قضايا و اراء

41146‏السنة 123-العدد1999اغسطس2‏20 من ربيع الأخر 1420 هــالأثنين

الحصانة حرية لامهانة
بقلم‏:‏ ثروت اباظة

شرع الدستور الحصانة حتي يكون العضو بالمجالس التشريعية علي كامل حريته في ممارسة عمله النيابي وبموجب هذه الحصانة يبدي العضو في المجلس النيابي مايشاء من الاراء دون أن يخشي أن توجه إليه أي جهة الاتهام فالحصانة تكفل الطمأنينة الكاملة لعضو مجلس الشعب أوالشوري أن يقول في الساحة النيابية مايعن له من اراء وفي ظل هذه الحصانة الذي أصبح فيما بعد وزيرا يحمل لقب الباشاوية‏,‏ في ظل الحصانة طلب النائب الدستوري أحمد عبد الغفار من الحكومة القائمة في ذلك الحين أن تقدم بيانا عن المخصصات الملكية وشفع طلبه بأنه يعتقد أن هذه المخصصات أكثر مما تحتمله ميزانية الدولة ووقفت الحصانة في وجه القصر الملكي والسلطات التنفيذية أن توجه التهمة لأحمد عبد الغفار بالعيب في الذات الملكية بل أصبح أحمد عبد الغفار في ظل الملكية وزيرا ونال لقب الباشاوية كما قدمت‏,‏ لمثل هذا شرعت الحصانة وقد كفلها دستور‏23‏ كما كفلها الدستور الحالي‏.‏ وتنشر الحصانة ظلها علي عضو المجالس التشريعية حماية له من الدعاوي الكيدية فالذي لاشك فيه أن النائب في الشعب والشوري شغل مكانه النيابي اثر انتخابات عامة كثيرا ما تنشب عنها صراعات قد تصل إلي اراقة الدماء فخصوم النائب الذي فاز كثيرا ما يتربصون به في كل تصرفاته حتي السليمة منها وقد يدفعهم تربصهم الأعمي إلي إقامة الدعاوي الجنائية عليه والغالب الأرجح أن تكون هذا الدعاوي كيدية وهنا تظل النائب مظلة الحصانة‏.‏ فالحصانة أذن لم تكن ولن تكون ستارا يرتكب النائب في خبيئها مايشاء من جرائم‏.‏لذلك يمتنع علي اللجنتين الدستورية والتشريعية في مجلسي الشوري والشعب أن تنظر أحداهما في وقائع الدعوي التي طلبت الجهات القضائية رفع الحصانة عن العضو من أجلها‏.‏ فليست اللجنتان في الشوري أو الشعب درجة رابعة من جهات التقاضي فعضو المجلس التشريعي فرد من أفراد الشعب والدستور لايهب له أي ميزة لا يتمتع بها كل فرد من الشعب في أي مكان كان موقعه‏.‏ أن عمل لجنتي الشئون الدستورية والتشريعية مقصور علي أن يبحثا أمرين لاثالث لهما أولهما أن تكون الدعوي الجنائية مرفوعة بسبب ممارسة النائب لعمله النيابي تحت قبة البرلمان أو أن تكون الدعوي كيدية من خصوم النائب أو من غيرهم‏.‏ ولايتيح لها طلب رفع الحصانة من الجهات القضائية أن تنصب من أعضائها قضاة ولا من أجتماعها محكمة‏.‏ وهذا الذي أقوله ليس مجرد رأي وإنما واقع لاتجوز فيه المجادلة وإذا رجعنا إلي مضابط مجلسي النواب والشيوخ في ظل قانون‏23‏ فسنجد أن طلب رفع الحصانة كان لايستغرق من اللجنة المختصة والمجلس مجتمعا الا وقتا لايكاد يذكر‏.‏ فالحصانة تحمي العضو أثناء ممارسته لعمله وتحميه أن يكيد له الكائدون فهي ليست رخصة للنائب أن يرتكب من الجرائم مايرتكب دون أن تناله قوانين الدولة‏.‏ بل أن النائب لايجوز له أن يرتكب من الهنات مايتغاضي عنه القانون لغيره‏.‏ فالمفروض فيه أن يكون مثلا أعلي قدوة للشعب أجمع ويجب أن يعرف‏-‏ أن لم يكن يعرف‏-‏أنه لايمثل دائرته الانتخابية وحدها وإنما هو يمثل مصر جميعها‏.‏ويجب أن يعرف أن مايرتكبه من أفعال سواء كانت مجرمة أو غير مجرمة معروض علي العالم أجمع فأنما تعرف الدول أقدار بعضها البعض بتصرفات من انتخبتهم شعوبها ولذلك نجد أن المجالس النيابية في أمريكا لايتمتع أعضاؤها بالسمعة الطيبة التي يتسم بها أعضاء المجلسين التشريعيين في انجلترا ذلك لأن أعضاء الكونجرس والسناتورز في امريكا استغلوا مناصبهم في صفقات مالية شاهقة ولو أنهم لم يتدنوا إلي أفعال يعاقب عليها القانون والا لما أفلتهم القضاء الجنائي وتصدي لهم بالمرصاد‏.‏ ولعل الفضيحة الجنسية التي فجرها الشعب عن رئيسه خير دليل علي أن ما يجوز لعامة الشعب لايسمح به لمن يتولون أمور هذا الشعب ولايغض من قوة القانون أن كلينتون لم يزح عن منصبه‏.‏ ولنعد إلي مصر ونذكر مافعله الزعيم المصري الوطني حسين رشدي باشا الذي أستقال من منصب رئاسة مجلس الوزراء مع ثورة‏19‏ وأصر علي هذه الاستقالة‏.‏ هذا الزعيم الوطني طلبت وزارء العدل رفع الحصانة عنه لمساءلته في مخالفة ارتكبها سائق سيارته فوقف علي منبر المجلس وناشد النواب أن يرفعوا عنه الحصانة في نفس الجلسة المنعقدة يومذاك وأعلنهم أنه ذاهب من فوره للنائب العام ليدلي بأقواله في التهمة الموجهة اليه وقد فعل‏.‏ فالحصانة برئية كل البراءة من الذين يحاولون تمزيقها ومن الذين يتخذنوها ذريعة لارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون‏.‏ بل أن القانون يجب أن يكون أشد قسوة مع الذين تظلهم الحصانة فأنه إذا جاز لسائر أفراد الشعب أن يدعي الجهل بالقانون فإنه لايجوز مطلقا للمشرعين ان يدمروا القانون الذي هو أمانة في أعناقهم فإنهم هم واضعوه وحماته وحتم من الحتم أن يكونوا للشعب الذي أولاهم ثقته مثلا أعلي وديدنا ونبراسا‏.‏وسبحان الذي قال للناس أجمعين نوابا كانوا أو غير نواب‏.‏
‏'‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره‏.‏ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره‏'‏
صدق الله العظيم

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب