الخميس 5 من رجب 1431 هــ   17 يونيو 2010 السنة 134 العدد 45118
رئيس مجلس الادارة
د.عبد المنعم سعيد
رئيس التحرير
أسامة سرايا
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | الكتاب
 
السد العالي ملحمة قومية ودروس منسية
بقلم: د.هالة حلمى السعيد
د.هالة حلمى السعيد
1508
 
عدد القراءات

مر أكثر من نصف قرن من الزمان علي بناء صرح السد العالي‏,‏ والذي تم تصنيفه كواحد من بين أعظم‏10‏ مشاريع هندسية عملاقة في العالم‏,‏ كما تم اختياره كأفضل مشروع بنية أساسية في العالم في القرن العشرين‏.‏

ارتبط السد العالي ذلك المشروع العملاق الذي بلغت تكاليف بنائه في الستينيات400 مليون جنيه وهو رقم يقفز إلي أكثر من20 مليار جنيه في حال تشييده الآن ـ بمشروع مصر القومي الذي تكاتفت حوله الإرادة الوطنية وقاده في حينه الرئيس جمال عبد الناصر, وخاض من أجله مواجهات سياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية دون أن يترك لها مجالا للمساومة حتي في ظل ظروف التمويل العصيبة.
كيف تمر هذه الذكري الذهبية لبناء السد العالي الذي استطاع أن يغير مصير شعب بأكمله, دون أن يلتفت لها أحد, كيف تغيب عن أجندة الدولة الرسمية, وتتجاهل الحكومة الحدث الأبرز في القرن الماضي بعد حرب أكتوبر المجيدة. سيظل السد العالي رمزا لطاقة الأمة, شاهدا علي العطاء, ملحمة التحدي والإصرار, ومهما حدث من تجاهل سيبقي خالدا يرمز لمصر ونمائها, فهو الطاقة المتجددة التي تضيء مصر الساهرة ويروي عطش نباتها. قد تكون الأحداث الجسام حالت دون الانتباه, وقد تكون المواقف وتصفية الحسابات تدخلت في خلط المفاهيم, غير أن الثابت هو أن السد العالي لم يكن نتاج عمل شخص, حتي وإن كان جمال عبد الناصر, بل هو تضحيات شعب مصر, ومقياس جديد علي جهده الوفير, الذي يمتد من بناء الاهرامات وحفر قناة السويس وتشييد القناطر الخيرية.
لسنا في حاجة لمعرفة مميزاته وفوائده, وإسهامه في الدعم المائي وتوفير الطاقة لمصر, فيكفي أن نتخيل كيف يكون حال مصر بدون السد العالي؟ شيء في غاية الخطورة علي مصر, التي تكافح من أجل الحفاظ علي مكتسباتها من حصص مياه النهر الخالد, في ظل السدود الإثيوبية المخيفة. لم تكن كلمات الشاعر الكبير أحمد شفيق كامل عندما قال قلنا هنبني وأدي إحنا بنينا السد العالي إلا تلخيصا لتحدي وقدرة المصريين.
قررت كتابة هذا المقال لتذكرة شباب وأبناء هذا الوطن بهذا الإنجاز الفريد, وحتي ألقي الضوء لشباب هذا الجيل حول قيمة وأهمية هذا الصرح العظيم, في الوقت الذي نشهد فيه العديد منالإحباطات والمحاولات لطمس إنجازات مصر العظيمة التي مهما تم تناسيها وتجاهلها ستظل شامخة وضاءة بعظمة هذا الشعب. حكاية السد بدأت منذ أقدم العصور, حينما أدرك المصريون أهمية النيل في حياتهم, فكان التفكير في بناء سد لتخزين مياه النيل في السنوات ذات الوفرة المائيةلاستخدامها في مواجهة قلة أو ندرة المياه خلال سنوات الجفاف, حتي يقي مصر من مخاطر الجفاف أو الفيضان الذي قد يغرق المحاصيل. وما عزز من نجاح مشروع بناء السد العالي, هو أن أحلام ورؤي جيل ثورة23 يوليو1952 كانت تنحاز للطبقة الفقيرة محدودة الدخل, وكانت تسعي دائما إلي رفع المستوي المعيشي للفلاح وتنمية موارد وقدرات مصر الزراعية والصناعية. لقد وضعت قيادة ثورة يوليو1952 قضية التنمية علي قائمة أولوياتها; حيث تم إنشاء المجلس الدائم للإنتاج كهيئة مستقلة تتبع رئاسةمجلس الوزراء,ليتوليمهمة بحث ودراسة المشاريع الاقتصادية الكبري,ووضعمخطط وطني متكامل للتنمية الاقتصادية. وبدأ المجلس في مجموعة من الدراسات بالاستعانةبعدد من كبار الخبراء المصريين, من أمثالالمهندسينمحمود يونسوسمير حلميوعبد الحميد أبو بكر. كما تم الإستعانة بالمهندس اليوناني ادريان دانينوس والمهندس الإيطالي لويجي جاليلو عام1955, اللذين تقدما بمشروعهندسي للتخزين المستمر علي النيل في موقع جنوب أسوان, وهو الموقع الذي تم اختياره لبناء السد العالي بعد ذلك.
وفي يوليو1956, وبعد سحب تمويل السد العالي من البنك الدولي, تم الاستعانة بأحد الخبراء الروس ويدعي ماليشيفاوالذي صمم سد وارسو علي نهر الفولجا, وتم دراسة جميع الآثار المترتبة علي بناء السد العالي, منتعويض السودان لغرق مدينة حلفا أو تهجير أهالي مدينة النوبة. وبعد الانتهاء من دراسة جميع الجوانب,تم إطلاق إشارة البدء في تشييد السد العالي في يناير1960 بحضور الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر,ومجموعة من الرؤساء والملوك العرب, من بينهم الرئيس السوري شكري القوتلي, والملك محمد الخامس ملك المغرب,والرئيس اليمني عبد الله السلال.
وتعاقب علي وزارات السد العالي منذ إطلاق إشارة البدء وحتي الانتهاء من بنائه في يناير1971 مجموعة من خيرة مهندسي مصر وهم المهندسموسي عرفة, والدكتور حسن زكي,والمهندس صدقي سليمان, والمهندس حلمي السعيد.
إن تنفيذ مثل هذا المشروع العملاق, كان يحتاج لقرار سياسي جريء ورؤية استراتيجية بعيدة المدي, لتحويله من مجرد فكرة, إلي واقع ملموس, فهو الحلم القومي الذي تم تجنيد كل الطاقات والإمكانات والخبرات له حتي موضع التنفيذ. قد يكون لي انحيازات شخصية لهذا الإنجاز المصري العظيم, فوالدي رحمة الله عليه, كان من بين الآلاف من أبناء مصر الأوفياء الذين ساهموا بمجهوداتهم في تشييد هذا الصرح, وكان أخر وزير للكهرباء والسد العالي, وبحكم عمل والدي كنت أتابع عن قرب, كملايين المصريين التطورات المختلفة لمراحل بناء السد العالي بفرحة واشتياق, لأن نري هذا الحلم المصري, يتحول الي حقيقة وواقع ملموس.
اكتب ذلك في ظل ما يعاني منه الاقتصاد المصري من تحديات جسيمة, وفي ظل جهود الحكومة المصرية الحثيثة للحصول علي قرض صندوق النقد الدولي, ومحاولة الحصول علي بعض المساعدات الدولية والعربية المختلفة متمثلة في بعض الاستثمارات العربية و القطرية, وأدعو القائمين علي الحكم في مصر,لإعطاء أولوية قصوي لبناء مشاريع وطنية كبري, وأري أنه من الضروريوجود لجان متخصصة ينوط إليها طرح مثل هذه المشروعات ودراسة الجدوي والعائد منها,, مع ضرورة وجود دعم حكومي لها, من أجل تعبئة الجهود الوطنية, وجذب الاستثمارات العربيةوالأجنبية, وفقا لمعايير مصرية وطنية.
فأهمية المشروعات القومية لا تأتي فقط, لما توفره من فرص عمل وما تهدف إليهمن خلق طاقة إنتاجية جديدة للاقتصاد القومي, و لكن الأهم من ذلك هو درجة المشاركة الشعبية في مثل هذه المشروعات خاصة من أهل العلم والخبرة والمهنيين والقوي الاجتماعية والسياسية التي تساهم في مثل هذه المشروعات, مؤمنة بالعائد المتوقع علي أمن كل مواطن اقتصاديا واجتماعيا.
لذاأرجو أن يدرك القائمون علي الحكم أن السد العالي, من أعظم إنجازات مصر, وسيظل يسطع في سماء مصر, يعبر بكل صدق عن مرحلة مهمة من مراحل تاريخ المصريين ونضالهم من أجل كرامتهم ومصريتهم وعروبتهم, وأري أن ذكري بناء السد العالي, هي عيد وطني لكل المصريين, فلماذا هذا التجاهل؟.

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg