليب غير تقليدية‏,‏ ولكنهاتتألف دائما من الخطاب المسرحي والحوار‏,‏ ولا توجد وسيلة أخري لتجسيد الافكار وطرح القضايا في المسرح غير الدراما المكتوبة‏(‏ أي النصوص المسرحية المكتوبة‏).‏ والمؤلف المسرحي سيجد اقبالا أكثر علي مسرحيته حين يقدمها المسرح بلغتها التي كتبت بها‏,‏ وسيلاقي انتباها من الجمهور لكلماته أكثرمن انتباههم في مشاهدة فيلم كتبه المؤلف نفسه للسينما أو التليفزيون‏.‏

وكلما تضاعف نشاط البث التليفزيوني حولنا‏,‏ سيتضاعف شغف الناس بالمسرح القائم علي الكلمات وسيتعاظم شغف الناس بذلك التعبير وعمقه‏,‏ وقوته علي اكتشاف اعماق النفس‏,‏ ومناقشة التفاصيل‏,‏ وسيزداد اشتياق الناس لسحر وشاعرية اللغة الانجليزية‏(‏ أقرأ أيضا بلاغة وسحر وشاعرية اللغة العربية في مسرحنا‏)‏ ويستطرد الناقد فيكتب‏:‏

سيقوم كتاب المسرح بمهمة حيوية في عالم يتردي فيه البيان والنقاش والفكر‏.‏

وبالقوة الفريدة للمسرح يستطيع كتابه تنمية عادة الانصات عند الناس بدلا من عادةالاستماع السلبي‏.‏

دعنا نقل أن دراما المستقبل وأن أدب المسرح في المستقبل سيميل إلي السؤال لا إلي التقرير‏,‏ وإلي الارتباط بالجمهور لا الي تجاهل المشاهدين‏.‏

وقد حدد الناقد مراحل تطور الدراما أي الأدب المسرحي منذ الستينات في انجلترا‏,‏ وطرح الاسماء والاتجاهات‏.‏

والحقيقة أن المرء يعجب دائما من الثراء الأدبي المسرحي في اللغة الانجليزية وعديد الاسماء لأدباء المسرح في كل جيل‏.‏

وبودي لو أن الترجمة الي العربية تلاحق هذه التطورات للابداع الأدبي المسرحي في اللغة الانجليزية واللغات الاخري أيضا‏..‏ حتي يواجه النقد المسرحي بالحقائق مزاعم الذين يتشدقون بعبارات براقة‏..‏ مثل موت الكاتب المسرحي أو نهاية عصر الدراما والنصوص المسرحية أو جواز تخليق طيور المسرح في آفاق النجاح بعد نزع ريشها وهو الادب المسرحي‏..‏

الدراما الانجليزية الحديثة بدأت في حساب النقاد بمسرحية انظر وراءك في غضب للكاتب جون أوزبورن‏(1929‏ ـ‏1994),‏ وبمسرحيات أرنولد ويسكر‏(1932)‏ في الستينات‏,‏ ثم تدفق بعدهما في السبعينات الكتاب دافيدهير‏(1947)‏ وهوارد برنتون‏(1942)‏ و تريفور جريفيث‏(1935)‏ وهوارد باركر‏(1946)‏ ودافيد ادجار‏(1948)‏ وسيريل تشرشل‏(1938)‏ وتميرليك ورتنبرج وهارولدبنتر‏(1930)‏ وجون آردن‏(1930)‏ ودافيد ستوري‏(1933)‏ وتوم ستوبارد‏(1937)‏ وبيتر نييكولز‏(1927)‏ والان ايكبورن‏(1939)‏ وكريستوفر هامتون‏(1946)..‏ وغيرهم‏.‏

اعتذر عن تعداد كل هذه الاسماء للكتاب المسرحيين الانجليز وحدهم‏,‏ ويمكن اضافة اسماء أخري كثيرة كتبت للمسرح بنجاح في النصف الثاني للقرن العشرين وهم زاد المسرح الانجليزي وبعض زاد المسرح العالمي في القرن الحادي والعشرين‏..‏

هم كتاب الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات وموجات المبدعين للدراما الانجليزية التي لم تهتز مكانتها في المسرح الانجليزي‏.‏

وقد عددت اسماءهم كدليل علي حيويةالمؤلف المسرحي في المسرح العالمي كله‏..‏

فالمؤلف حي في المسرح الحي‏.‏

وقد استند الناقد الانجليزي علي هذا في اعلان تفاؤله بازدهار المسرح في القرن المقبل‏,‏ ثم أشار إلي فائدة ستوديو المسرح القومي الملكي البريطاني وهو أحد ادارات المسرح الكبير‏,‏ ويقدم باستمرار قراءات للمسرحيات الجديدة للكتاب الناشئين وورشة عمل للمؤلفين الشباب يقوم فيها بالتوجيه أكبر المؤلفين والمخرجين والنقاد‏.‏ ويقوم استديو المسرح القومي بتدريب فريق جديد من مؤلفي الدراما‏.‏

وقد أمتعني كتاب الناقد الانجليزي وأفادني وأحببت أن أفيد غيري بجانب من ملاحظاته‏..‏ خاصة وقد تصدت لنا كثيرا فرق المتشائمين وفرق ؟؟ موت المسرح كلية واكتساح التليفزيون له‏,‏ أو في الأقل موت الدراما والأدب المسرحي ليتحول المسرح من الجدل اللغوي والبيان الفلسفي والعاطفي الي الإيماء والصمت المسرحي والحركة في الفراغ وهي أحيانا الاسم المهذب لفراغ الحركة‏(!)‏

الدراما باقية كما كانت دائما مرادفة للمسرح كما يقول الناقد مؤلف الكتاب الصغير المهم مستقبل المسرح وهو الكاتب الانجليزي بندكت نايتنجيل

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب