الكتاب

41154‏السنة 123-العدد1999اغسطس10‏28 من ربيع الأخر 1420 هــالثلاثاء

البقاء للأجمل
بقلم‏ :‏ مرسي سعدالدين

حين سئل أرسطو لماذا يعجب الناس بالجمال قال جملته المشهورة لا يوجد شخص غير أعمي يسأل هذا السؤال‏.‏ فالجمال من الموضوعات التي كتب عنها الفلاسفة وتغني بها الشعراء وأقيمت له المسابقات التي تتزاحم فيها الجميلات من أجل منصب ملكة‏.‏ ولعلنا نذكر أغنية عبدالوهاب الصبا والجمال
الصبا والجمال ملك يديك ..................... أي تاج أعز من تاجيك
نصب الحسن عرشه فسألنا ................. من تراها له فدل عليك
كتب الشعراء عن جمال هيلين وليلي وكليوباترا وغيرهما من جميلات الأدب والتاريخ ولكن علي الرغم من ذلك فاننا لا نجد تعريفا واحدا منفقا عليه للجمال‏,‏ بل إن البعض ذهب إلي أبعد من ذلك فقالوا إنه لا يوجد جمال ملموس وانما الجمال مجرد أسطورة توارثتها الأجيال وأن هذه الأسطورة وضعت المرأة في المكان الذي اختاره لها الرجل ومن ثم فان الحركات النسائية قامت بهجوم شديد ضد استعمال المرأة كمجرد نموذج للجمال وهاجمت هذه الحركات مسابقات الجمال كما نددت باستعمال الجميلات في الاعلانات‏.‏
وقد ظهر منذ أسابيع قليلة كتاب بعنوان البقاء للأجمل بقلم نانسي الكوف وهي استاذة امريكية لعلم النفس وقد حظي الكتاب بمقالات نقدية عديدة مما جعله من أكثر الكتب رواجا‏.‏
وفي هذا الكتاب تحلل الكاتبة مفهوم الجمال وموقفنا جميعا منه وسأعرض هنا بعض ما جاء فيه من آراء‏.‏ تقول المؤلفة‏:‏ أن العديد من المفكرين يرون أن الجمال لا قيمة له إذ أنه لا يشرح شيئا ولا يعلمنا أي شيء وهناك من ينظرون الي الجمال علي أنه في نفس الوقت مصدر قوة ومصدر ضعف واستعباد‏,‏ إنه شيء يعمي الناس عن الطبيعة الحقيقية للمرأة وهي طبيعة عميقة ذات أبعاد مختلفة تضيع وسط سحر الجمال والتأكيد عليه‏.‏ بل أن البعض يذهب الي أبعد من ذلك في أن البحث عن الجمال والجري وراءه يعكس طابع حضارة مريضة وأن السعي وراءه مرض اجتماعي وتقول المؤلفة انه في عام‏1996‏ قامت أكثر من‏750‏ ألف امرأة أمريكية بعمليات تجميل وهذا يعني‏,‏ في رأي المؤلفة‏,‏ أن المرأة لن تتنازل عن طبيعة تعيش معنا منذ الأزل وهي الرغبة في الجمال‏.‏ ومهما زاد نقد الاكاديميين والحركات النسائية للجمال فإنه لا يمكن لأحد ان ينكر ان الغلبة هي دائما له‏.‏
وتري الكاتبة أن جميع الثقافات هي ثقافات جمال وان كل حضارة في العالم تقدس الجمال وتسعي وراءه بتكاليف باهظة وقد هاجمت الكنيسة غرور النساء وعبر الأطباء عن خوفهم من مخاطر عمليات التجميل ولكن كل هذا لم يكن له أي تأثير اذ استمر الانسان يبدي اعجابه بالجمال وخلال تاريخ الانسانية قامت المرأة في كل بلد وكل قطر بتجميل نفسها سواء بالألوان أو بخرم الأذن والأنف وغير ذلك من الوسائل التي نراها وعلي الرغم من المخاطر التي تواجه عمليات التجميل إلا ان شعورنا نحو الجمال هو حاسة أساسية لا تقل عن الاستمتاع بالطعام والشراب والجنس والحب‏.‏ ان الجمال يهديء النفس بل ويسكر ويري مارفين مينسكي أحد اساتذة حلم النفس أن مجرد رؤية الجمال تؤدي الي توقف كل شيء آخر خاصة حاسة النقد والتقييم وتجعل مشاهد الجمال لايفكر في أي شيء آخر أثناء وجوده‏.‏
ان الحساسية تجاه الجمال‏,‏ في رأي المؤلفة هي جزء من طبيعة الانسان وهي احدي وسائل استمرارية الحياة نفسها وهي عميقة في داخل تكويننا البيولوجي‏.‏ ان قدرة الجمال علي إثارة الاهتمام والمسرة هي التي تضمن استمرارية الجنس البشري ويري علماء علم الأحياء أن السعي وراء الجمال سببه الجينات التي عن طريقها يتوارث الجمال‏.‏ والجمال لا تجده في الانسان فقط بل نراه في الطيور وفي الطبيعة وفي غناء الكروان والبلابل وهناك قصائد لكبار الشعراء العرب والأجانب تتغني بالقبرة وبإناء جميل أو بغزال أو طاووس‏.‏
وعلي الرغم من اختلاف مقاييس الجمال من قارة الي قارة بل من بلد الي بلد الا أن هناك اجماعا علي جمال الأطفال حديثي الولادة جمال جلده الناعم وعينيه الواسعتين وأنفه الصغير واطرافه الدقيقة‏,‏ ثم هناك ايضا قبول لجمال الشعر اللامع في المرأة وخصرها الرفيع ونهديها وتري الكاتبة ان الانسان لديه نوع من كشاف الجمال‏,‏ يوجد في داخلنا ومهمته ان يمسح البيئة تماما مثل الرادار وان في استطاعة ذلك الكشاف في جزء من الثانية أن يري الجمال ويقيمه ويكتشف اجسام المرأة الشابة والمتكاملة التي تثير في الناظر الرغبة في تملك ذلك الجمال‏.‏
ونسأل المؤلفة‏.‏ ما هو الجمال؟ فتجيب بأنه لا يوجد تعريف واحد اصطلحنا عليه يغطي مفهوم هذه الظاهرة الالهية‏.‏ وقد يستطيع الانسان ان يصف تجربة مشاهدة الجمال ولكن لن يقدر أن يصف ما هو‏.‏
وفي هذا المجال يقول رئيس تحرير احدي مجلات المرأة‏.‏ لا أستطيع أن أعرف الجمال ولكن أعرفه بمجرد ان يلج من باب الحجرة‏.‏ وقال مدير احدي شركات الأزياء انه حين تدخل سيدة من الباب وتجد نفسك غير قادر علي التنفس‏.‏ ان هذا لا يحدث كثيرا‏.‏ انك تستطيع ان تشعر به بقدر ما تراه انه شخص لا يمكن ان تمر عليه في الشارع دون أن تعيد النظر إليه‏.‏
ويعرف قاموس اكسفورد الجمال بأنه تفوق في رشاقة القد وفتنة الألوان والصفات الأخري التي تبهج العين وتثير الاعجاب بالوجه الانساني والجسم وغيرها‏.‏ وبدءا بسقراط وحتي وقتنا الحاضر نجد أن العلماء الذين يناقشون مفهوم الجمال لا يختلفون في ان صفات الجمال واحدة سواء كنا ننظر الي امرأة جميلة أو زهرة أو طائر أو منظر طبيعي‏.‏ ان تجربتنا في الجمال ليست تأملا عقلانيا ولكنها رد فعل لشعور جسماني‏.‏ فالجمال يثير فينا احاسيس مختلفة منها المتعة والبهجة ولذلك فان اجسامنا تستجيب له من عميق انفسنا‏.‏
وتري المؤلفة ان الشباب ضروري للجمال خاصة في المرأة ولذلك نجد أن المرأة تسعي دائما الي استمرار شبابها عن طريق عمليات التجميل واستعمال محسنات جمالية عن طريق ارتداء ملابس معينة واستعمال فورمات شعر خاصة كما تستعمل حركات معينة برأسها وجسمها وبعض الأوضاع التي تضيف اليها جمالا وشبابا وتذكر المؤلفة ابتسامة الأميرة ديانا الخجولة التي اشتهرت بها وقد دفعت ذقنها الي أسفل بينما نظرت عيناها الي أعلي‏.‏ ويري بعض علماء الأجناس ان الوجه الجميل هو محصلة كل الوجوه التي وقع عليها بصرنا طوال حياتنا واننا نري وجها ما جميلا لأنه يحتوي علي كل الصفات التي نعرفها‏.‏
وتري الكاتبة اننا نعامل الجميلات معاملة مميزة بينما نتحيز ضد القبيحات ولكن هذا يعكس التفرقة العنصرية فان هذا التميز يأتي بطريقة لا شعورية وهو تحيز واضح للجمال‏.‏ أن الجمال من شأنه أن يؤثر علي سلوكنا ومواقفنا وفهمنا للآخرين‏.‏ ومن المعروف أن افلاطون كان ينادي بأن الجمال الجسماني أصله الجمال الروحي وقد كتبت سافو أن ما هو جميل خير وما هو قبيح يعد شرا بل خطرا ولكن الآن لا يعكس المظهر ما هو في داخل الشخص ولكن مما لا شك فيه ان الجميلات يجدن شركاء لحياتهن اكثر من القبيحات وتناقش الكاتبة فكرة ان الجمال الجسماني سطحي وان الجميل هو الذي يصنع ما هو جميل ولكن ما يحدث هو أن ما تفعله المرأة الجميلة يقابل بالتسامح بينما نصدر أحكاما سريعة علي ما تفعله المرأة القبيحة وهذا يعني ان العلاقة بين الجمال والطيبة والخير شيء زائف‏.‏
وسواء أكان الجميل خيرا أو طيبا أو شريرا فمما لا شك فيه أن الجمال يثير ما هو خير في الآخرين فنحن نحاول أن نحو علي رضاء الجميلات دون انتظار لفائدة ما‏.‏ واصحاب وصاحبات الجمال من السهل ان يفوزوا في أية مناقشات وأن يقنعوا الآخرين بوجهة نظرهم‏,‏ كما أنهم يقبلون بسهولة في المجتمعات ويمتازون بثقتهم في أنفسهم كما أنهم يسيطرون علي حياتهم ولا يتركون شيئا للقدر أو للآخرين‏.‏ وفي دراسة قامت بها الكاتبة وجدت أن زواج الجميلات انجح من زواج الاخر كما انهن ينلن وظائف احسن من غيرهن ويتميزن بالتفوق الذهني وبصفات حميدة أخري‏.‏
وتستمر الكاتبة لتبين كيف ان الطالبات الجميلات يحصلن علي درجات عالية برغم عدم تفوقهن مما يجعلنا نعتقد أن الجمال سواء في الذكر أو الأنثي يمتاز أصحابه بذكاء أكثر من غيرهم والجمال يعد عاملا مساعدا خاصة في الأعمال غير المتخصصة‏.‏ ووجدت الكاتبة ايضا ان الجميلات من السهل عليهن التخلص من المشاكل من أول سرقة المتاجر الي الغش في الامتحانات أو حتي من بعض الجرائم الحادة‏.‏
وتري الكاتبة أنه من الضروري أن نفهم الجمال علي حقيقته وإلا سنصبح عبيدا له ولذلك يجب أن نضعه في مكانه الصحيح ونعطيه ما يستحقه من أهمية دون مبالغة‏,‏ كما يجب أن نوسع من معاييرنا ومقاييسنا عن مفهوم الجمال وأن نناقش بجد ذلك الاقتراض بأن كل ما هو جميل خير ولكن هذا لا يعني أن نأخذ موقفا معاديا وأن ننظر الي كل ما هو جميل علي أنه شر‏.‏ وكون الشخص جميلا ويستفيد من جماله لا يكون شرا اجتماعيا‏,‏ بل ان الجمال من شأنه أن يرفع من قيمة المرأة لا ان يقلل من هذه القيمة كما ان في استطاعته ان يكون مصدر قوة لها‏.‏ ان الفكرة القائلة بأن الجمال ليس بالشيء المهم ما هي الا اسطورة يرددها البعض دون أساس‏.‏
وتنتهي الكاتبة الي أن الجمال شيء مهم للمرأة وأنه علي الرغم من تكاليف خلقه أو زراعته أو تأكيده فانه سيعطي المرأة جائزة هامة‏.‏ ان الفكرة السائدة بأن المرأة تضيع الكثير من وقتها لاقتناء الجمال وانها لو استعملت هذا الوقت في شيء انتاجي فانها ستحقق أكثر مما حققته‏,‏ ان هذه الفكرة ساذجة للغاية لأن المرأة ستحقق الاكثر حين تستطيع ان تنال كل حقوقها وليس حين تتخلي عن جمالها‏.‏
ما بين د‏.‏ داهش ود‏.‏ حسين هيكل
وقع في يدي طبعة جديدة لكتاب صدر في عام‏1979‏ في بيروت بعنوان الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشية والدكتور حسين هيكل مؤلف قصة زينب وكتب محمد وفي منزل الوحي والذي كان وزيرا ورئيسا لمجلس الشيوخ المصري في يوم ما‏.‏ أما الدكتور داهش فهو ظاهرة فريدة من نوعها بل انه اسطورة‏.‏ كان كاتبا له حوالي مائتي كتاب من شعر ونثر الي كتب رحلات وكان فنانا ومحبا للفنون وله في الشارع الخامس بنيويورك متحف عظيم يعرض لوحات عالمية ويقيم الندوات وينظم المحاضرات في موضوعات مختلفة‏.‏ وبالاضافة الي ذلك فقد كان للدكتور داهش قدرات خارقة كتب عنها العديد من الصحفيين المشهورين ولكن هذا ليس مكانها‏.‏
كان للدكتور داهش فلسفة خاصة اذ كان يعتقد في وحدة الأديان وكان ينادي بالاعتراف بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ولكن هذا لم يعجب رئيس لبنان في ذلك الوقت بشارة الخوري الذي اعتلي كرسي رئاسة لبنان عام‏1943.‏ ومنذ توليه السلطة بدأ في اضطهاد د‏.‏ داهش ومريديه وحاول اغتياله في عام‏1944‏ وفي النهاية اصدر مرسوما في عام‏1944‏ بشطب اسمه هو وعائلته ونزع الجنسية اللبنانية منه وطرده من البلاد‏,‏ ولم ترجع له جنسيته الا في عام‏1952‏ حين اضطر بشارة الخوري الي النزول علي ارادة الشعب وتخلي عن الحكم‏.‏
والرسائل بين د‏.‏ هيكل ود‏.‏ داهش تدور حول هذا الموضوع ولكنها في نفس الوقت تعكس ما نطلق عليه ادب الرسائل
‏LESBCLLESLETLES‏
ونقرأ فيها دررا أدبية تعكس ثقافة واسعة ومعرفة بفلسفة العالم وآدابه‏.‏
نقرأ في رسالة لداهش الي د‏.‏ هيكل اعجابه بكتاباته فيقول نعم قرأت كتبك منذ نعومة أظفاري‏,‏ ولم يكن في مقدوري يومذاك ان أبتاعها لفقري المدقع فكنت استأجرها وارتشف محتوياتها بشغف عجيب‏.‏ وكذلك نهلت من بيانك العذب المورد شابا وانكببت علي التهام مؤلفاتك القيمة كهلا‏.‏ وأيم الحق‏.‏ كانت لي غذاء سماويا وزادا روحيا بل كانت لي الروح والراح‏.‏ ويستمر د‏.‏ داهش في ذكر فقرات من كتاب ولدي ثم يذكر د‏.‏ داهش سقراط الذي الهم افلاطون تلك الروح الشريفة العالية وعلم ارسطا لبس تلك الفلسفة العادلة الصادقة‏..‏ اقول أن هذا الحكيم الكريم قد رماه مواطنوه بتهمة الالحاد وفساد الأخلاق فحاكموه بين يدي هيئة قضائية اقتنعت بادانته وحكمت عليه بالاعدام‏.‏
ويرد د‏.‏ هيكل علي رسالته ويقول ان المصارحة بالحق المقدس واجب علي كل من يؤمن بانسانيته ودفعتني لأكرر في كل مقام قول النبي العربي الكريم الساكت عن الحق شيطان أخرس ثم يستمر كاتبنا العظيم فيقول ألم تذكر في رسالتك ما أصاب سقراط هذا الفيلسوف الضخم والمعلم الأول الذي أعدم ظلما ـ فزاد الظلم ذكره رفعة علي رفعة علي مدي الأجيال ـ ومن حقك وانت في منفاك أن تتمثل بقول السيد جمال الدين الأفغاني‏.‏
أنا إن عشت لست أعدم قوتا .............. همتي همة الملوك ونفسي
واذا مت لست أعدم فبرا ..................... نفس حر لا ترتضي الأسر قسرا
ويستمر الاثنان في تبادل خطابات هي نموذج لفن لم يعد له وجود الآن وهي في نفس الوقت دليل علي الارتباط القوي بين المفكرين العرب والذي دعا د‏.‏ هيكل الي عرض قضية د‏.‏ داهش في الصحافة المصرية وهو نفس الارتباط الذي جعل شوقي يكتب عن دمشق في محنتها ويرسل سلاما إليها‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب