قضايا و اراء

41160‏السنة 123-العدد1999اغسطس16‏5 من جمادى الأولى 1420 هــالأثنين

إلا الهــــزل
بقلم ‏:‏ ثــروت أباظة

هناك أمور لا يجوز فيها الهـزل فهي مواضيع جادة لا تثير إلا الحزن والآسي والالم واكبر هذه الامور شأنا ما كان للوطن ذلا ومهانة‏.‏
فاندحار شعب كارثة‏,‏ وإذا كان هذا الاندحار قد تم في ست ساعات فالكارثة لا تجد لها وصفا بين المصائب الكبري وإن كان الوطن قد استشهد منه آلاف الشباب منهم من كان ابا لأطفال فقدوا عائلهم ودرعهم ووقاءهم وإن كان من هؤلاء ابناء لآباء لا أمل لهم إلا ان يطيل الله حياة ابنائهم ليستقبلوا فيهم العزاء فإذا بالاباء يكرثون بأن يتلقوا هم العزاء في ابنائهم واذا فقدت الزوجة زوجها وابا عيالها وهي في ريق العمر ونضرته واذا فقد الاخ اخاه والاخت اخاها إذا كان الامر بهذه الضخامة من البلاء فهو إذن جد كل الجد لا هزل فيه ولا مزح ولا استهانة‏.‏
وبددت تلك الحرب مع هذه الارواح الشابة والدماء المراقة آلاف الملايين من الجنيهات وانزلت الخراب بالمدن في إذلال ليس بعده إذلال‏.‏
وتسألني ما الذي دعاك إلي أن تذكر حرب‏67‏ وقد مر عليها اثنان وثلاثون عاما ونيف‏.‏
واليك ما ذكرني فقد روعت ببعض المجلات المصرية تقارن بين هزيمة‏67‏ الساحقة ومباراة كرة هزمت فيها مصر فكانت هذه المقارنة الحمقاء اسخف ما قرأت في حياتي وهي تدعو الي التقزز والاسف‏.‏
وأني استحلفك بالله وبضميرك ومصريتك ايها القاريء أهذا يجوز‏,‏ ان كانت هذه المجلات تصدر في اسرائيل لكان هذا الفعل منها وقاحة وسقوط حياء‏,‏ فما الخطب إن كانت هذه المجلات مصرية‏.‏
روعني هذا الذي طالعني في هذه المجلات ووجدت يدي تمتد من تلقاء نفسها تلقف اليراع وتخط هذا الذي تقرأه الآن فاللوعة والحزن الاسيف والمصائب الكبريات لا يجوز فيها إلا ان تنسكب الدموع كالسيل المنهمر ويتحتم فيها الحزن والغـم واللوعة والاسي كل شئ من هذه المشاعر يصلح لها‏,‏ كل شئ منها مناسب إلا الهزل والمزح والمجون فإنها مأساة وطن وفجيعة شعب‏.‏
وطالعت في نفس الوقت جريدة الوفد التي اقتسبت مقتطفات من خطاب رئيس الهزيمة يقول فيه يوم‏26‏ مايو عام‏1967‏ واني ناقل اليك ما قاله بنصه وبلغته العامية كما جاء في اقتباس الصحيفة الجادة‏.‏
ستكون المعركة ضد اسرائيل معركة شاملة ماهياش محصورة في حتة قدام سوريا او محصورة في حتة قدام مصر والمعركة ستكون ساحقة وسيكون هدفنا الاساسي تدمير اسرائيل اضاف الرئيس‏:‏
هذا الكلام يمكن ما كنتش اقدر اقوله من خمس سنين ومكنتش اقدر اقوله من ثلاث سنين ولو كنت مش قادر ومش مستعد واقول هذا الكلام يبقي كلام فاضي ولا قيمة له‏.‏

واختتم الرئيس الاسبق كلمته قائلا‏:‏
النهارده بعد‏1956‏ بــ‏11‏ سنة بأقول هذا الكلام لأني واثق‏,‏ ثم قال عبد الناصر‏:‏
الذي يريد الحرب لابد وان يستعد لها والذي يريد تحقيق هدفه ينبغي آألا يغامر بمصير بلده أو بمصائر الآخرين ولابد من الاستعداد لكي يحارب والذي لا يستعد ويأخذ الحرب علي انها خطب رنانة او مزايدات سياسية ويضيع مصائر الناس او مصير شعبه فهذا خائن في حق وطنه وحق شعبه وحق نفسه‏.‏
إذا كان بطل الاندحار الكاسح هو الذي يقول هذا ويذكر ان الذي لا يستعد ولا يأخذ الحرب علي أنها مصائر الناس ومصير شعبه فهو خائن في حق وطنه وحق شعبه وحق نفسه‏,‏ إذا كان عبد الناصر يقول هذا قبل الحرب بأيام فماذا تراه كان قائلا للمجلات التي تقارن بين هزيمة‏67‏ الحربية والشعبية والانسانية والمالية وبين هزيمة كروية‏.‏
وليس يصلح عذرا أننا بحرب‏73,‏ وبفضل انور السادات وحسني مبارك قد اوقعنا الهزيمة باسرائيل‏.‏
وليس يصلح ان نذكر ان السادات عبر التاريخ الي اسرائيل واستعاد منها ارضنا المحتلة واكمل محمد حسني مبارك استعادة الارض بما واجه به قضية طابا‏.‏
ليس يصلح هذا أن يكون تكأة لأن نجعل هزيمة اسرائيل لنا واحتلالها لأرضنا موضوعا قابلا للمزح والهزل‏.‏
فالهزيمة وقعت والاحتلال تم وإنه لفارق بعيد بين ان تهزمنا انجلترا وتحتل ارضنا وان تهزمنا دويلة اسرائيل وتحتل وطننا‏,‏ فإنجلترا كانت في ذلك الحين امبراطورية لا تغيب الشمس عن عناصر امبراطوريتها واسرائيل دويلة لا جنسية لها تجمع شعبها وإنما هي شعب مكون من مزق العالم اجمع وهو في مجموعه لا يزيد علي تعداد حي من احياء القاهرة‏,‏ فالامر إذن جد كل الجد لا يجوز معه ضحك أو مزح أو هزل وإلا فالفاعلون يصبون النار علي الجراح‏.‏
ليست خسائر الحرب من كرامة وارواح واموال امرا يقارن بفريق كرة هزم في مباراة وما اضخم الاسي الذي يحس به المصريون وهم يطالعون هذه المقارنة البالغة الذروة من السخف وجمود الحس الانساني والوطني‏.‏
فكل شعور من الحزن وتوابعه هو الامر الطبيعي عند ذكرانا لحرب‏67‏ والشئ الوحيد الذي لا يجوز أن يخطر علي بال هو الهزل والمزح والتهريج ولا بد لنا ان نظل مراعين لمشاعر المفقودين بهذه الحرب وبيننا منهم الكثير من شباب وشيوخ وعجائز فإذا لم نحترم حزنهم فلنحترم انفسنا ومن لا يحترم نفسه فقد أغضب الله والناس أجمعين‏.‏ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة والله الله لمن نكبتهم تلك الحرب الوبيلة فإنه لا ملاذ لهم ولا لنا إلا هو سبحانه جلا علاه‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب