الكتاب

41176‏السنة 123-العدد1999سبتمبر1‏21 من جمادى الأولى 1420 هــالأربعاء

حين يكون النقد إبداعا
بقلم‏:‏ أحمد عبدالمعطي حجازي

ليست متعتي بقراءة دراسات شكري عياد وأعماله النقدية والفكرية أقل منها بقراءة قصصه ومذكراته‏.‏ ولقد يري البعض أن حاجتنا في دراسة الأدب ونقده لأن نتعلم ونستفيد ونقتنع أقوي وأسبق من حاجتنا لأن نتذوق ونتمتع‏,‏ فلماذا قدمت المتعة في هذا المجال علي الفائدة؟
والحقيقة أنني قدمت المتعة دون أن أؤخر الفائدة‏.‏ فالمتعة أولا متعددة وليست واحدة‏.‏ ولا خلاف علي أن كل الفنون ممتعة‏,‏ لكن متعتنا بقراءة الشعر تختلف عن متعتنا بقراءة القصة والاستماع إلي الموسيقي‏,‏ لأن ما تؤديه الكلمات يختلف عما تؤديه الأصوات‏.‏ وفي الكلمة الموزونة متعة لا نجدها في غيرها‏.‏ وكما أن الممتع ربما كان مفيدا‏,‏ فالمفيد ربما كان ممتعا‏.‏
الشعر اليوناني المسرحي قدم الكثير لعلم النفس الفرويدي‏.‏ وروايات بلزاك زودت علماء الاجتماع بكثير من معلوماتهم عن المجتمع الفرنسي وتحولاته في القرن الماضي‏.‏ ونحن نعرف جيدا ما قدمه الفن المصري القديم للدراسات التاريخية‏.‏ فإذا نظرنا في الطرف الآخر من القضية‏,‏ أي في المفيد الذي يمكن أن يكون ممتعا رأينا كيف صار الخزف فنا وهو في الأصل ماعون‏,‏ وكيف تحولت العمارة من سكن إلي تحفة‏,‏ والملابس من ستر إلي زينة‏,‏ بل لقد تحولت القيود والأغلال التي كانت تحيط بمعاصم السبايا وسيقانهن إلي أساور وخلاخل‏.‏ وهل يفيدنا الآن كرسي توت عنخ آمون أو قناعه الذهبي المعروض في المتحف المصري أم يمتعنا؟
دراسات شكري عياد ومقالاته من هذا النوع الأخير‏,‏ أي من المفيد الذي صار ممتعا‏,‏ لا لأنه تجاهل الفائدة أو قصر في أدائها‏,‏ بل لأنه ارتفع بها وأداها أداء أصيلا متقنا حولها من صفحات تستهلك بقراءة ما فيها إلي إبداع لا تنفد قيمته‏.‏
والمشتغلون بالدراسة الأدبية والفكر النقدي كثيرون‏,‏ لكن شتان بين دارس أو ناقد يعمل كغيره‏,‏ ولا يخرج عما تعلمه من أساتذته‏,‏ ولا يخالف الذوق السائد أو المؤسسات القائمة‏,‏ شتان بين هذا الناقد صاحب الحرفة وناقد آخر صاحب موقف من الكون والإنسان‏,‏ فدراساته ومقالاته لبنات في بناء وتجسيد لرؤية أو مشروع‏.‏
عمل الناقد المحترف تكرار كمي لا إبداع فيه‏,‏ واستغراق في التفاصيل يفتقر إلي العمق والشمول‏.‏ أما صاحب المشروع فيضيف إلي النقد إضافات نوعية‏,‏ ويقدم لنا بناء متماسكا ورؤية شاملة‏.‏
ولقد يتصل الدارس أو الناقد أو يقتنع بفلسفة أو مذهب أدبي فيتبناه ويشرحه ويطبقه فيما يكتب ويدرس‏,‏ لكن شتان بين مترجم الفكرة وبارئها‏.‏
والفرق لا ينحصر في طبيعة الجهد العقلي الذي يبذله كل من المترجم والمفكر‏,‏ وإنما يتجاوز هذا إلي الكتابة‏.‏ فالمترجم ينقل كلمة بعد كلمة‏,‏ أو جملة إثر جملة‏,‏ أو معني بعد آخر علي قدر ما تسعفه لغته وقدرته علي الفهم‏,‏ أما صاحب الفكرة فيعانيها معاناة شاملة‏,‏ ويعرضها كيانا واحدا بلغة أصيلة غير مستعارة يؤدي بعضها إلي بعض‏,‏ وتتحرك كلها حركة مطردة منسجمة‏,‏ وهذا هو الأسلوب‏.‏ فالأسلوب هو حركة الفكر في اللغة شكا ويقينا‏,‏ وتساؤلا ومجاوبة‏,‏ وتدفقا ومراجعة‏.‏
أكاد في بعض الكتابات الفكرية أحس بنبض الفكر في اللغة كما ألمح النبضات المنتظمة الناعمة في ترائب المرأة الحسناء‏!‏
شكري عياد ناقد صاحب مشروع كما ينبغي لكل ناقد أن يكون‏,‏ اللهم إلا إذا اكتفينا بمطابقة النص الأدبي علي ما نعرفه أو نحفظه أو نتبناه من شروط كتابته‏,‏ فنصف مثلا ما استخدمه الشاعر من صور البلاغة‏,‏ وما وقع فيه من أخطاء اللغة والعروض‏,‏ ونفعل كذلك مع القصاص والروائي والكاتب المسرحي فنلخص الأحداث‏,‏ ونصف الشخصيات‏,‏ ونرد هذا العنصر أو ذاك إلي أصله في مذاهب الكتابة القصصية والمسرحية‏.‏
لكن شكري عياد لا يكتفي بمطابقة النص علي قواعد الفن الذي كتبه فيه‏,‏ وإنما يتجاوز هذه التفاصيل وإن ألم بها إلي السؤال الجوهري الذي طرحه المفكر الفيلسوف وهو‏:‏ كيف كتب الشاعر أو القصاص ما كتبه؟ ولماذا اختار هذه الطريقة دون سواها؟ وماذا أخد عن غيره وماذا أضاف؟ وما هي صلته بحقائق عصره وقضايا مجتمعه؟ وأية غاية يسعي لبلوغها من وراء هذا النص بالذات‏,‏ فضلا عن إنتاجه كله؟
ولاشك في أن شكري عياد واجه هذه الأسئلة كلها منذ كان في شبابه الباكر يجرب قول الشعر‏,‏ ويدرس الأدب العربي في كلية الآداب علي أيدي أعلام من الأساتذة الذين كانت هذه الأسئلة تشغلهم جميعا‏,‏ وكان لكل منهم عليها جواب يختلف عن جواب سواه‏.‏
ولاشك في أن جواب شكري عياد الناقد علي هذه الأسئلة هو جواب شكري عياد القصاص الشاعر المبدع عليها‏,‏ وهو جواب تفرد به شكري عياد كما يبدو لنا من قراءة قصصه وقصائده وسيرته الذاتية ودراساته الأدبية والنقدية‏.‏ إنه إنتاج متجاوب متكامل‏.‏ مشروع واحد ذو وجوه إبداعية وفلسفية نقدية متشابهة كأنها وجوه إخوة أشقاء‏.‏
إن قصصه توشك في المجموعات الست التي أصدرها تشوك أن تكون سيرة ذاتية أخري له‏,‏ ومرآة لأطواره وتحولاته الاجتماعية والفكرية‏.‏ قصصه الأولي المكتوبة في الخمسينيات والستينيات تعكس صلته الحميمة بالطبقات الفقيرة والمتوسطة‏,‏ وتعاطفه مع الاتجاهات الواقعية والاشتراكية في الأدب والسياسة‏,‏ مع لمسات سوريالية ووجودية‏,‏ أما إنتاجه في السبعينيات والثمانينيات فيعكس صراعه مع الشكل ومحاولاته في إحياء الأشكال العربية القديمة وتطعيمها بالتقنيات المقتبسة من القصة الأوروبية‏.‏ وتدور قصصه كلها حول الحرية‏,‏ والموت‏,‏ والفقر والغني‏,‏ والأنا والآخر‏,‏ والبحث عن المعني‏,‏ وعدم الثقة في إدراك الحقيقة‏.‏ وهي الموضوعات التي تتردد في أشعاره ودراساته وسيرته الذاتية‏.‏
صحيح أن مشروع شكري عياد لم يتم‏,‏ أو بالأحري لم يتبلور في صورة تسمح باعتباره مذهبا‏.‏ غير أن ما أنجزه بالفعل يكشف لنا عن بناء فكري منسجم‏.‏
ولنتذكر بادئ ذي بدء أن شكري عياد كان بحكم نشأته في ريف المنوفية الخصيب شديد الاعتزاز بأصوله الثقافية والحضارية‏,‏ لا يطامن من هذا الشعور انتماؤه لأسرة كانت تعيش كما يقول علي الحافة أقرب إلي الفقر منها إلي الغني أو في منزلة بين المنزلتين‏,‏ وربما زاده هذا الوضع الاجتماعي المتوتر اعتزازا بجذوره الضاربة في حضارات المصريين والعرب والمسلمين‏.‏
ولقد أضيف إلي التوتر الناشئ عن اهتزاز الوضع الاجتماعي توتر آخر نشأ من اتصاله بالثقافة الغربية التي تمكن من أدوات الاتصال بها فأتقن الإنجليزية وعرف من الفرنسية ما لابد من معرفته فقرأ وترجم دون أن ينبهر أو ينسلخ‏,‏ وإن لم يشك لحظة في تفوق هذه الثقافة الغربية الحديثة التي كان عليه أن ينتفع بها ويتعلم منها ويقاوم في الوقت نفسه طغيانها‏.‏
وكان من حسن طالعه أنه وجد في كلية الآداب أستاذه ومرشده الروحي الذي عاني مثله هذا التوتر الخلاق‏,‏ وأقصد به الأستاذ أمين الخولي الذي لم يتلمذ مباشرة علي الإمام محمد عبده‏,‏ وإنما اتصل بتلاميذ الإمام وتشرب أفكاره التي تتلخص في أننا لسنا مخيرين بين الحضارة العربية الإسلامية من ناحية والحضارة الغربية الحديثة من ناحية أخري‏,‏ وإنما نحن‏,‏ شئنا أم أبينا‏,‏ عرب مسلمون‏,‏ فعلينا أن نتمثل هذه الحقيقة ونفهم أبعادها حتي نستطيع بعد ذلك أن نواجه مشكلات العصر الذي نعيش فيه‏,‏ وأن نتقبل ما تفرضه علينا من تعديل وتجديد وإضافة ومراجعة‏.‏
هذا هو المبدأ الذي أخذه أمين الخولي عن الإمام محمد عبده الذي أخذه بدوره عن أستاذه جمال الدين‏.‏ وفي هذا الطريق سار شكري عياد‏,‏ ثم سعي‏,‏ ثم هرول‏.‏
كان أمين الخولي يحدد طريقه بمجموعة من الشعارات التي أثرت عنه‏,‏ ومنها أول التجديد قتل القديم فهما‏,‏ ومنها تجديد لا تبديد فنحن نحيي ثقافتنا حياة جديدة بما نأخذه من الثقافات الغربية‏,‏ ولا نهزم ثقافتنا لنبني في مكانها ثقافة أوروبية‏.‏ ونحن بالمثل لا نترك نصف البناء القديم قائما ونبني بجانبه نصفا جديدا‏,‏ بل ننشئ وعيا عصريا شاملا بثقافتنا القومية يهيئ لنا مكانا في هذه الأزمنة الحديثة‏,‏ ويمكننا من الإجابة عن أسئلتها والإسهام في حضارتها‏.‏
الداية من العروبة والإسلام ركن أول في مشروع شكري عياد‏.‏ وهي بداية حتمية‏,‏ لأنها وراثة لا مجال فيها للاختيار‏.‏
لكن الإسلام والدين عموما ليس وراثة فحسب‏,‏ وإنما هو حاجة أيضا قد يستغني عنها البعض‏,‏ وآخرون لا يجدون عنها بديلا‏.‏
وقد بدأ شكري عياد متشككا‏,‏ لكنه لم يتحرر من رعب الموت إلا بالعودة إلي الإيمان‏,‏ وهذه مسألة لا ينفع فيها الجزم ومازالت مفتوحة للبحث والدراسة‏.‏ ولو راجعنا سيرة شكري عياد الذاتية لوجدنا الموت يتمثل في كثير من صفحاتها‏.‏ يقول عندما أذهب إلي التاريخ القديم جدا تضيع حياتي كحبة رمل في هذه الصحراء‏.‏ رعب الموت هنا مرتبط برعب اللانهاية‏.‏ وهو يتحدث عما في ثقافة العصر من روح عبثية وشعور بعدم الجدوي إذ كانت الحداثة محاولة مستحيلة للبحث عن معني‏,‏ بعد أن فقدت الحياة معناها بغياب فكرة الله كما يقول في كتابه المذاهب الأدبية والنقدية‏.‏
فكرة الله عند شكري عياد ليست خلاصا من رعب الموت فحسب‏,‏ ولكنها أيضا خلاص من العبث واللاجدوي‏,‏ فهي حاجة من حاجات الإنسان الذي يواجه الموت وحيدا‏,‏ وحاجة من حاجات الجماعة التي تبحث عن معني لنشاطها‏,‏ أي عن غاية تتجاوز تلبية المطالب المادية وإلا انهار الأساس الذي تقوم عليه فكرة الأخلاق‏,‏ وذبل الوجود الإنساني كله وانطفأ‏.‏
وهذا مما حدث في الغرب‏.‏ فالتيارات الحديثة في الأدب والفن والفلسفة لم تكن إلا ردا علي الفقر الروحي الذي يعاني منه الغربيون‏,‏ ورفضا أو تمردا علي الحضارة الغربية لأنها حين سهلت كل وسائل الحياة جردت الحياة نفسها من كل معني‏,‏ وإذ قدست حرية الفرد تركته يعيش منعزلا في صحراء المدينة‏,‏ ومما يدهش شكري عياد أن ينقل الحداثيون العرب هذه الحداثة متجاهلين الأوضاع التي فرضتها في المجتمعات الغربية‏,‏ والأوضاع العربية التي تتطلب إجابات أخري هي التي نستطيع أن نستنبط منها ـلو وفقنا لهاـ حداثتنا العربية‏,‏ أي وعينا بوجودنا في هذا العصر الحديث‏,‏ والتزامنا بأداء ما يتطلبه هذا الوجود‏.‏
الحداثة إذن هي الركن الثاني في مشروع شكري عياد‏,‏ لكنها ليست حداثة جاهزة لا تحتاج إلا للمترجمين‏,‏ ولكنها عمل دائب وجهاد عنيف لابد أن ننظمه‏,‏ ونخطط له‏,‏ ونرصد له من الأموال وننشئ من المؤسسات ما يصل به إلي الغاية‏,‏ وهي قتل القديم العربي الإسلامي فهما لنعرف أنفسنا‏,‏ وقتل الجديد الغربي فهما لنعرف غيرنا‏,‏ وندرك ما نحتاج إلي اقتباسه وهضمه وتمثله وتملكه‏.‏
معني هذا أن النقد عمل بالغ الصعوبة وليس سهلا أو يسيرا‏,‏ ولا يكفي فيه أن يكون الانطباع صادقا‏,‏ أو تكون المعلومات صحيحة كما يظن أكثر الناس‏,‏ ومعهم أكثر النقاد‏,‏ وإنما النقد في حقيقته بحث عن المعني‏,‏ وسؤال عن الغاية‏,‏ واكتشاف للقرابة التي تجمع بين الأعمال المختلفة والأنواع المتعددة‏,‏ واختبار كل احتمال يمكن أن نجتاز به المعلوم إلي المجهول‏,‏ وننتقل من حدود الصنعة إلي آفاق الإبداع‏.‏
النقد عند شكري عياد كشف وفلسفة‏,‏ إبداع وخلق‏,‏ ولهذا استمتع به واستفيد‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب