قضايا و اراء

41174‏السنة 123-العدد1999اغسطس30‏19 من جمادى الأولى 1420 هــالأثنين

تراث حديث
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

أقرأ في هذه الأيام كتابا من التراث اسمه جمع الجواهر في الملح والنوادر وطالعتني هذه الفقرة مشفوعة بأبيات وأعجبتني الفقرة والأبيات وسأروي لك هذا الذي أعجبني ثم أشرح سبب أو أسباب إعجابي‏.‏
يقول أبو اسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني مؤلف الكتاب ورب مجلس فض فيه ختام النشاط‏,‏ ونشر بساط الانبساط‏,‏ وفيه بغيض قد ثقل ظله وركد نسيمه‏,‏ وجحد هواه‏,‏ وغارت نجومه‏,‏ فاستثقله من حضر وعاد صفوهم إلي كدر‏,‏ وأنكرت مجالسته‏,‏ إذ فقد مؤانسته‏,‏ ولو كانت له دراية‏,‏ أو معه رواية‏,‏ أو عنده حكاية ما كان كما قال الشاعر‏:‏
مشتمل بالبغض لا تنثني
إليه بغضا لحظة الرامق
يظل في مجلسنا قاعدا
أثقل من واش علي عاشق
ولا كما قال الحمدوني في بعض الثقلاء
سألتك بالله ألا صدقت
وعلمي بأنك لا تصدق
أتبغض نفسك من ثقلها
وإلا فأنت إذن أحمق
وهذان البيتان الأخيران هما اللذان جعلاني أكتب إليك هذا الحديث‏,‏ فكثيرا ما نلتقي بأناس أو نسمع عنهم وعن ثقلهم ودونيتهم ما يجعلني أتساءل هل يستطيع الواحد من هؤلاء أن يحب نفسه أم تراه يشعر بالبغض لذاته‏,‏ كما يفرض بغضه وثقل نفسه وكراهيته علي الذين يعرفونه‏,‏وكنت أحسب أن هذه الخاطرة لم تمر برأس أحد آخر غيري حتي فوجئت ببيت الحمدوني الذي يسائل فيه صاحبه الثقيل‏:‏ ـ
أتبغض نفسك من ثقلها
وإلا فأنت إذن أحمق
فهو يسأله إن كان يستطيع أن يحب نفسه هذه الثقيلة المتشحة بانعدام الحياء وجمود الوجه فإن كان يستطيع ذلك فهو يجمع إلي ساقط صفاته الحمق أيضا‏,‏وعثوري علي هذه الخاطرة عند الحمدوني بعد أن كنت أظن نفسي منفردا بها جعلني أذكر بيت عنترة الشهير‏:‏
هل غادر الشعراء من متردم
ام هل عرفت الدار بعد توهم
ويقول لسان العرب أن المتردم الكلام المتصل أي أن الشعراء المتقدمين لم يتركوا قولا لمن بعدهم‏.‏
فإن كان عنترة في الجاهلية منذ قرابة الف وخمسمائة عام يعجز عن ايجاد فكرة جديدة فما الخطب مع شعراء اليوم وكتابه ليس لهم إلا أن يقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏.‏
حين رأيت هذا البيت نظرت حولي فوجدت كثيرين أوجه إليهم هذا السؤال الذي يحويه البيت وخاطرتي وقد سرني أنني وجدت نفسي مسبوقا إلي هذه الفكرة التي كثيرا ما راودتني وأنا أمارس حياتي الأدبية أو السياسية أو الاجتماعية‏.‏
فأنا أريد ان أسأل كل الصحفيين والكتاب الذين يكتبون ما يكتبون بوحي جيوبهم لا ضمائرهم والذين يمدحون فيصلون بالممدوح إلي أعلي عليين أو يهاجمون فيبلغون بمن يهاجمونه أسفل السافلين دون أن يراعوا حقا أو ذمة إلا أنهم توقعوا من الممدوح أمرا فنالوه وتربصوا بمن يهاجمون أمرا قد يكون مخالفا للقوانين أو يكون هذا الأمر ما لا يتصيدونه فإنا امتنع عليهم ما هفت إليه نفوسهم الوضيعة كان جزاء الذي حرمهم لعن الرجل وأبية ورمي ذمته بالتهتك شافعين كل ذلك بالسباب والشتم وإلحاق أبشع الصفات بالشريف الذي أبي أن يخرق القانون أو بالثري الذي لم يخش تهديدهم وحبس عنهم حر ماله‏.‏
وألحق بهؤلاء الذين يهاجمون الرأي بالسباب والحجة بالشتم غافلين أن سبابهم وشتمهم يبقي علي الحجة نصاعتها وقوتها بل يزيدها نصاعة وقوة ويزيدهم سقوطا في حمأة النتن والتهافت‏.‏
إني أسائل جميع هؤلاء هل تحبون أنفسكم؟‏,‏ إن كنتم فأنتم تضيفون إلي وضاعتكم وهويكم الحمق أيضا كما يقول الحمدوني منذ مئات السنين‏,‏ مؤيدا الخاطرة التي شغلت ذهني في أيامنا هذه‏.‏
وأتوجه بها أيضا إلي السياسيين وأخص منهم أعضاء مجلسي الشعب والشوري‏,‏ وليس يعني هذا أنني اعفي الآخرين من المشتغلين بالسياية‏.‏
هل يجوز أن تكون السياسة بالنسبة لكم بضاعة وتجارة‏,‏ فبدلا من أن ترعوا حق الوطن الذي غذاكم بطعامه وأسقاكم بطهور مائه‏,‏والذي اكرمكم بغئ ظلاله‏,‏والذي آواكم وآوي آباءكم‏,‏ والذي يضم ثراه أجدادكم‏,‏ بدلا من أن تعطوا هذا الوطن حقه من الأمانة والعفة والشرف تتاجرون بمصالحه وتنتهبون أمواله وتأكلون السحت من أبنائه‏,‏ وتتقاضون الرشي من الذين انتخبوكم وأولوكم ثقتهم لتكونوا كلمتهم الشريفة‏,‏ تطلقونها من وحي ما يعود عليهم بالنفع وما يجعل حياتهم ميسورة يمكن أن تعاش‏,‏ وبدلا من أن تعينوهم عليها تصبحون أو تمسون شرا من اثقالهم وعسرهم‏,‏ وإني أسائل هؤلاء جميعا هل يحسون حين ينفردون بضمائرهم أنهم يحبون أنفسهم‏,‏ إذا فعلوا فقد أضافوا الحمق إلي مناقصهم أيضا مهما كانوا بارعنين في السرقة والتحايل‏,‏واهتبال ما ليس لهم بحق من الأموال‏.‏
ودعونا بعد ذلك نتحول إلي مجتمع الثراء الجديد‏,‏ فقد أصبح الأغنياء من أصحاب الملايين فجرة في إنفاق أموالهم‏,‏ مما جعل أبناءهم أسوأ مثال للشباب‏.‏
وحسبنا وحسبك ما نسمعه عن الحفلات ذات الصخب والضجيج التي تقوم أسسها علي الخمر والمخدرات والرقص المجنون الماجن وهكذا لا يكون من العجيب أن يطيح أبناؤهم بعباد الله بسياراتهم أو بوسائل النقل الأخري علي الشواطئ التي أسعدني الحظ أنني لم أرها‏,‏ ولكن قرأت عنها وسمعت بها‏.‏
والثراء ليس شيئا يلام عليه الإنسان‏,‏ وإنما هو مسئول عن الوسائل التي ينفق بها أمواله الباذخة‏.‏
هل هؤلاء الأثرياء يحبون أنفسهم علي ما يرتكبون‏,‏ إن فعلوا فقد جمعوا إلي السفاهة والإسراف الحمق أيضا‏,‏ مهما كثر المال الذي جمعوه‏.‏
إلا أن هؤلاء الاثرياء غالبا ما ينكبون في بنيهم وبناتهم‏,‏ ولن ينزل الله بالإنسان في الحياة عقابا أشد من نكبته في ذريته‏.‏
وقي الله المؤمنين شر هذا البلاء‏,‏ إنه سبحانه الرؤوف الرحيم بعباده المخلصين المحسنين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب