ملفات الأهرام

41142‏السنة 123-العدد1999يوليو29‏16 من ربيع الأخر 1420 هــالخميس

خـــــــــــــريـف القطــــــــن‏!‏
بقلم : د‏.‏ يونان لبيب رزق

قطاعات عريضة من المصريين تنتظر قدوم الخريف حين يبدأ جني القطن‏,‏ المحصول الرئيسي للبلاد‏,‏ للحصول علي ثمار جهد كبير بذلوه قبل أن تبدأ نواراته في التفتح وعائد أموال أنفقوها سعيا وراء تحقيق هذا الهدف‏,‏ إلا أن ما حدث في خريف عام‏1920‏ جاء مخيبا للآمال‏,‏ بل مثيرا للأحزان والمتاعب المالية‏!‏
وإذا كانت تلك القطاعات قد ضمت المشتغلين رأسا في العملية الإنتاجية‏;‏ أجراء‏,‏ زراع‏,‏ متوسطي وكبار ملاك‏,‏ تجار الأقاليم‏,‏ مصدرين‏,‏ فإنها قد شملت أيضا كثيرين من غير هؤلاء‏,‏ خاصة وأن هذا الخريف كان يقترن عادة بعقد الزيجات وإحياء المناسبات بين الفلاحين مما كان يخلق رواجا لأسواق المدينة‏,‏ بداية من تجار الأثات ومرورا بمحال الأقمشة والملابس ووصولا إلي دكاكين الحلي الذهبية‏!‏
ما حدث في هذا الخريف تمثل في انخفاض حاد في أسعار الذهب الأبيض علي نحو فاق كل التوقعات‏,‏ وهو الانخفاض الذي أسماه بعض كتاب الأهرام بالكارثة القطنية‏,‏ وكان لهذه التسمية أسبابها‏;‏ ذلك أن فترة الحرب العالمية الأولي ثم العام التالي لها‏(919),‏ شهدت ازدهارا في سوق القطن وارتفاعا غير متوقع لتلك الأسعار علي نحو فاق خيال الكثيرين مما دفعهم إلي مجموعة من التصرفات زادت من حجم الكارثة‏..‏
من تلك التصرفات أن هؤلاء جريا وراء مزيد من الأرباح أقبلوا علي شراء الأطيان التي زادت أسعارها إلي حد كبير‏,‏ ولم يكونوا قد دفعوا ثمنها كلها عندما وقعت القارعة‏,‏ منها أيضا ما سجله حسين هلال بك المحامي وعضو الجمعية التشريعية في مقال نشرته الأهرام في‏29‏ سبتمبر عام‏1920,‏ وكان مما جاء فيه أن بعضكم أدخل نفسه في مضاربات البورصة وهو لا يعلم من أمورها شيئا‏,‏ وتجاوزتم الحدود في النفقات فمنكم من اشتري اتومبيلات وهو جاهل بالعاقبة‏,‏ ومنكم من انغمس في الملذات وأكثر من الكماليات‏,‏ كل هذا وعين المرابي ترمقكم‏!‏
وكان مفهوما أن يكون قدر رد الفعل بحجم الكارثة‏,‏ والذي شمل جميع الفرقاء علي الساحتين السياسية والاقتصادية المصرية‏..‏ المشتغلين بالعملية الإنتاجية بكافة شرائحهم‏,‏ دوائر الحكومة المصرية‏,‏ وهو ما كشفته الصحافة المصرية خاصة الأهرام‏,‏ ثم أخيرا سلطات الحماية التي بدا وكأن لا موقف لها من الأزمة إلي أن كشفت الوثائق البريطانية عن أن الأزمة كان لا يمكن أن تحدث بعيدا عن أنفها‏!‏
ولا مراء أنه قد عمق من رد الفعل شكوك قوية أحاطت بالسياسات البريطانية في السودان‏,‏ التي اعترفت حكومة لندن بأنها تشجع مشروعات الري في منطقة الجزيرة لاستزراعها بالقطن‏,‏ الأمر الذي أدي إلي شن حملة عنيفة من الصحافة المصرية علي تلك السياسات خلال النصف الأول من عام‏1919,‏ هي التي خصصنا لها جلسة من الديوان تحت عنوان حرب النهر‏.‏
ورغم مرور ما يقرب من العام علي انفجار تلك الشكوك غير أنها ظلت تساور المصريين‏,‏ مما عبرت عنه الأهرام فيما نقلته في إبريل عام‏1920‏ عن جولة قام بها اللورد ديوار في شمال إفريقيا ووسطها لدرس حال القطن وجاء في تصريحاته بعدها ما أدي إلي إيقاظها‏..‏
حسين بك هلال
جانب من هذه التصريحات تناول الارتفاع الهائل في أسعار القطن المصري‏,‏ وكما جاء بالحرف الواحد أن مصر لم تكن قط في مثل هذا الرخاء فإن أهلها يبيعون القطن بستة أمثال ثمنه قبل الحرب‏,‏ وقد شعروا بأرباح هذه التجارة فجعلوا يقلعون زراعة القمح ليزرعوا القطن في مكانه‏.‏ إن تكاليف المعيشة عند الفلاح قليلة وأرباحه كثيرة جدا فمن الصعب تقدير الملايين المدفونة تحت الخصاص وأكواخ الطين‏,‏ وإن المصريين لسعداء بقلة الضرائب‏!‏
وبعد هذا الحسد غير المبرر للزراع المصريين يتحول صاحبنا إلي الحديث عن السودان وكيف أنه قد دخل في عداد الأقطار المنتجة للقطن فلا يمضي إلا زمن قليل حتي نري مقدار ما يمكن أن تصنعه الإمبراطورية البريطانية‏..‏ وربما حسن في المستقبل القريب زيادة التدخل مباشرة من لدن الحكومة الإنجليزية حتي لا يطول أمد إصلاح ذلك القطر الواسع العظيم‏!‏
ولا يمضي وقت طويل علي هذا الحديث حتي تظهر بشائر المحصول الجديد ويتصور الزراع أنهم قادمون علي فترة رخاء أخري إلي أن فوجئوا بهبوط الأسعار إلي أقل من ربع ما كانت عليه في الموسم السابق‏..‏
في البداية تصور المصريون أن الهبوط مؤقت مما دعا عضو الجمعية التشريعية حسين هلال بك المحامي إلي أن يكتب سلسلة من المقالات في الأهرام‏,‏ بلغت خمسا أعطاها عنوان أيها المزارعون لا تبيعوا أقطانكم‏,‏ حاول أن يفسر فيها أسباب ذلك الهبوط‏,‏ وطالب الفلاحين بالصبر إلي أن تزول‏,‏ وهو صبر لن يطول علي حد تصوره‏.‏
لخص الرجل تلك الأسباب في ستة‏;‏ اعتصاب العمال في جميع البلدان وأخصها إنجلترا‏,‏ امتناع البنوك المحلية عن إقراض التجار ما يلزمهم من النقود لشراء القطن‏,‏ إشاعة توفر المحصول حتي قدروه بأكثر من السبعة ملايين قنطار‏,‏ نزول الأثمان في أميركا‏,‏ إشاعة تكديس البضائع القطنية هنا وهناك وضرورة تنزيل أسعارها‏,‏ والسبب الأخير‏:‏ ترويج التجار لمثل هذه الشائعات حتي يرغموا المزارع علي بيع ما لديه من المحصول بأدني سعر‏.‏
تناول هلال بك بعدئذ تلك الأسباب بالرد‏,‏ فبالنسبة لأولها أكد أن اعتصاب العمال لا يمكن أن يدوم خصوصا في بلد مثل إنجلترا قوامها الصناعة‏,‏ أما فيما يتعلق بالبنوك فقد أبدي شكوكه بأنها ربما تكون قد فعلت هذا بالاتفاق مع كبار التجار الأجانب لأخذ القطن بأسعار لا تتفق مع كميته وكلفته‏..‏ فهناك سوء نية يجب محاربتها وعدم الاستسلام لهؤلاء التجار الذين عودونا علي عدم الشفقة علي مستقبلنا فكانوا يلتهمون محاصيلنا بالأسعار التي توافقهم‏(!),‏ ووضع تقدير المحصول في مرتبة الإشاعة لأن وزارة الزراعة اتبعت طريقا مملوءا بالتخمينات حيث أقامت تقديراتها علي الأوضاع في شهر أغسطس وهو أقل الشهور تأكيدا للمحصول إذ أن الإصابات كلها تأتي في شهر سبتمبر‏.‏
بالنسبة لانخفاض أسعار القطن الأمريكي فقد عزاه لأسباب غريبة‏:‏ إن صناعة الأوتومبيلات الأمريكية كثرت إلي درجة أن استحوذت علي أسواق العالم‏,‏ ومنها أن الإضرابات العديدة التي حصلت في مصانعها وسككها الحديدية جعلت هناك من بواقي القطن ما اطمأن له تجار المصنوعات فاكتفوا به ولم يسعوا إلي غيره‏,‏ غير أنه تنبأ بأن تلك الأسباب إلي زوال بعد وصول الأنباء بأن الزرع أصيب بضربات شديدة من التقلبات الجوية وهو مهدد بالصقيع‏,‏ ويبدو أن هلال بك كان يمارس في هذا لونا من أحلام اليقظة‏!‏
فند أيضا القول بأن أسعار المنسوجات القطنية سوف تواجه نزولا فاحشا‏,‏ علي حد تعبيره‏,‏ خاصة وأن البضائع القطنية قد تكدست وقتئذ في الجمارك‏,‏ وكانت حجة الرجل في إثبات ألا علاقة بين الأمرين أن سبب التكدس أن بعضا من صغار التجار لم يحرصوا للعواقب فاشتروا بأكثر من رؤوس أموالهم ولما أرادوا أخذ ما يلزمهم من النقود لسحب بضايعهم وقفت البنوك في وجوههم‏.‏
تناول أخيرا قضية الإشاعات التي اعتقد أنها كانت من أهم أسباب انخفاض الأسعار ورأي أن وراءها التجار وأنها حيلة عظيمة تنجح دائما في هذه البلاد المسكينة التي لم يك عندها من الشجاعة ما يجعلها تقابل الحيلة بمثلها فتمتنع عن البيع حتي ترغم الشاري إرغاما إلي أخذ الصنف بما تريده هي طبقا للقاعدة الأساسية في جميع القوانين الاقتصادية‏..‏العرض والطلب‏.‏
خلص هلال بك من كل ذلك إلي مطالبة منتجي القطن‏,‏ بكل شرائحهم‏,‏ بحبس محاصيلهم إلي أن يحصلوا علي ثمن عادل لها‏,‏ وبحث الأغنياء علي دعم بنك مصر‏,‏ باعتباره البنك الوطني الذي لن يشارك التجار الأجانب في العبث بمصالح المصريين‏.‏
حول هذين المطلبين دارت الكتابات الوفيرة عن موضوع القطن والتي فرضت نفسها علي الأهرام خلال خريف عام‏..1920‏
أردف حسين هلال المحامي مقاله الأول بآخر يذكر فيه المصريين بما يفعله المنتجون الأمريكيون في مواجهة انخفاض أسعار الذهب الأبيض‏,‏ حيث أخذ فريق من مزارعيهم يجوب البلاد طولا وعرضا لمنع المنتج من بيع قطنه حتي يصل إلي ثمن حدد له‏,‏ ويبلغهم أنه قد قام مع آخرين من أصحاب الخبرة الزراعية بحساب ما يتكلفه القنطار الواحد حتي يصبح في المخزن فوجدها عشرة جنيهات بما في ذلك إيجار الأرض فهل يرضيكم أن تسلموا نتيجة تعبكم بالأسعار الحالية‏.‏
وقد رأي الرجل أن بإمكان سائر المنتجين الصبر‏..‏ الفلاح الصغير يستطيع دفع الأموال الأميرية ببيع أربعة أرطال من السمن الذي بلغ ثمنه عشرين جنيها للقنطار بعد أن كان أربعة‏.‏ أو ثلاث دجاجات وقد بلغ ثمن الواحدة ثلاثين قرشا‏,‏ أو كيلة واحدة من البرسيم وقد بيعت بمائة قرش‏,‏ أما الفلاح الكبير فعليه حلج قطنه وأخذ ما هو مضطر إليه من المبالغ علي ذلك القطن بفائدة معقولة ثم يصبر إلي أن يحكم الله وهو خير الحاكمين‏!‏
المطلب الثاني بدا في كتابات صغار تجار الأقطان المنتشرين في الأقاليم بدعم بنك مصر‏,‏ ولعل ما كتبه أحدهم واسمه شعبان محمد جودة من سامول المحلة الكبري عبر عن ذلك أصدق تعبير‏,‏ فقد اقترح الرجل علي أسيادنا أصحاب الملايين المودعة بالبنوك الأجنبية أن يسحبوها عاجلا ويودعوها بنك مصر إما أمانة وإما نظير مشتري أسهم حسب رغبتهم وإني علي يقين بأن عملهم هذا يكون برهانا علي أننا أمة ناهضة جديرة بالاعتبار ويكون البنك ـ بنك مصر ـ الذي يديره أحد كبار ماليي العالم كما شهد بذلك الأجانب قد اشتد ساعده وقوي سلطانه فيقوم للبلاد بأجل المنافع المنتظرة خير قيام‏.‏
آخر اسمه جاد الله القيعي‏,‏ مزارع من كفر الزيات‏,‏ كتب في نفس السياق‏,‏ وقد نعي علي الأغنياء أنهم يفضلون وضع أموالهم في منازلهم أو البنوك الأجنبية عن أن يضعوها في بنك مصر وذلك خوفا علي أموالهم وهذه والله مصيبة كبري وإننا نري أنه كلما زاد الله الأغنياء غني زادوا شحا‏..‏ فاصحوا من نومكم أيها الأغنياء وساعدوا بنك مصر ينفعكم والسلام علي من اتبع الهدي‏!‏
بيد أنه علي الجانب الآخر كان هناك من عزا انخفاض أسعار القطن أولا وأخيرا لأسباب عالمية لا يد للظروف المحلية فيها‏..‏
تبني هذه الفكرة الكاتب يوسف نحاس وإن كان قدم لها تفسيرا علميا انبثق عما عرف في العالم وقتئذ باسم موجة الهبوط‏Lavaguedebaisse‏ وهي ضجة قامت في العالم وتولت الحكومات ترويجها ضد غلاء الأسعار ووجوب انخفاضها سريعا وقد بشر الناس بعضهم بعضا بقرب قدوم هذه الموجة المباركة قدوم السيل الجارف تهدم الأثمان العالية هدما‏.‏
ويخلص نحاس إلي القول أن الناس صدقوا هذه الموجة لأنها تطابق هواهم فتمهلوا في الشراء الذي قل‏,‏ فقلت معه طلبات التجار الذين أخذوا يبطلون الطلبات التي كانوا قد تعاقدوا مع أصحاب المصانع عليها‏,‏ فاضطر أولئك إلي تخفيض ساعات العمل وامتنعوا أيضا عن شراء المواد الأولية‏..‏ من كل ما تقدم يظهر أن الأزمة الحاضرة هي أزمة جرتها علي الصناعة والزراعة والتجارة حكاية موجة الهبوط التي ساعدت الحكومات علي ترويجها وحملت العامة علي تصديقها‏.‏
صاحب السعادة الوجيه أمين باشا يحيي أحد كبار مصدري القطن انضم لهذا الفريق‏,‏ فقد كتب مقالا طويلا تحت عنوان أزمة القطن استهله بالقول نعم هي أزمة عالمية استطال شرها إلي جميع البلدان المنتجة للقطن وشغلت جميع الدوائر الاقتصادية والمالية والتجارية فيها ولكن نصيب مصر منها كان أعظم خطبا‏,‏ السبب‏:‏أن سعر القطن بلغ حدا خارقا للعادة بحكم عوامل اقتصادية استثنائية مؤقتة‏,‏ وأن بعض الذين مارسوا السوق مثله كانوا يوالون النصح ولا يسمع لهم‏!‏
تكشف الوثائق السرية البريطانية أن دار المندوب السامي وحكومة لندن لم تكونا بعيدتين عن كل ذلك‏,‏ خاصة فيما يتصل ببعض الجوانب السياسية للأزمة‏,‏ وهي الجوانب التي لم تتناولها الصحافة المصرية‏..‏
ففي يوم‏26‏ أكتوبر عام‏1920‏ أبرق المستر سكوت‏,‏ ممثل المندوب السامي في العاصمة المصرية‏,‏ إلي وزير الخارجية اللورد كرزون‏,‏ يبلغه بتدهور الأوضاع في الريف المصري بسبب تدهور أسعار القطن وارتفاع الإيجارات وأن عددا من الفلاحين في دايرة الوالدة باشا‏,‏ أم الخديوي‏,‏ قد رفضوا ترك أراضيهم بعد أن امتنعوا عن دفع الإيجار ومنعوا بالقوة موظفي الدايرة من استحضار فلاحين أجراء من مناطق أخري‏,‏ وتنتهي البرقية إلي التحذير من أن انهيار أسعار القطن فضلا عن عدم استجابة الملاك بتخفيض إيجاراتهم سوف يؤدي إلي نشوب اضطرابات خطيرة في الريف‏.‏
بعد عشرين يوما أرسل وزير الخارجية بتعليمات إلي اللورد أللنبي المندوب السامي ليقوم بجولة في المديريات ليخطب في عدد من الاجتماعات منبها إلي أنه ينوي تقديم النصح للحكومة المصرية بتحديد إيجارات الأراضي المزروعة قطنا كما سبق وفعلت بالنسبة لإيجارات المنازل‏.‏
لم ينفذ اللنبي تعليمات وزيره بل أرسل معترضا عليها معتمدا في ذلك علي مجموعة من الذرائع‏;‏ أنه ليس في وسعه قطع وعود هو أول من يعلم باستحالة تنفيذها‏,‏ وأن ذلك سوف يؤدي إلي شيوع السخط في الريف المصري‏,‏ الخوف من تفسير الخطب التي سيلقيها علي أنها لون من تشجيع الفلاحين علي عدم الوفاء بإيجاراتهم مما يكون سببا للاضطرابات‏,‏ فضلا عن كل ذلك فقد عبر عن تخوفاته من أن يؤدي مثل هذا السلوك إلي إضعاف مركز السلطان والوزارة إذ سينظر إليه باعتباره تدخلا بين الشعب والحكومة مما سيتيح الفرصة لرجال الحركة الوطنية للتشكيك في نوايا الحكومة البريطانية علي منح مصر الحكم الذاتي الذي كانت قد وافقت عليه لجنة ملنر‏.‏
اللورد اللنبى
اقتنع اللورد كرزون بحجج دار المندوب السامي في القاهرة وإن طلب من الأخير ألا يسمح بتدهور الأحوال في الريف وأن يتخذ كل إجراء لحماية المستأجرين الزراعيين الذين يمكن أن يسببوا هذا التدهور‏,‏ وأخيرا أن يتشاور مع السلطان والوزراء في السبل المؤدية إلي ذلك‏.‏
بعد مشاورات قصيرة بين الطرفين أصدرت الحكومة المصرية بلاغا عن حالة القطن نشرته الأهرام يوم‏29‏ نوفمبر‏,‏ وقد تبنت فيه‏(‏ أولا‏)‏ وجهة النظر القائلة بعالمية الأزمة إذ أكد البلاغ أن ارتفاع الأسعار عام‏1919‏ نتج عما أسماه بتصاعد تيار البذخ والغرور المالي الذي عم أنحاء العالم المتمدين بعد وقف رحي الحرب فسببا صعودا في أسعار جميع الحاجيات‏.‏ ولما كان القطن المصري مادة من مواد الترف استفاد من ذلك بمقدار غير عادي فقد كانت نسبة زيادة الأسعار العمومية بعد الهدنة‏50%‏ وبلغت زيادة أسعار القطن المصري‏300%‏ في آن واحد ولقد حصل الآن رد فعل ذلك‏,‏ ففي جميع الممالك وضعت القيود للمصروفات الشخصية والعمومية‏,‏ وأوقفت المضاربات وبذا حصل ذلك الهبوط الذي نري آثاره في أسعار جميع الحاجيات التي هبط بعضها إلي أدني مما كان عليه من سنتين وعلي الأخص القطن الأمريكي‏..‏ فيجب علي الذين يهمهم حالة القطن المصري أن يفهموا جليا أن السبب في هبوط سعر القطن راجع إلي أحوال اقتصادية عامة لا تأثير لنفوذ البلاد المنتجة عليها‏!‏
أعلنت فيه‏(‏ ثانيا‏)‏ أنها بصدد اتخاذ الوسائل الكفيلة بتخفيف الضائقة‏,‏ غير أنها نصحت الأفراد‏,‏ خاصة الملاك بالعمل من جهتهم علي تذليل الصعاب فلا يتشددون في تحصيل إيجار باهظ ليس في مقدور المزارع وبذلك يسهل احتمال وطأة الحالة الناتجة عن هبوط أسعار القطن وبهذا لا يخدمون المجموع فقط بل يكونون قد قاموا بعمل مفيد تكون نتيجته لصالحهم علي طول الزمن‏,‏ ونري أن بصمة النصيحة البريطانية كانت شديد الوضوح هنا‏.‏
وقد أعلنت الحكومة في ختام بلاغها تشكيل لجنة لدراسة الحالة الناجمة عن هبوط الأسعار‏,‏ وهو التشكيل الذي يلفت النظر فيه أنها كانت برئاسة وكيل وزارة الداخلية‏,‏ أحمد علي باشا‏,‏ مما يكشف عن الدواعي الأمنية التي دعت لهذا التشكيل‏,‏ فضلا عن محمد زغلول باشا‏,‏ وكيل الأوقاف ومفتش الري السابق‏,‏ وثلاثة من كبار الموظفين الإنجليز بالحكومة المصرية‏;‏ المستر روس تيلور المستشار السلطاني‏,‏ المستر ا‏.‏ ماكيلوب المفتش العام بوزارة الزراعة‏,‏ وأخيرا المستر ف‏.‏ وايلد المدير العام للأموال المقررة‏,‏ مما يشير إلي أن البريطانيين قرروا اتخاذ زمام مواجهة الأزمة بين أيديهم‏.‏
نزل المقال الافتتاحي للأهرام في نفس يوم نشر البلاغ الحكومي طعنا فيه‏,‏ فقد رأته صحيفتنا غير مرضي‏,‏ وعلي حد قولها في استهلال تعليقها أنه لم يشف غليلا فقد طلبنا الإغاثة فقدمت لنا النصح معتمدة علي أن النصح أغلي ما يباع ويشتري‏!‏
انتقدت جريدتنا ما جاء في البلاغ من أن القطن المصري زاد بنسبة‏300%‏ علي ضوء أن الحكومة ظلت قبل إعلان الهدنة تشتري القطن من الفلاحين بسعر إجباري تحدده‏,‏ وأن الواجب قياس الزيادة علي السعر الحر‏,‏ وأنه لو حسبت المسألة علي هذا النحو فمن المفروض أن يباع القطن المصري بسعر‏63‏ ريالا لا‏.42‏
وبعد مقارنات طويلة بين الأسعار فيما قبل الحرب وفي وقت الأزمة خلصت الأهرام إلي القول أن الحكومة لم تعر هذا الموضوع كل عنايتها عندما وضعت بلاغها ولم تدقق النظر في تفصيلاته الذي لا ينكر أحد أنه معقد ودقيق‏!‏
بيد أنه علي الجانب الآخر نجح أحد قراء الصحيفة‏,‏ واسمه محمد البغدادي قطامش المحامي‏,‏ في تقديم نقد أكثر موضوعية من مقالها الافتتاحي‏..‏ فقد فند ما جاء في البلاغ باتهام المصريين بالبذخ وارتاه ضرورة لسد النقص الذي نشأ من الاقتصاد الشديد الذي اقتضته ظروف الحرب‏,‏ وأن القول بزيادة سعر القطن‏300%‏ مردود عليه بأن الزيادة في أسعار بعض الحاجيات الأخري وصلت إلي‏400‏ في المائة وبلغت في المنسوجات خصوصا‏500‏ في المائة‏,‏ وأخيرا ما استدل عليه البيان الحكومي من هبوط الأسعار العامة‏,‏ فإن هذا الهبوط في رأي الأستاذ قطامش لم يتجاوز الثلاثين في المائة‏.‏
غير أن الملاحظ مما نشرته الأهرام أن غالبية المشاركين في مناقشة الأزمة رأوا وجوب تحديد المساحة المزروعة قطنا‏,‏ الأمر الذي عبر عنه الأفراد والجماعات‏.‏
من المنيا كتب مزارع اسمه عبد الملك ناروز يلتمس من رجال الحكومة السنية تحديد الأراضي المزروعة قطنا بربع المساحة فقط‏,‏ وبهذا يمكن رفع سعر القطن وتضطر معامل أوربا رغما منها لمشتري أقطاننا بأثمان عالية‏,‏ إن لم يكن عاجلا فآجلا‏.‏
تاجر ومزارع من شربين اسمه محمد منتصر كان الأكثر تطرفا‏,‏ فقد طالب كل فرد من المزارعين أن يبدي رغبته علي صفحات الجرائد في الإضراب عن زراعة القطن في العام المقبل ويطلب من الحكومة أن تصدر منشورا بمنع الزراعة بتاتا‏!‏
في مغاغة اجتمع قليني فهمي باشا مع العمد والأعيان وبحثوا في الحالة الاقتصادية واتفقوا علي إنشاء نقابة زراعية كان أول قراراتها تنزيل زمام زراعة القطن من نصف الزمام إلي ثلث الزمام‏.‏
صبت كل تلك الروافد في نهر كبير عندما اجتمعت مجالس المديريات يوم الثلاثاء‏6‏ ديسمبر وانتهت جميعا إلي الموافقة علي تحديد زمام المساحة المزروعة قطنا بثلث الأراضي الزراعية‏,‏ الأمر الذي دعا إلي اجتماع مجلس الوزراء في اليوم التالي لاتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع هذه القرارات موضع التنفيذ‏,‏ الأمر الذي رحبت به السلطات البريطانية فيما كشفت عنه الوثائق‏.‏
آخر ما علمناه من هذه الوثائق السرية أن الحكومة المصرية تحت الضغوط السياسية من الرأي العام اضطرت بعد شهور قليلة‏,‏ إلي شراء الأقطان التي لم يتم بيعها‏,‏ وانتهت بذلك الكارثة القطنية لخريف عام‏1920,‏ وإن لم تكن آخر الكوارث‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب