الكتاب

41177‏السنة 123-العدد1999سبتمبر2‏22 من جمادى الأولى 1420 هــالخميس

معضلات عصرية
آلية ذات مردود عكسي
بقلم : محمد سيد أحمد

وجدت في مصر‏,‏ وقت أن بلغت اولي الحروب العربية ـ الإسرائيلية أشدها‏,‏ منظمة شيوعية اشتهرت باسم مشمش‏..‏ أطلقت علي نفسها اسم المنظمة الشيوعية المصرية‏,‏ وكان اسمها يختصر إلي م‏.‏ش‏.‏م وتحول علي لسان خصوم المنظمة في صفوف الشيوعيين إلي مشمش‏..‏ وقد نجحت مشمش لفترة ما‏,‏ في اجتذاب غالبية كوادر الحركة الشيوعية‏..‏ غير انها عرفت بتماديها في التشدد لدرجة انها اصبحت تلفظ كوادرها‏,‏ وتنتهج خطا متهورا افضي إلي تسليم العديد منهم إلي البوليس في ظل الاحكام العرفية المفروضة وقتذاك‏..‏ واصبحت قيادتها تتهم كل من لايوافق علي خطها المتشدد بالعمالة للبوليس‏..‏ ثم اكسبت الاتهام طابعا ايديولوجيا واتهمت خصومها من المنظمات الأخري لا بالبوليسية وحسب‏,‏ وانما ايضا بـ التيتوية‏..‏
وكان تيتو وقتذاك قد ادانه ستالين بوصفه العدو الالد للشيوعية العالمية لرفض انصياعه لموسكو‏..‏ وبالتدريج انكمشت مشمش لفرط من طرد منها أو سقط منها في براثن البوليس‏..‏ وبلغ الأمر حد ان اصبح احد كوادرها آخر من تبقي لها من انصار في سجن الواحات الخارجة‏..‏ فجاء مدير السجن ليستفسر ذات يوم عن سر مقاطعة هذا المشمشاوي الأخير لكل رفاقه المسجونين‏..‏ قال متعجبا يابني‏,‏ هل انت من الأهمية بحيث تبني لك الدولة سجنا خاصا في عرض الصحراء‏,‏ وتحشد لمراقبتك هذا العدد الضخم من المخبرين؟‏!‏
تذكرت هذه الحكاية بمناسبة المقاطعات المتداعية من عمليات مناهضة التطبيع مع إسرائيل‏..‏ فاننا بصدد آلية لم تعد قصرا علي بعض التنظيرات الشيوعية‏..‏ في الماضي أو في الحاضر‏..‏ بل اصبحت تشمل القوميين‏..‏ وتتسع لفرق شتي تنسب نفسها إلي الاصولية الإسلامية‏..‏ بل اصبحت هذه الآلية الجهنمية تتجاوز مجال السياسة إلي مجال الفن‏..‏ بل وإلي مختلف مجالات الحياة‏..‏ انها تمس أولا من يقدم علي التطبيع مع إسرائيل‏..‏ ثم من لايطبع انما لايقاطع من يطبع‏..‏ ثم من لايقاطع من لايقاطع من يطبع‏!..‏ وهلم جرا‏..‏حتي ينتهي الأمر إلي عكس ما أريد بحملة مناهضة التطبيع اصلا‏,‏ وإلي عزل الذين ارادوا عزل خصومهم‏!‏
والشواهد علي ذاك كثيرة ومتنوعة وأصبحت تشكل مسألة لم يعد من الممكن غض النظر عنها‏..‏ وقد جاءني بعض المعنيين بالمسرح ليسردوا لي قصة المخرج نادر عمران مدير فرقة الفوانيس الاردنية‏..‏ يصر عمران علي انه ضد التطبيع‏..‏ ويستشهد بمقال لسعد الدين وهبة بـ الأهرام‏(96/4/20)‏ اثني فيه علي فرقته وعلي فرقة الورشة المصرية لانهما اصرتا علي ابعاد فرقة تدعي شروق من مهرجان اسهمتا في اقامته منذ بضع سنوات‏,‏ لأن شروق ضمت مسرحيين يحملون جوازات سفر إسرائيلية‏..‏
غير ان نادر عمران يصر ايضا علي استقلالية فرقته‏,‏ وعلي حرية اختيار مسرحياته‏,‏ وعلي ألاتتعرض للتحوير والشطب من قبل الرقيب‏..‏ وهذا الحرص فسرته نقابة الفنانين الاردنيين بانه يحمل اهدافا مشبوهة غير معلنة‏..‏ وهكذا وجد عمران نفسه ضحية الاتهام الذي اصبح يلجأ إليه لإسكات من لا يخضع للفكر النمطي السائد‏,‏ هو الاتهام بالتطبيع‏..‏ ثم اضيف إليه اتهام آخر لا يقل عنه تلطيخا للسمعة‏,‏ وهو الاتهام بتلقي تمويل اجنبي‏.‏
قصد بالتمويل الاجنبي تلقي فرقة عمران دعما من مؤسسة فورد الأمريكية‏..‏ وعمران لاينفي الواقعة بل ولايري فيها عيبا‏..‏ واصدرت فرقة الفوانيس بيانا للدفاع عنه جاء فيه ان البعض يدين هذه المؤسسة لانها تمول حقوق الانسان والتعليم والابداع الفني‏!..‏ بينما لم يقدم أي اتهام لمؤسسة فورد علي انها صهيونية‏,‏ أو إسرائيلية‏,‏ إلا عندنا نحن‏!..‏ بل ان هناك من ينتقدونها لانها تمول جامعة بير زيت الفلسطينية‏..‏ ويسترسل البيان كاشفا ان هنري فورد كان أول المنبهين لخطر الرأسمالية اليهودية في كتاب بعنوان اليهودي العالمي الذي نجحت الحركة الصهيونية في اخفائه‏,‏ وقامت بسحبه وحرقه في كل مرة صدرت له طبعة جديدة‏.‏
ودافع البيان عن موقف عمران من التطبيع بقوله ان مانسب إليه بانه تطبيع هو من وجهة نظره مقاومة للتطبيع‏..‏ وانه في هذا الصدد يلبي خط نقابة الفنانين الفلسطينيين الرامي إلي كسب فنانين عرب حتي من داخل إسرائيل‏..‏ ويستشهد البيان بحالة الممثل البارز محمد بكري حامل جواز سفر إسرائيلي الذي ترك العمل لدي المسارح الإسرائيلية‏,‏ ولدي السينما والتليفزيون الإسرائيليين ليتفرغ للعمل عبر فرقة مسرح القصبةالتي مقرها القدس‏,‏ وتشارك في جميع المهرجانات العربية والعالمية كفرقة فلسطينية منتدبة من وزارة الثقافة الفلسطينية‏..‏
ولست هنا بصدد تبرير قبول فرقة الفوانيس تمويل مؤسسة فورد بحجة ان هنري فورد كان معاديا لليهود‏,‏ ولابصدد تبرير رفض هذا التمويل لمجرد ان مؤسسة فورد مؤسسة أمريكية‏..‏ ولست ايضا بصدد التمييز بين عمل ينسب إلي مقاومة التطبيع لرفضه التعامل مع فرقة شروق التي تضم عربا من إسرائيل بينما يقبل التعامل مع فرقة القصبة المقدسية‏,‏ بدعوي انها علي عكس الاخري تقاوم التطبيع‏.‏
وانما انطلق من تساؤل حول مدي صواب جعل معركة مناهضة التطبيع هي المعركة المحورية والمحك‏,‏ وان ينظر لها علي انها الفيصل في تقويم أي عمل في ساحات المواجهة‏..‏ بعبارة اخري‏,‏ ان تصبح غاية ولاتظل مجرد وسيلة‏..‏ فليس من شك في ان مقاومة التطبيع معركة لها مبرراتها القوية في ظل الملابسات الراهنة للمواجهة مع الصهيونية ولكنها تظل من ادوات المعركة ولا تشكل غاية في حد ذاتها وحسبنا حادث حبس صحفيين في مصر لانهم اتهموا جهات بالسلطة بممالأة الصهيونية لتأكيد الحاجة إلي تصعيد الحملات ضد التطبيع حتي لايسيء الإسرائيليون فهم الحادث‏,‏ ويفسرونه علي انه قبول عام من قبل المصريين بممالأة الصهيونية‏!‏
لامناص من اداة لمناهضة التطبيع كلما خدمت هذه الاداة المعركة‏..‏ وفي الوقت ذاته‏,‏ لاينبعي ان تقف هذه الاداة عقبة في وجه ممارسة المواجهة بطرق أخري‏,‏ لو ثبت ان هذه الطرق الاخري هي في ملابسات معينة اكثر جدوي في الوصول إلي الغاية‏..‏ متي وكيف؟‏..‏ هذه قضية كبيرة وجديرة بمناقشات مستفيضة‏..‏ ولو كان لي ان اتقدم باقتراح في هذا الصدد‏,‏ فاني احيل القاريء إلي المقال الشجاع للزميل صلاح عيسي المنشور بصحيفة الحياة في‏7‏ يوليو الماضي‏,‏ الذي حلل فيه الكاتب اشكاليات مناهضة التطبيع وشرح آلياتها تشريحا مقعنا بل اكاد اقول مفحما‏..‏ والمقال في تقديري يصلح ورقة عمل لبدء مناقشة جادة حول كيفية وضع آليات مقاومة التطبيع علي ارضيه تتسم بالاتساق والرسوخ‏,‏ وبما يكفل الاستثمار الأمثل لها‏..‏ ويا حبذا لو صيغت ورقة مقابلة ليتسع الحوار للاشكاليات ذاتها من وجهة النظر المضادة‏.‏
والحقيقة ان منطق الذين ينطلقون من ان مقاومة التطبيع هي المعركة المحورية‏,‏ وهو المنطق الذي طالما تمسكت به الفصائل الفلسطينية التي قاطعت فتح وقاطعت عرفات منذ توقيعه اتفاقات أوسلو‏..‏ بيد ان هذه الفصائل باتت الآن تسعي إلي مصالحة مع عرفات‏..‏ وبادرت بهذه المصالحة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة‏,‏ جورج حبش‏,‏ تلتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزاعمة نايف حواتمة‏..‏ وتبذل الآن جهود مكثفة لتعميم هذه المصالحات وشمولها كل فصائل المعارضة بغض النظر عن استمرار رفضها لاتفاقات أوسلو وواي ريفر وغيرهما‏..‏ غير ان الجدير بجذب الانتباه ان هذه المصالحات يتعذر تصورها لو ظلت نقطة البداية في رؤية الفصائل المعارضة هي مواصلة مقاومة التطبيع بوصفها المعركة التي تحجب كل معركة اخري‏..‏
والمصالحة لم يكن منها مفر‏..‏ ذلك انه لم يعد بمقدور فصائل المعارضة الفلسطينية الاحتماء بسوريا لتواصل مواقفها السابقة‏,‏ ذلك ان موقف سوريا حاسم في مقاومة التطبيع فقط كقضية تكتيكية لاكقضية استراتيجية‏..‏ ان سوريا تعلن بصريح العبارة موافقتها علي تحقيق سلام شامل مع إسرائيل وهذا لابد ان يشمل التطبيع الكامل بشرط قبول إسرائيل الانسحاب الشامل من الجولان حتي خطوط‏4‏ يونيو‏1967.‏
ليس معني ذلك ان الفصائل الفلسطينية المعارضة قد تخلت عن معارضتها للاتفاقات التي ابرمها عرفات‏..‏ ولكن المنطق الذي اصبح يحكم سلوك اغلب هذه الفصائل هو منطق تجنب الاسوا اي‏:‏ تنازلها عن السعي إلي ماتراه الافضل ذلك انها اصبحت تدرك ان هذا السعي يعرضها للتهميش ويعزلها عن المشاركة في أكثر المعارك حسما‏,‏ تلك التي سوف تباشر خلال المرحلة الختامية للمفاوضات خاصة انها مفاوضات تتعرض لأكثر الملفات استعصاء‏:‏ القدس‏,‏ والمستوطنات‏,‏ وعودة اللاجئين‏,‏ والحدود النهائية‏,‏ وصلاحيات الدولة الفلسطينية ومسائل الأمن‏,‏ وتوزيع المياه‏,‏ وكلها قضايا مصيرية يتعين حضور البت فيها لا الغياب عنها‏.‏
ان خوض هذه المعارك يقتضي اذن التشبث بسلاحي الحضور والغياب معا‏..‏التلاحم والمقاطعة معا‏..‏ والجديد في معادلة المواجهة هو ادراك الفرقاء جميعا ان الوحدة الوطنية ينبغي ان تكون لها الاولوية علي التفرق الناجم عن الاتهامات المتبادلة بالتفريط والخيانة‏,‏ في ظرف يتخندق فيه كل طرف استعدادا لمعركة التسوية الأكثر استعصاء وحسما للمستقبل معا‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب