قضايا و اراء

41312‏السنة 124-العدد2000يناير15‏8 من شوال 1420 هـالسبت

محمد فهمي عبدالمجيد‏..‏ وتجربة المواساة الرائدة
بقلم : المستشار طلعت حامد السيد

لاريب أن قيمة الرجال تقاس بما قدموه ويقدمونه من أعمال جليلة لأوطانهم‏,‏ وتظل ذكراهم حية في النفوس‏,‏ راسخة في الوجدان‏,‏ والمغفور له محمد فهمي عبدالمجيد واحد من هؤلاء الرجال الذي نحيي ذكراه السابعة والخمسين اليوم‏(15‏ يناير‏2000),‏ وأن نتذكر معا الجهود الدءوب التي بذلها في مجال الأعمال الانسانية والاجتماعية منذ صدر شبابه‏,‏ واستعان بالله وبقوة إيمانه وعزيمته في تحقيق الكثير من المشروعات الاجتماعية‏,‏ وضرب المثل في قدرة الجهود الفردية علي أن تكون مكملة ومساندة لجهود الدولة‏,‏ واستطاع ومعه عدد من الخيرين من أبناء مصرنا الحبيبة تأسيس جمعية أطلقوا عليها اسم المواساة وأن يكون الغرض منها متفقا مع اسمها‏,‏ بل مشتقا منه‏,‏ وكرست هذه المجموعة الخيرة ومعها بطلنا محمد فهمي عبدالمجيد في حث الناس علي الاشتراك في الجمعية ومدها بالتبرعات والاعانات‏,‏ وأخذت الجمعية تنمو ويتسع نشاطها الانساني وتدرجت مساعداتها إلي أن شملت اعانة بعض الطلبة النابهين الفقراء لاتمام دراساتهم‏,‏ ولم تكن المجانية في ذلك الوقت‏(‏ عام‏1910)‏ من الأمور المقررة علي نطاق واسع‏,‏ واستمرت الجمعية في أداء رسالتها الانسانية علي أحسن وجه‏,‏ حتي انتخب محمد فهمي عبدالمجيد وكيلا لها في عام‏1926,‏ ثم رئيسا لها فيما بعد‏,‏ وكثف من جهوده ومعه أصدقاؤه حتي تمت اقامة عمارة المواساة في عام‏1930‏ بتكاليف بلغت‏40,000‏ جنيه ـ بأسعار ذلك الزمن ـ بهدف تنمية ايرادات الجمعية لتسهم في تأدية خدماتها الانسانية الجليلة‏,‏ وبخاصة انشاء مستشفي أهلي بمدينة الاسكندرية يخصص قسم كبير منه لمعالجة الفقراء مجانا‏,‏ وقامت جمعية المواساة بالدعاية وتدبير المال اللازم له‏,‏ وقد نجح المرحوم محمد فهمي عبدالمجيد في اضافة نص إلي قانون الجمعية يقضي بأن يكون من ضمن أغراضها معالجة المرضي وتحقيقا لذلك أصدرت الجمعية العمومية للمواساة قرارا في اجتماعها المنعقد بتاريخ‏1929/10/27‏ باضافة هذا النص لقانون الجمعية ومن هنا كان انشاء عمارة المواساة والاستعانة بإيرادها في بناء مستشفي المواساة‏,‏ وصادف جهود المرحوم محمد فهمي عبدالمجيد العديد من الصعاب والعقبات لشراء قطعة أرض في المنطقة الواقعة بين محطة الشاطبي وشارع أبي قير‏,‏ وتبلغ مساحتها‏1850‏ م‏2‏ لبناء مستشفي المواساة‏,‏ ولكن العقبات التي وضعت اجبرت الجمعية علي شراء قطعة الأرض الخلفية في‏1931/8/25,‏ حيث نجحت جهود الجمعية في بناء المستشفي في نحو ثلاث سنوات بفضل همة واقدام وايمان وشجاعة القائمين علي جمعية المواساة وأصر محمد فهمي عبدالمجيد أن يكون بناء المستشفي علي أحدث النظم‏,‏ وأن يكون مثلا يحتذي به‏,‏ وتحقيقا لهذا الاصرار سافر محمد فهمي عبدالمجيد ومعه سكرتير الجمعية وأحد أصدقائه الأوفياء محمد سعيد جميعي الي ألمانيا للاطلاع علي أحدث المستشفيات بها وهو مستشفي مارتن لوثر‏,‏ ليكون نموذجا لمستشفي المواساة ولجمعه لثلاثة عناصر أساسية هي المنفعة والبساطة والاقتصاد‏,‏ كما تم استدعاء المهندس الإخصائي الذي قام بتشييد مستشفي مارتن لوثر ببرلين‏,‏ وهو الهر ارنست كوب‏,‏ الذي حضر إلي الاسكندرية في‏1930/7/20,‏ وعاين الأرض ووضع التصميمات الهندسية والرسومات التفصيلية الخاصة بالمستشفي‏,‏ وفي‏1931/11/22‏ بدأت الأعمال لانشاء مستشفي المواساة التي صادفها الكثير من الصعاب المالية اللازمة لتنفيذ هذا المشروع‏,‏ الأمر الذي دفعها الي الحصول علي سلفة من بنك مصر لاستكمال انشاء المستشفي‏,‏ وتم رهن العمارة التي تمتلكها الجمعية ضمانا لهذه السلفة‏,‏ والتي بلغت‏30,000‏ جنيه مصري وعجزت الجمعية عن الوفاء بسداد القسط الأول للسلفة في يونيو‏1934,‏ وبرغم محاولاتها الحصول علي مهلة في السداد فإن البنك أصر علي نزع ملكية العمارة التي تمتلكها جمعية المواساة وكان في تصرفه هذا مكرها علي هذا السلوك من القصر‏,‏ الذي كان يرغب في ارساء مناقصة بناء المستشفي علي أحد أعوانه‏,‏ ولكن فهمي عبدالمجيد رفض الخضوع باعطاء مقاولة البناء لشخص معين‏..‏ فكانت أول ضربة وجهت للجمعية امتناع الملك السابق فؤاد عن حضور حفل وضع حجر الأساس للمستشفي وكانت الثانية صدور الأمر لبنك مصر باستعمال منتهي القسوة والشدة في معاملته للجمعية‏,‏ ولكن قوة إيمان محمد فهمي عبدالمجيد بمشروعه مكنته من الخروج من هذا المأزق باصدار يانصيب علي العمارة‏,‏ كان الأول من نوعهة في القطر المصري ونجح اليانصيب نجاحا منقطع النظير‏,‏ وأقبل الناس عليه‏,‏ وحقق للجمعية ربحا بلغ نحو‏60,000‏ جنيه مصري‏,‏ وسددت جميع الديون التي علي الجمعية لبنك مصر‏.‏
برغم كل المؤامرات التي تعرض لها مشروع بناء مستشفي المواساة ورائده محمد فهمي عبدالمجيد‏,‏ ودخول القصر في هذه المؤامرة التي تعود أسبابها الحقيقية إلي نجاح أحد أبناء الوطن المخلصين في اقامة صرح انساني واجتماعي يلبي احتياجات البسطاء من أبناء الاسكندرية حيث نجح محمد فهمي عبدالمجيد وجمعيته في تشييد أكبر مستشفي بالشرق الأوسط‏,‏ واحتوائه علي أحدث الآلات الطبية والعلاجية‏,‏ ولقي هذا المشروع اقبالا جماهيريا‏,‏ وتطوع الكثير من الأطباء في خدمة المستشفي بدون مقابل‏.‏
وقد عرضت الجمعية علي القصر أن يحضر الملك السابق فؤاد حفلة رسمية تقام في نوفمبر‏1935‏ لافتتاح المستشفي غير أن رسل الشر كانوا دائما بالمرصاد‏...‏ فأشاروا علي الملك فؤاد بعدم حضور هذا الحفل بدعوي أنه مشروع غير ناجح‏.‏
وعقب وفاة الملك فؤاد في‏1936/4/28‏ رأي رجال المواساة أن يسعوا لتصفية الجو بين الجمعية والقصر‏,‏ وتم بالفعل اقامة حفل خيري في‏1936/10/3‏ تحت رعاية وحضور الملك السابق فاروق‏,‏ كما تم افتتاح المستشفي رسميا في‏1936/11/12‏ وشاهد الملك السابق جميع أقسام المستشفي وأجنحته والأجهزة فوق الحديثة المزودة به‏,‏ ووجه ثناء لرجال المواساة وتقديرا خاصا للمرحوم محمد فهمي عبدالمجيد علي ما بذلوه من جهود جبارة في اتمام مشروعهم العظيم‏,‏ كما زارت الملكة السابقة نازلي والأميرات السابقات المستشفي وقدمن تبرعا له‏,‏ وتوسعت أعمال المستشفي بانشاء مستوصفات وتوسيع العيادة الخارجية‏,‏ واقامة مسجد المواساة الذي أنشئ عام‏1937‏ وبلغت تكاليفه‏10,000‏ جنيه‏.‏
ولكن طيور الظلام أبت أن يجني المرحوم محمد فهمي عبدالمجيد ثمار جهده وعرقه فأوغرت صدر القصر عليه‏,‏ اضافة إلي الوشاية التي تعرض لها من بعض من قربهم اليه‏...‏ فألغيت وظيفة وكيل عام مصلحة الجمارك التي كان يشغلها في‏1939/8/20‏ وأحيل الي المعاش وهو في سن التاسعة والاربعين أي قبل السن القانونية بأحد عشر عاما ثم توفي في‏15‏ يناير‏1943‏ وهو كسير القلب مهضوم الحق‏.‏
من هنا فان إحياءنا لذكري رجل عظيم قدم لوطنه جليل الأعمال‏,‏ فكرمته الدولة بتخليد ذكراه‏,‏ والمحافظة علي هذا الصرح الطبي العريق وكان قرار السيد الدكتور عاطف عبيد رئيس مجلس وزراء مصرفي‏1999/11/13‏ بالموافقة علي انشاء مركز طبي متخصص للرعاية الطبية والعلاجية بمستشفي المواساة بمدينة الاسكندرية‏,‏ تأكيدا علي أن الرجال المخلصين تظل ذكراهم مضيئة مهما تعاقبت الأيام والسنون‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب